ولاختيار المطايبات والمداعبات وما انخرط في سلكها من الملح والمزح أصول لا يخرج فيها عنها، وفصول لا يخرج بها منها، وقد يستندر الحار المنضج، والبارد المثلج؛ لأن إفراط البرد، يعود به إلى الضد. ولذلك قول أبو نواس:
قل للزّهيريّ إن حدا وشدا أقلل وأكثر فأنت مهذار
سخنت من شدة البرودة ح تى صرت عندي كأنك النار
لا يعجب السامعون من صفتي كذلك الثلج باردٌ حار
وفي كليلة ودمنة: لا ينبغي اللجاج في إسقاط ذي الهمة والرأي وإزالته؛ فإنه إما شرس الطبيعة كالحية إن وطئت فلم تلسع لم يغتر بها فيعاد لوطئها، وإما سبح الطبع كالصندل البارد، إن أفرط في حكه عاد حارًا مؤذيًا.
وقالوا: إنما ملح القرد عند الناس لإفراط قبحه. وقد قال ابن الرومي في الخصيان:
معشرًا أشبهوا القرود ولكن خالفوها في خفّة الأرواح
لأن العبد إذا خصي استرخت معاقد عصبه، وحدث في طبعه نشاط في الخدمة؛ فيحصل بين حالين لا يطيق المبالغة فيهما فيضيق صدره، وتثقل روحه. وقد قال أبو تمام:
أمن عمىً نزل الناس الربى فنجوا وأنتم نصب سيل القنّة العرم
أم ذاك من هممٍ جاشت وكم صفة حدا إليها غلوّ القوم في الهمم
وكان يقال: من التوقي ترك الإفراط في التوقي، وإنما الموت المحبب والسقم المغيب، أن تقع النادرة فاترة فتخرج عن رتبة الهزل والجد، ودرجة الحر والبرد، فيكون بها جهد الكرب على القلب؛ كما قال أبو بكر الخوارزمي: أثقل من عذاب الفراق، وكتاب الطلاق، وموت الحبيب، وطلعة الرقيب، وقدح اللبلاب في كف المريض، ونظرة الذل إلى البغيض، وأشد من خراج بلا غلة، ودواء بلا علة، وطلعة الموت في عين الكافر، وقد ختم عمره في الكبائر، وأعظم من ليلة المسافر، في عين كانون الآخر، على إكاف يابس، تحت مطر وبرد قارس.
ومن أمثال البغداديين: هو أثقل من مغن وسط، ومن مضحك وسط. وقال ابن الرومي يهجو أحمد بن طيفور:
فقدتك يا بن أبي طافر وأطعمت فقدك من شاعر
فلت بسخن ولا بارد وما بين ذين سوى الفاتر
وأنت كذاك تغثّي النفو س بغثية الفاتر الخاثر