ومن مستجاد ما قيل في البخل مما جمع إلى الخلاعة براعة قول أبي نواس في إسماعيل بن نيبخت:
على خبز إسماعيل واقية البخل فقد حلّ في دار الأمان من الأكل
وما خبزه إلا كآوى يرى ابنها ولسنا نراها في الحزون ولا السّهل
وما خبزه إلاّ كالعنقاء مغرب تصوّر في بسط الملوك وفي المثل
يحدّث عنها الناس من غير رؤيةٍ سوى صورة ما إن تمر ولا تجلي
وما خبزه إلا كليب بن وائل لبالي يحمي عزّه منبت البقل
وإذ هو لا يستبّ خصمان عنده ولا الصوت مرفوع بجدٍّ ولا هزل
[ ٣٠ ]
فإن خبز إسماعيل حلّ به الذي أصاب كليبًا لم يكن ذاك عن ذلّ
ولكن قضاءٌ ليس يسطاع ردّه بحيلة ذي دهي ولا مكر ذي عقل
قال الجاحظ: وأبيات أبي نواس على أنه مولد شاطر أشعر من شعر المهلهل في إطراق المجلس بكليب أخيه إذ يقول:
نبّئت أنّ النار بعدك أوقدت واستبّ بعدك يا كليب المجلس
وتحدّثوا في أمر كلّ عظيمةٍ لو كنت حاضر أمرهم لم ينبسوا
وكان كليب إذا جلس في ناديه لم يرفع أحد طرفه، ولا ينطق بكلمة إجلالًا له.
وقال أبو نواس:
رأيت قدور الناس سودًا من الصّلى وقدر الرقاشيّين زهراء كالبدر
يضيق بحيزوم البعوضة صدرها ويخرج ما فيها على طرف الظفر
يبيّنها للمعتفي بفنائهم ثلاثٌ كخطّ الثاء من نقط الحبر
إذا ما تنادوا للرحيل سعى بها أمامهم الحوليّ من ولد الذّرّ
وهذا القدر ضد قدر القائل:
وبوّأت قدري موضعًا فوضعتها برابيةٍ ما بين ميثٍ وأجرع
جعلت لها هضب الرّجام وطخفةً وغولًا أثافيّ دونها لم تنزّع
بقدرٍ كأنّ الليل شحنة قعرها ترى الفيل فيها طافيًا لم يقطّع
ويجب أن يأكل ما في هذا القدر من ذكر الفرزدق في قوله:
لعمرك ما الأرزاق حين اكتيالها بأكثر خيرًا من خوان العذافر
ولو ضافه الدّجّال يلتمس القرى وحلّ على خبّازه بالعساكر
بعدّة يأجوج ومأجوج كلّهم لأشبعهم يومًا غداء عذافر