وكان بديح أحلى الناس وأذكاهم، وهو الذي قال له الوليد بن يزيد: يا بديح؛ خذ بنا في الأماني، فإني أغلبك فيها، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أغلبك لأني فقير وأنت خليفة، وإنما يتمنى المرء ما عسى أن يبلغ إليه وأنت قد بلغت الآمال. قال: لا تتمنى شيئًا إلا تمنيت ما هو أكثر منه. قال: فإني أتمنى كفلين من العذاب وأن يلعنني الله لعنًا وبيلًا، فقال: اعزب لعنك الله دون خلقه.
ودخل عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان وقد اشتى عرق النسا، فقال: يا أمير المؤمنين، إن مولاي بديحًا أحذق الناس برقيته، قال: أتجيئني به؟ فجاءه به فرقًا؛ فبات تلك الليلة هادئًا، فلما أصح سأله عبد الله بن جعفر عن حاله، فأخبره بما وجد من العافية؛ ثم قال لبديح: اكتب لنا هذه الرقية لتكون عندنا، قال: لا أفعل، قال: أقسمت عليك لتفعلن، قال اكتب:
ألا إنّ أيامي وأيامك التي مضين لنا لم أدر ما ألم الهجر
مضين وما شيء مضى لك عائدٌ فهل لك فيها إن تولّين من عذر
دعي ما مضى واستقبلي العيش إنني رأيت لذيذ العيش مستقبل العمر
فما نازع الدهر امرأً في انقلابه فأعتبه إلاّ بقاصمة الظّهر
فقال عبد الملك: فأي شيء هذا؟ قال: امرأتي طالق إن كنت رقيتك إلا بهذه! قال: ويحك! استر علينا، قال: كيف أستر ما سارت به الركبان!