وكتاب جاودان خرد من أجل كتب الفرس، وكان سببه على ما ذكر الجاحظ أن بعض الأكاسرة كان زاهدًا في كتب الأدب، راغبًا في التكبر عن النظر فيهما، والتعظم عن الاشتغال بشيء منها، وكان له وزير يقال له كنجور بن أسفنديار، فصنع ترجمة لكتاب لم يعلمها أحد، وجعلها في ورقة، وألقاها إلى الملك وكانت الترجمة: هذا كتاب تصفية الأذهان، ونقاء الفكر، وسراج القلوب، من كتاب واضح عمود الحكمة.
فلما نظر الملك إلى هذه الترجمة شغفه حسنها، فقال لكنجور: لقد غلبت هذه الترجمة على هواي، وقادت عزمي، وبعثت رأيي على هذا الكتاب؛ فسل عنه سؤالًا حفيًا يرجع بجلية الخبر، وابعث الحكماء الأدلاء، على تفتيش منازل الحكماء، فإن وجدته في شيء من مملكتي، كنت أولى الناس باصطناع صاحبه، وإن وصف أنه في شيء من أقاليم الهند، كتبت إلى ملك ذلك الإقليم، وسألته المن علي بدفع نسخة منه، وكافأته بهدية مكافأة مثلي على وجود طلبته.
فقال كنجور: أيها الملك، لست أفزع باستفراغ مجهودي والله المعين. وصار إلى منزله ولم يخرج منه حتى صنع كتابه المعروف بجاودان خرد.
قال الجاحظ: حدثني الواقدي قال: قال الفضل بن سهل: لما دعي للمأمون بكور خراسان بالخلافة جاءتنا هدايا الملوك سرورًا بمكانه من الخلافة، ووجه ملك كابلستان شيخًا يقال له ذوبان، وكتب يذكر أنه وجه بهدية ليس في الأرض أسنى ولا أرفع ولا أنبل ولا أفخر منها. فعجب المأمون وقال: سل الشيخ ما معه من الهدية؟ فقال: ما معي شيء أكثر من علمي، فقلت: وأي شيء علمك؟ قال: رأي ينفع، وتدبير يقطع، وجلالة تجمع. فسر المأمون به وأمر بإنزاله وإكرامه وكتمان أمره؛ فلما أجمع على التوجه إلى العراق لقتال محمد الأمين أخيه دعا بذوبان، فقال: ما ترى في التوجه إلى العراق؟ قال: رأي دقيق، وحزم مصيب، وملك حريب، والسبب ماض، فاقض ما أنت قاض. قال: فمن نوجه؟ قال: الفتى الأعور، الطاهر الأطهر، الظاهر الأظهر، يستر ولا يفتر؛ قوي مرهوب، مقاتل غير مغلوب.
قال: فمن نوجه معه من الجند؟ قال: أربعة آلاف، صوارم الأسياف، لا ينقصن في العدد، ولا يحتجن إلى مدد. قال: فما رأيت المأمون سر كسروره ذلك اليوم.
فوجه بطاهر؛ فلما تهيأ له الخروج سأل ذوبان: في أي وقت يخرج من النهار؟ قال: مع طلوع الفجر يجمع لك الأمر، وتصير إلى النصر.
فخرج في ذلك الوقت، فلما كتب بذكر مقدمه الري دعا المأمون بذوبان فقال: قد قرب صاحبنا من العدو وقربوا منه، فما عندك دلالة أبو بينة تكون لنا أو علينا؟ قال: قد تعرفت شانه، إذ أتى فسطاطه، كان نصر سريع، وقتل ذريع، وتفرقت تلك الجموع، والنصر له لا عليه، ثم يرجع الأمر إليك وإليه.
[ ٣٥ ]
فكتب المأمون بذلك إلى طاهر ليقوي عزمه، فلما كتب بقتله علي بن عيسى ابن ماهان واستيلائه على عسكره وأمواله، وخبر ما أولى الله المأمون في أوليائه؛ من النصر والظفر بأعدائه، دعا ذوبان وأمر له بمائة ألف درهم فلم يقبلها. وقال: أيها الملك؛ إن ملكي لم يوجهني إليك هدية لينقصك مالك؛ فلا تجعل ردي نعمتك سخطًا؛ فليس عن استخفافٍ بقدرها؛ وسوف أقبل ما يفي بهذا المال ويزيد، وهو كتاب يوجد في العراق فيه مكارم الأخلاق، وعلوم الآفاق، وهو كتاب عظيم للفرس، فيه شفاء النفس، به من صنوف الآداب، ما لا يوجد في كتاب، عند عاقل لبيب، ولا فطن أريب، يوجد في خزائن، عند الإيوان بالمدائن.
فلما قدم المأمون بغداد، واستقر بها ملكه اقتضاه ذوبان حاجته، وأمر أن تكتب القصة والموضع الذي يشير إليه، فكتب: سر إلى وسط الإيوان، من غير زيادة ولا نقصان، واجعل القسمة بالذرعان، ثم احفر المدر، فاقلع الحجر؛ فإذا وصلت إلى الساجة، فاقتلعها تجد الحاجة، فخذها ولا تعرض لغيرها، فيلزمك غب ضيرها.
فوجه المأمون في ذلك رسولًا حصيفًا، فسار إلى الموضع، ففعل ما قيل له؛ فوجد صندوقًا صغيرًا من زجاج أسود عليه قفل منه، فحمله ورد الحفرة إلى حالها الأول.
قال عمرو بن بحر: فحدثني الحسن بن سهل قال: إني لعند المأمون إذ وصل ذلك الصندوق، فجعل يتعجب منه، ثم دعا بذوبان فقال له: هذه بغيتك؟ قال: نعم! أيها الملك، لست ممن تنقض رغبته ذمام عهده، ولا يحل طمعه عقدة وفائه، ثم تكلم بلسانه، ونفخ في القفل فانفتح، فأدخل يده وأخرج منه خرقة ديباج فنشرها فسقط منها أوراق، فرد الأوراق في الخرقة ونهض. ثم قال: أيها الملك، هذا الصندوق يصلح لرفيع خبيات خزائنك، فأمر به فرفع.
قال الحسن بن سهيل: فقلت: ترى يا أمير المؤمنين أن أسأله ما في هذا الكتاب؟ قال: يا حسن، أفر من اللؤم ثم أرجع إليه؟ أمرته ألا يفتحه بين يدي قطعًا للطمع فيه، وصمتةً بالمسألة عنه، وتحريًا للرغبة فيه، والله لا كان هذا أبدًا.
فلما خرج صرت إلى منزله فسألته عنه مسألة راغب فيه، فقال: هذا كتاب جاودان خرد تأليف كنجور ملك سبراشهرا، فقلت: أعطني ورقةً منه أنظر فيها. فأعطاني فوقعت عليها عيني. وأسرجت لها ذهني، وأجلت فيها فكري؛ فلم أزدد منه إلا بعدًا؛ فدعوت بالخضر بن علي، وذلك في صدر النهار، فلم ينتصف حتى فرغ من قراءتها بينه وبين نفسه؛ ثم جعل يفسرها وأنا أكتب، ثم رددت الورقة وأخذت منه نحو ثلاثين ورقة، فدخلت عليه يومًا فقلت: يا ذوبان؛ يكون في الدنيا من يحسن مثل هذا الكتاب؟ قال: يجوز أن يكون فيها من يحسن ترجمة هذا الكتاب، ولا يجوز أن يكون فيها من يحسن مثل هذا الكتاب. قلت: فهل تعرف من يترجمه؟ قال: نعم، وأصفه لك، هو طوال أنزع، إن تكلم تتعتع، يفوق أهل زمانه، بما يكون من شأنه، اسمه خضير، يقوم بأمر خطر، لو كان له عمر، ولولا أن العلم سبيل الدنيا والآخرة، وهو الكرامة الفاخرة، ومن معرفة قدره الضن به، لرأيت أن أدفعه إليك بتمامه، ولكن لا سبيل إلى أكثر مما أخذت.
ولم تكن الأوراق التي أخذتها على التأليف؛ لأنا أصبنا ورقة فيها علامات فيها الكنوز، وآخر الورقة مكتوب: دليل هذا الباب في الورقة التي تليها؛ ولم نجد غير هذا بتًا؛ غير أنا وجدنا أبوابًا من الحكمة تشهد لها القلوب بحقيقة الصحة، وتحلف طيها الألسن بغاية النهاية.
هذا من كلام الحسن بن سهل كقول أبي تمام يصف شعره:
ومحلفةٍ لمّا ترد أُذن سامعٍ فتصدر إلاّ عن يمينٍ وشاهد
[ ٣٦ ]
قال الجاحظ: وحدثني الحسن بن سهل قال: قال لي المأمون: أي كتب العرب أنبل؟ قال قلت المبتدأ؟ قال: لا. قلت: فالتاريخ؟ قال: لا، فسكت، فقال: تفسير القرآن، لأنه لا شبه له، وتفسيره لا شبه له. ثم قال: أي كتب العجم أنبل؟ فاستعرضتها فقلت: هذا كتاب ذوبان، وقد كتبت بعضه، فقال: إيتني به معجلًا. فوجهت في حمله، فوافاني الرسول وقد نهض يريد الصلاة. فقال: فلما رآني مقبلًا والكتاب معي انحرف عن القبلة، وأخذ الكتاب وجعل ينظر فيه، فإذا فرغ من باب قال: لا إله إلا الله، فلما طال ذلك عليه قعد وجعل يقرأ؛ فقلت: الصلاة تفوت وهذا لا يفوت. قال: صدقت غير أني أخاف السهو في الصلاة لاشتغال قلبي بلذيذ ما في هذا الكتاب، وما أجد للسهو حائلًا غير ذكر الموت فجعل يقرأ: " إنك ميت وإنهم ميتون ". ثم وضع الكتاب. وقام فكبر؛ فلما فرغ من صلاته نظر فيه حتى أتى على آخره. ثم قال: أين تمامه؟ قلت: عند ذوبان لم يدفعه إلي. فقال: لولا أن العهد حبل أحد طرفيه بيد الله والآخر بأيدينا لأخذته منه، فهذا والله الكلام، لا ما نحن فيه من لي ألسنتنا في فجوات أشداقنا.