وقال روح بن حاتم لأبي دلامة: اخرج معي وهذه عشرة آلاف درهم. فقال:
إني أعوذ بروحٍ أن يقرّبني إلى الحمام فتشقى بي بنو أسد
إنّ المهلّب حبّ الموت أورثكم وما ورثت اختيار الموت من أحد
وكان أبو دلامة شاعرًا فصيحًا، وماجنًا مليحًا، واسمه زند بن الجون الأزدي.
ودخل على أبي جعفر المنصور فأنشده وذكر زوجته:
فاخرنطمت ثم قالت وهي مغضبةٌ أأنت تتلو كتاب الله يالكع؟!
قم كي تبيع لنا نخلًا ومزدرعًا كما لجارتنا نخلٌ ومزدرع
خادع خليفتنا عنها بمسألةٍ إنّ الخليفة للسؤّال ينخدع
قال: قد أمرنا لك بمائة جريب عامر، ومائة جريب غامر. فقال: وما الغامر يا أمير المؤمنين؟ قال: الذي لا ينبت، قال: فإني أقطعك عشرة آلاف جريب من فيافي بني أسد. فضحك وأمر له بالجميع عامرًا، فقال: إئذن لي في تقبيل يدك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أما هذه فدعها، فقال: ما منعت عيالي شيئًا أسهل عليهم من هذه.
ودخل أبو دلامة يومًا على أبي جعفر المنصور فأنشده:
إنّي رأيتك في المنا م وأنت تعطيني خياره
مملوءةً بدراهم وعليك تأويل العباره
فقال له المنصور: امض فأتني بخيارة أملؤها لك دراهم. فمضى فأتى بأعظم دباءة توجد. ما هذا؟ قال: يلزمني الطلاق إن كنت رأيت إلا دباءة، ولكني نسيت، فلما رأيت الدباءة في السوق ذكرتها.
وهذا إنما أخذه من ابن عبدل الأسدي، وقد دخل على بعض بني مروان، فقال: تأذن لي أصلحك الله أن أقص عليك رؤيا رأيتها؟ فقال: هات؛ فأنشد:
أغفيت قبل الصبح نوم مسهّدٍ في ليلةٍ ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنّك رعتني بوليدةٍ فتذانةٍ حسن عليّ قيامها
[ ٣٨ ]
وببدرةٍ حملت إليّ وبغلةٍ دهماء ناجيةٍ يصلّ لجامها
فدعوت ربي أن يثيبك جنّةً عوضًا يصيبك بردها وسلامها
فقال: عندي كل شيء إلا البغلة فإنها عندنا شهباء. فقال: امرأتي طالق إن كنت رأيتها إلا شهباء، ولكني غلطت.
ولابن عدل ظريفة مع بشر بن مروان: وذلك أنه كان متصلًا به، منقطعًا إليه، فأغفله، فغاب عنه أيامًا ثم أتاه فقال: أين غبت، فقد طلبتك فلم أقدر عليك؟ قال: خرجت أيها الأمير إلى البادية أطلب التزوج بابنة عم لي أيم فقالت: لي أموال متفرقة على الناس، وأنا امرأة لا قيم لي، فاقتضها لي وأنا أتزوجك؛ فاقتضيت لها جميع أموالها، فلما فرغت كتبت إلي:
سيخطئك الذي أمّلت منّي بقطع حبال وصلك من حبالي
كما أخطاك معروف ابن بشر وكنت تعدّ ذلك رأس مال
فضحك وقال: ما أحسن ما تلطفت.
ودخل أبو دلامة يومًا على المنصور وبين أصبعيه خرقة، فقال له: ما هذا يا أبا دلامة؟ فقال: ولدت لي الباحة صبية وقد قلت فيها:
فما ولدتك مريم أُمّ عسى ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد ولدت لأمّ سوءٍ يقوم بأمرها بعلٌ لئيم
فضحك المنصور وقال: ما تريد؟ قال: ملء هذه الخرقة أستعين بها على تربيتها. فقال المنصور: أملأوها دراهم، ففتحوها فإذا هي رداء رقيق كبير، فملأوه؛ فأخذ عشرة آلاف درهم.
وكان المنصور بخيلًا، وإنما كان أبو دلامة يستنزله بالملح لشدة بخله، فقد كان يتجاوز الغاية في ذلك.