ولأهل الصناعات من طريق صناعاتهم كلام مستظرف؛ وربما اتفقت الاستعارة مطردة للشاعر على معنى في صناعة، حتى كأنه عانى تلك الصناعة بما جرى على لسانه من البراعة، في وصف حقائقها، ونعت طرائقها؛ كقول عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع.
غرست الهوى حتى إذا أورق الهوى فأينع في أغصانه ثمر الوصل
وحفّت به أنهاره في غياضه فأصبح ملتفّ الحدائق بالحمل
ولم يبق إلا المجتنى من ثماره سرور التصافي والمودة والبذل
أطاف بنا ريح الوشاة فهيّجت سحابة هجران تكفّ على رسل
فمالت عزاليها عليه فأحرقت غصون الهوى والودّ منّا بلا دخل
ودبّت سيول الهجر حول أصوله فأغصانه فاستقلعته من الأصل
وقال علي بن هشام:
حصد الحبيب وصالنا بمناجلٍ طبع المناجل من حديد البين
والشوق يطحنه بأرحية الهوى والعين تعجنه بماء العين
والقلب يخبزه بنيران الأسى والنفس تأكله بلونٍ لون
[ ٥٣ ]
قال الجاحظ: سألت وراقًا عن حاله؟ فقال: عيشي أضيق من محبرة، وجسمي أدق من مسطرة، وجاهي أرق من الزجاج، ووجهي عند الناس أشد سوادًا من الحبر بالزاج، وحظي أخفى من شق القلم، وجسمي أضعف من قصبة، وطعامي أمض من الحبر، وشرابي أمر من العفص؛ وسوء الحال ألزم بي من الصمغ. فقلت: لقد عبرت ببلاء عن بلاء.
وللجاحظ في هذا النوع رسالة كتب بها إلى المعتصم، وقيل إلى المتوكل في الحض على تعليم أولاده ضروب العلوم وأنواع الأدب وهي: يا أمير المؤمنين: علم بنيك من أنواع الأدب ما أمكن؛ فإنك إن أفردتهم بشيء واحد ثم سئلوا عن غيره لم يعرفوه؛ وذلك أن حزامًا صاحب خيلك حين سألته عن الوقعة ببلاد الروم، قال: لقيناهم في مقدار الإصطبل، فما كان إلا بمقدار ما يحس الرجل دابته حتى قتلناهم؛ فتركناهم في مثل نثير السرجين، فلو طرحت روثة لما سقطت إلا على ذنب برذون.
وكان قد أنشد في الغزل:
غن يهدم الصدّ عن قلبي مذاوده فإنّ قلبي بقتّ الصبر معمور
ويح امرىءٍ في وثاق الحبّ يكبحه لجام هجرٍ على الأسقام مقرور
أنل خليلك نيلًا من وصالك أو حسن الرقاد فإنّ النوم مأسور
أمنت فتل شكالي حين ودّعني ومبضع الحب في كفيه مطرور
لبست برقع هجر بعد ذلك في إصطبل ودّ فروث الحبّ منثور
وسألت بختيشوع الطبيب عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مقدار ساحة البيمارستان؛ فما كان إلا بمقدار ما يختلف الرجل مقعدين حتى تركناهم في محقنة ثم قتلناهم، فلو طرحت مبضعًا لما وقع إلا على أكحل رجل.
وكان قد قال في الغزل:
شرب الوصل بجنح الهجر فاستط لق بطن الوصال بالإسهال
ففؤاد المحبّ ينحله السّه د وقلبي معلّقٌ بالمطال
وفؤادي مبرسمٌ ذو زحيرٍ يابن ماسويه ضاق احتيالي
لو ببقراط بعض ما بي وجالي نوس ماتا منه بأسوأ حال
وسألت جعفر الخياط عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مثل سوق الخلقان؛ فما كان إلا بقدر ما يخيط الرجل درزًا، حتى تركناهم في أضيق من جربان، فلو طرحت إبرة لما وقعت إلا على درز رجل.
وكان قد قال في الغزل:
فتقت بالهجران درز الهوى بإبرة من إبر الصدّ
فالقلب من ضيق سراويله يعثر بي في تكّة الجهد
حسدتني يا طيلسان الهوى منه على سوءٍ شقا جدّي
أزرار عيني فيك موصولةٌ بعروة الدّمع على خدّي
يادستبان القلب يا زيقه عذّبني الدركنز بالوعد
قد قصّ ما أعرف من وصله مقراض بين مرهف الحدّ
يا حجزة النفس ويا ذيلها ما لي من وصلك من بدّ
ويا جرّبان سروري ويا جيب غرامي حلت عن عهدي
وسألت إسحاق بن إبراهيم عن ذلك وكان زارعًا فقال: لقيناهم في مثل جريب من الأرض؛ فما كان إلا بقدر ما يسقي الرجل مشارة حتى قتلناهم عن آخرهم، فلو طرحت منجلًا لما سقط إلا على رأس رجل؛ فصاروا مثل أكوام التبن إذا خرج عن الحب.
وكان قد قال في الغزل:
زرعت هواه في جريبٍ مثلّثٍ وأسقيته ماء الدوام على العهد
فلما تعالى النبت واخضرّ يانعًا وأفرك حبّ الحبّ في سنبل الودّ
أتته أكفّ الهجر فيها مناجلٌ فأسرعن فيه حين أدرك بالحصد
فيا شؤم مالي إذ يعطل للشقا ويا ويح ثوري صار معلفه كبدي
وسألت فرجًا الرخجي عن مثل ذلك وكان خبازًا فقال: لقيناهم في مثل مقدار جفنة، فما كان إلا بقدر ما يعجن الرجل قفيزًا أو يخبز أرغفة، حتى صيرناهم في أضيق من جحر التنور، فلو طرحت جردقًا لما وقع إلا في خوان الخبز على كثرة القتلى.
وقد كان أنشد في الغزل:
قد عجن الهجر دقيق الهوى في جفنةٍ من خشب الصدّ
فاختمر البين فنار الهوى تزجي بشوك الهجر من بعدي
وأقبل الصدّ بهجرانه يفحص عن أرغفة الوجد
جرادقًا للوعد مسمومةً مثرودةً في قصعة الجهد
[ ٥٤ ]
وسألت عبد الله بن عبد الصمد عن مثل ذلك وكان مؤدبًا فقال: لقيناهم في مقدار كنف، فما كان إلا بمقدار ما يقرأ الصبي إمامة، حتى تركناهم في أضيق من فم الرقم، فلو طرحت دواةً لما سقطت إلا على حجر قتيل.
وقد كان قال في الغزل:
قد أمات الهجران صبيان قلبي ففؤادي مولّهٌ ذو خبال
كسر البين لوح وصلي فما أط مع ممن هويته في وصال
وقع الرقم عن دواتي فمذ أطل ق مولاي حبله من حبالي
مشق الحبّ من فؤادي لوحي ن فأغرى جوانحي بالسلال
لاق كبدي دواته فمداد ال عين مذ صدّ مالكي ذو انهمال
وسألت الجهم بن بدر عن مثل ذلك وكان صاحب حمام ت فقال: لقيناهم في مثل بيت الابتذال، فقاتلناهم بقدر ما تخلف النورة، ثم ألجأناهم إلى أضيق من الأبزن، فهزمناهم بقدر ما يغسل الرجل وجهه؛ فلو طرحت ليفة لما وقعت إلا على ظهر رجل.
وقد كان قال في الغزل:
يا نورة الهجر غلفت الصفا بما بدا من ليفة الصدّ
يا مبذر الأسقام حتّى متى تنقع في حوضٍ من الجهد
انقل ذيول الوصل لي مرة منك بزنبيلٍ من الودّ
فالبين مذ أوقد حمّامه هيّج قلبي مشلّح الوجد
أفسد خطمي الهوى والصفا بحاله الناقض للعهد
وسألت الحسن بن أبي قماش وكان أبوه كناسًا فقال: لقيناهم بقدر ما يكنس الرجل زنبيلًا، حتى تركناهم في أضيق من جحر المخرج، فلو رميت بنت وردان لما وقعت إلا على ظهر قتيل.
وكان قد قال في الغزل:
أصبح قلبي للهوى مخرجًا تسلح فيه فقحة الهجر
خنافس الهجران أثكلنني نومي فولّى معرضًا صبري
وبنت وردان الهوى تيّمت عقلي فما أعقل ما أمري
وسألت أحمد الشرابي، فقال: لقيناهم في مقدار بيت شراب، فلم يكن إلا بمقدار ما يبزل الرجل دنا، حتى تركناهم في أضيق من رطلية، ثم سالت دماؤهم كالدردي، فلو طرحت كأسًا لما وقع إلا في كف رجل.
وكان قد قال في الغزل:
شربت بكأس اللهو من راحة الهوى ورقرقت خمر الوصل في قدح البين
فسالت دنان الحبّ يدفقها الصبا وكرّت قرابات دمعي على عيني
وسألت عبد الله الطاهري وكان طباخًا فقال: لقيناهم في مقدار مطبخ أمير المؤمنين، فما كان إلا بمقدار ما يشوي الرجل حملًا أو جدبًا، أو يفرغ من طبخ ثلاثة ألوان، أو يعقد فالوذجةً، حتى تركناهم في أضيق من أثافي القدر، فلو طرحت ملعقة لما وقعت إلا على بطن قتيل.
وكان قد قال في الغزل:
شبه الفالوذج في حمرة الخ دّ ولوزينج النفوس الظماء
أنت جوزينج الفؤاد وفي اللي ن كلين الخبيصة الصفراء
أنت مستهترٌ بسكباج ودّ بعد جوزابة بجنب شواء
يا قتار القدور في يوم عرسٍ وشبيهًا بشهدةٍ بيضاء
أنت أشهى إلى الفؤاد من الزب د مع البرسيان وقت الغداء
أطعم الحاسدين ألوان غمّ في قصاع الأحزان والضراء
قد غلا القلب مذ خلت منك داري غليان القدور بعد الصّلاء
هام لمّا كسرت فيك غضارا ت سروري مفارق الشّحناء
إنّ إسفيداج وجهك يشفي من رقيق الأحزان أي شفاء
فتفضل على العميد بماء ورد يكبت قلوب العداء
وسألت داود الفراش عن مثل ذلك قال: لقيناهم في مثل تربيع الفسطاط، فما كان إلا بقدر ما يفرش الرجل بيتًا أو بيتين، حتى تركناهم في أضيق من صاريات ثم قتلناهم، فلو رأيت نجار التراب عليهم وقد سالت دماؤهم في حمرة الأرمني.
وكان قد أنشدني في الغزل:
كنس الهجر ساحة الوصل لمّا عثر البين في وجوه صفائي
فلقد بثّ في فراش همومي تحت خدّي وسائدًا لضنائي
حين هيأت بيت حسن من الوص ل لأثوابه ستور إخاء
[ ٥٥ ]
فرش الهجر لي بيوت مسوحٍ متّكاها مطارح الحصباء
رقّ للصبّ من بواعث وجدٍ قد تخالسنه صباح مساء
يا أمير المؤمنين: إنما ينطق اللسان بما يتصور الجنان، ويظهر في الكلام ما يخطر على الأوهام، فمن لم يعرف إلا شيئًا واحدًا لم يتكلم إلا عليه، ومن كثر علمه كثرت خواطره، واتسعت مذاهبه، ورب هزل أنفع من جد؛ إذا أصيب به موضع الحاجة إليه، ووضع بحيث تقع همم النفوس عليه، والسلام.
والجاحظ صنع هذه الأشعار لما وضع هذه الأخبار، وكان قديرًا على الشعر سراقًا له. روى أبو مسلم الكشي قال: حدثني إبراهيم بن رباح قال: مدحني حماد بن أبان اللاحقي بشعر فيه هذان البيتان:
بدا حين أثرى بإخوانه ففلّل فيهم شباة العدم
وذكّره الحزم غبّ الأمور فبادر قبل انتقال النعم
فروي هذا الشعر وعرف بالبصرة، ثم جاءني الجاحظ فمدحني بشعر أدخل فيه هذين البيتين، فاحتملت ذلك وأثبته؛ فبينما أنا جالس يومًا في مجلس أحمد بن أبي دواد والجاحظ في مجلسه، إذ قال لي أحمد ما وصفت بشيء أحسن مما مدحني به أبو عثمان، وأنشدني البيتين. فقلت: إن مادحك أعزك الله يجد فيك مقالًا والجاحظ ملأ عينيه مني ولا يستحي مني.
وله في رسالة إلى أبي الفرج محمد بن نجاح قصيدة مستحسنة أولها:
أقام يدًا والخفض راضٍ بحظّه وذو الحظّ يسري حيث لا أحد يسري
يظنّ الرضا بالقوت شيئًا مهوّنًا ودون الرضا كأسٌ أمرّ من الصبر
وقد طعن أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني بديع الزمان على بلاغة الجاحظ فقال: هو في أحد شقي البلاغة يقف، وفي الآخر يقتطف، والبليغ من لم يقصر نظمه عن نثره ولم يزر كلامه بشعره، أفترون للجاحظ شعرًا رائقًا؟ قالوا: لا. قال: فهلموا إلى نثره تجدوه قريب العبارات، بعيد الإشارات، قليل الاستعارات، منقاد لعريان الكلام يستعمله، نفور من بديعه يهمله.
وليس هذا موضع الكلام على بلاغته، وإلا فكنت أنبه على معايب كلامه ومقابحه، ومحاسن خطابه وممادحه.