رجع ما انقطع: ممن ظن به خير فانكشف عن شر، قال يزيد بن هارون: كنت بالحيرة فرأيت شيخًا عليه طيلسان، وعلى رأسه طويلة، وله سمت حسن، فرجوت أن يكون عنده حديث فقلت: يا شيخ؛ عندك حديث؟ فقال: أما حديث فلا، ولكن عندي قديم طيب؛ فإذا هو خمار.
وسال العقيق في بعض السنين، فخرج الناس إلى الصحراء وفيهم سفيان الثوري؛ فلما كثر الناس انكفأ يريد منزله، فبصر بشيخ ضرير قد أهدف على المائة وبيده عصًا يخترق صفوف النساء، وهو يبكي بكاءً شديدًا؛ فظن سفيان أن بكاءه لما فرط له معهن، فنظر إليه حتى إذا صار في آخر الصفوف جنح على محجته واستقبلهن بوجهه، وكفكف عن عبرته وأنشأ:
عليكنّ السلام فليس منّي لكنّ فدعنني غير السلام
تحالفت العصا لتشدّ ظهري وتجبر عثري عند القيام
فقال له سفيان: أما كان لك فيما مضى من عمرك عظة عن معاصي الله ﷿؟ فقال: بأبي أنت! تمنعني من تلك الحوراء الطرف، الوافية الردف، الحسنة التبختر، الوانية التكسر، كالظبي الغرير، والمهاة عند الغدير، التي يقول في صويحباتها الشاعر:
يأخذن زينتهن أحسن ما يرى فإذا عطلن فهنّ خير عواطل
يرمينني لا يستترن بجنّةٍ إلاّ الصّبا أين مقاتلي
يلبسن أردية الشباب لأهلها ويجرّ باطلهنّ حبل الباطل
فمضى سفيان يستعيذ بالله منه.
ومثل قوله قول كشاجم:
يقولون تب والكاس في يد أغيد وصوت المثاني والمثالث عالي
فقلت لهم لو كنت عاينت توبةً وعاينت هذا في المنام بدا لي