ولابن أبي عتيق عجائب ظريفة، أذكر لك منها ما يصلح ويملح؛ منها أنه سمع وهو بالمدينة قول ابن أبي ربيعة:
فما نلت منها محرمًا غير أنّنا كلانا من الثوب المطارف لابس
فقال: أبنا يلعب ابن أبي ربيعة؟ فأي محرم بقي؟ فركب بغلته متوجهًا إلى مكة، ودخل أنصاب الحرم، وقيل له: أحرم! قال: إن ذا الحاجة لا يحرم. فلقي ابن أبي ربيعة؛ فقال: أما زعمت أنك لم تركب محرمًا قط؟ قال: بلى! قال: فما قولك: كلانا من الثوب البيت؟ فقال له: إني أخبرك؛ خرجت بعلة المسجد، وخرجت زينب تريده، فالتقينا فاتعدنا، فصرنا إلى بعض الشعاب، فأخذتنا السماء، فأمرت بمطرفي فسترنا الغلمان لئلا يروا بها بلة فيقولوا لها: هلا استترت بسقائف المسجد؟ فقال له ابن أبي عتيق: يا عاهر! هذا البيت يحتاج إلى حاضنة؟ وابن أبي عتيق الذي سمع قول ابن أبي ربيعة:
قال لي صاحبي ليعلم ما بي أتحبّ القتول أخت الرّباب
قلت وجدي بها كوجدك بالما ء إذا ما فقدت برد الشراب
أزهقت أُمّ نوفلٍ إذ دعتها مهجتي، ما لقاتلي من متاب
أبرزوها مثل المهاة تهادى بين خمسٍ كواعبٍ أتراب
[ ٢٠ ]
وهي مكنونةٌ تحيّر منها في أديم الخدّين ماء الشباب
ثم قالوا تحبّها قلت بهرًا عدد الرمل والحصى والتراب
من رسولي إلى الثريّا بأني ضقت ذرعًا بهجرها والكتاب
فلما سمع هذا البيت قال: إياي أراد وبي هتف ونوه؛ والله لا ذقت طعامًا أو أشخص إليها وأصلح بينهما.
قال مولى لبني تميم: فنهض ونهضت معه حتى خرج إلى سوق الضمرتين، فأتى قومًا من بني الديل من حنيفة يكرون النجائب، فقال: بكم تكرونني راحلتين إلى مكة؟ قالوا: بكذا وكذا، فقلت لبعض التجار: استوضعوا شيئًا؛ فقال ابن أبي عتيق: ويحك! إن المكاس ليس من أخلاق الناس، ثم ركب واحدة وركبت الأخرى وأجد السير، فقلت: ارفق بنفسك. فقال: ويحك: أبادر حبل الوصل أن يقتضبا وما أملح الدنيا إذا تم الوصل بين عمر والثريا. فقدمنا مكة، وأتى باب الثريا، فقالت: والله ما كنت لنا زوارًا. قال: أجل! ولكني جئت برسالة؛ يقول لك ابن عمك عمر: ضقت ذرعًا بهجرك والكتاب. فلامه عمر. فقال ابن أبي عتيق: إنما رأيتك مبادرًا تلتمس رسولًا فخففت في حاجتك، فإنما كان ثوابي أن أشكر.
وسمع ابن أبي عتيق قول العرجي:
وما ليلةٌ عندي وإن قيل ليلة ولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفطر
معادلة الإثنين عندي وبالحري يكون سواءً مثلها ليلة القدر
وما أنس م الأشياء لا أنس قولها لخادمها قومي سلي لي عن الوتر
فجاءت تقول الناس في تسع عشرة ولا تعجلي عنه فإنّك في أجر
فقال: هذه أفقه من ابن شهاب، وهي حرة لله ﷿ من مالي إن أجاز أهلها ذلك.