قال إبراهيم الحراني: ثم قدمنا مكة فإني لفي سوق القسي أساوم بقوس عربية بكنانتها، إذ بإنسان عن يميني يقول: نعم القوس في يدك. قلت: أريد أبسط منها قليلًا؟ قال: فعندي بغيتك إئت المنزل، فصرت إليه، فأخرج إلي قوسًا جيدةً لينةً حسنة الصنعة، قلت: نعم! هذه أريد، فكم ثمنها؟ قال: عشرة دنانير، قلت: يا هذا، أغرقت في النزع، قال: هذا سومي، فهات سومك أنت. قلت بدينارين. فأحد النظر، وقال: وآتيك؛ فالذي كان يجب للطبيعة أن تأتي به تحول فصار ضحكًا. فقلت: غضب الله عليك، تطلق لسانك في حرم الله وأمنه في أيام عظيمة؛ فأنت بمثل هذه السن تتكلم بهذا الكلام!! فقال: هو ما قلت لك، إنما هو بيع وشراء، فلا تغضب؛ فإني لم أغضب من عطيتك.
قال: ففارقته، ودخلت على أمير المؤمنين، فقلت: يا سيدي؛ ههنا خبر أعجب من خبر ابن جريج! وحدثته الحديث، فقال: ارجع وجئني به، فوجهت غلامًا كان معي وأنا أساومه ومعه أعوان؛ فجاءوا به، فلما دخل عليه قال: هذا صاحبك يا إبراهيم؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين! فقال الرشيد: ماذا قلت لهذا حين ساومك بالقوس؟ قال: قد دار بيني وبينه كلام. قال: أخبرني به. قال: لست مني على سوم فأخبرك. قال: فماذا قال لك؟ قال: هو أعلم بما قال. فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين؛ أخرج إلي قوسًا عربية بكنانتها، فقلت: بكم هذه؟ قال: بعشرة دنانير. قلت: أسرفت فخذ مني دينارين. قال: وآتيك. قال الرشيد: كذا كان؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ إنما هذا شراء وبيع ولم يتم لي بيعها بما أعطاني، وظننت أن بضاعته قليلة فقلت: آخذ دينارين وعروضًا بالباقي.
فضحك الرشيد حتى تبسط. ثم قال: قاتلك الله! فما أقبح مجونك! ووصله.
قال إبراهيم: فلما انصرفنا خارجين عن مكة مررت به، فوقفت عليه وسلمت عليه. فقال: ما ترى في تيك القوس؟ ألك فيها رأي؟ قلت: أما على شريطتك الأولى فلا. قال: فلا بأس فخذها مني بدينارين وغن لي ثلاثة أصوات، أو خذها بخمسة وأغنيك أربعة أصوات، ثلاثة لمعبد، وواحد لابن عائشة كان يفعل فيه ما أحل الله وحرم، قلت: هذا وحده. فاندفع يغني:
وخطّا بأطراف الأسنّة مضجعي وردّا على عيني فضل ردائيا
الشعر لمالك بن الريب المازني فأجاده ما شاء وحسنه. فقلت: لولا أن أمير المؤمنين قد قدمت له دابته لوقفت عليك. فقال: امض عليك السلام وإن كان في القلب ما فيه؛ إذ بخلت على أخيك بضمة أو ضمتين. قلت: ما لك لعنك الله! وفارقته، وحدثت أمير المؤمنين بما قال فقال: يا إبراهيم، تجد بالعراق طولًا وعرضًا واحدًا له ما لأهل الحرمين من الذكاء والظرف؟ قلت: لا أعرف موضعه.