وقال المؤمل بن أميل: قدمت على المهدي وهو إذ ذاك ولي عهد أبيه، فامتدحته فأمر لي بعشرين ألف درهم، فكتب ذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو بمدينة السلام يخبره أن الأمير أمر لشاعر بعشرين ألف درهم، فكتب إليه يعذله ويلومه، ويقول: إنما كان ينبغي لك أن تعطي الشاعر إذا أقام ببابك سنة أربعة آلاف درهم، وكتب إلى كاتبه أن يوجه إليه بالشاعر، فطلب فلم يقدر عليه، فكتب إليه أن قد توجه إلى مدينة السلام.
[ ٣٩ ]
فأجلس قائدًا من قواده على جسر النهروان، وأمره أن يتصفح الناس رجلًا رجلًا، فجعل لا يمر به قافلة إلا تصفحهم، فمرت القافلة التي فيها المؤمل، فقال له: من أنت؟ قال: المؤمل بن أميل من زوار المهدي، قال: إياك أردت، قال المؤمل: فكاد والله قلبي ينصدع خوفًا من أبي جعفر، فقبض علي، وقال: سر، فسرت معه فسلمني إلى الربيع، فدخل الربيع على المنصور فقال له: هذا الشاعر قد ظفرنا به. قال: أدخلوه. قال: فدخلت عليه فسلمت فرد السلام. فقلت: ليس ههنا إلا الخير، فقال: أنت المؤمل بن أميل؟ قلت: نعم أصلح الله أمير المؤمنين، أنا المؤمل، فقال: أتيت غلامًا غرًا فجدعته فانخدع!! فقلت: بل أتيت كريمًا فخدعته فانخدع، والكريم يخدع، قال: فكأن ذلك أعجبه، فقال: أنشدني ما قلت فيه، فأنشدته:
هو المهديّ إلاّ أنّ فيه مشابه صورة القمر المنير
تشابه ذا وذا فهما إذا ما أنارا يشكلان على البصير
فهذا في الضياء سراج عدلٍ وهذا في الظلام سراج نور
ولكن فضّل الرحمن هذا على ذا بالمنابر والسرير
وبالملك العزيز فذا أميرٌ وماذا بالأمير ولا الوزير
ونقص الشهر يخمد ذا، وهذا منيرٌ عند نقصان الشهور
فيابن خليفة الله المصفّى به تعلو مفاخرة الفخور
لئن فتّ الملوك وقد توافوا إليك من السهولة والوعور
لقد سبق الملوك أبوك حتّى أتوا ما بين كابٍ أو حسير
وجئت وراءه تجري حثيثًا وما بك حين تجري من فتور
فقال الناس ما هذان إلاّ كما بين الخليق من الجدير
لئن فات الكبير مدى الصغير فذا فضل الكبير على الصغير
وإن بلغ الصغير مدى الكبير فقد خلق الصغير من الكبير
فقال: والله لقد أحسنت، ولكن لا تساوي عشرين ألف درهم، فأين المال؟ قلت: هوذا، قال: يا ربيع، انزل معه فأعطه عشرة آلاف درهم وخذ الباقي.
فلما صارت الخلافة إلى المهدي وولي ابن ثوبان المظالم، وكان يجلس للناس بالرصافة، فإذا ملأ ثوبه رقاعًا دفعها إلى المهدي؛ فدفعت إليه رقعةً، فلما دخل بها ابن ثوبان وجعل المهدي ينظر في الرقاع حتى نظر في رقعتي ضحك، فقال له ابن ثوبان: أصلح الله أمير المؤمنين، ما رأيتك ضحكت من شيء إلا من هذه الرقعة؟ فقال: هذه رقعة أعرف سببها، ردوا عليه العشرة آلاف، فردت.
أخذ قوله في القمر علي بن الجهم فقال:
رأيت الهلال على وجهه فلم أدر أيّهما أنور
سوى أنّ ذاك بعيد المحلّ وهذا قريبٌ لمن ينظر
وذاك يغيب وذا حاضر وما من يغيب كمن يحضر
وقال إبراهيم بن العباس:
وعابك أقوامٌ فقالوا شبيهةً لبدر الدجى حاشاك أن تشبهي البدرا
لئن شبّهوك البدر ليلة تمّه لقد قارفوا الشّنعاء واقترفوا الوزرا
أيشبه بدرٌ آفلٌ نصف شهره ضياءً منيرًا يطلع الشهر والدهرا؟
وإنما نقل المؤمل في موازنة المهدي بالمنصور قول زهير بن أبي سلمى: قال الربيع بن يونس الحاجب: كنا وقوفًا على رأس المنصور في يوم عيد وقد طرحت وسادةٌ بين يديه؛ فجلس المهدي عليها، والناس سماطان على مراتبهم، إذ أقبل صالح بن المنصور الملقب بالمسكين وهو حدث فوقف بين السماطين فسلم وأحسن ثم استأذن في الكلام فأذن له فتكلم. قال الربيع: فلم يبلغه ذلك اليوم خطيب؛ فمد المنصور يده فقال: إلي يا بني، فلما دنا منه اعتنقه وأقعده قدامه، ثم نظر في وجوه القوم هل منهم أحد يصف كلامه وما كان منه! فكلهم هاب المهدي، فقال عقال بن شبة فقال: لله در خطيب قام عندك يا أمير المؤمنين، ما أفصح لسانه، وأبين بيانه، وأمضى جنانه، وأبل ريقه، وأغمض عروقه، وأسهل طريقه! وحق لمن كان أمير المؤمنين أباه، والمهدي أخاه، أن يكون كما قال زهير:
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهلٍ فبالذي قدّما من صالحٍ سبقا
[ ٤٠ ]
قال الربيع: فقال لي أبو عبد الله وكان إلى جانبي ما رأيت مثل عقال بن شبة قط؛ أرضى أمير المؤمنين، ومدح الغلام، وسلم من مذمة المهدي.
فقال المنصور للربيع: لا ينصرف التميمي إلا بثلاثين ألف درهم.
قال أبو بكر الصولي: وأبيات المؤمل حسان لا أعرف له خيرًا منها، ولو قلت: إنه لا يعد شاعرًا إلا بها ما أبعدت، وما كان يعرفها الناس، وإنما شهر بقصيدته التي أولها:
شفّ المؤمّل يوم الحيرة النظر ليت المؤمّل لم يخلق له بصر
ويقال: إنه لما قال هذا عمي، فرأى في منامه إنسانًا يقول له: هذا ما تمنيت في شعرك. ومن أحسن ما قاله المؤمل قوله:
أبهار قد هيجت لي أوجاعًا وتركتني صبًّا بكم مطواعا
بحديثك الحسن الذي لو حدّثت وحش الفلاة به لجئن سراعا
والله لو علم البهار بأنها أضحت سميّته لطال ذراعا