ومن مليح ما جاء في المغنيات والغناء قول بشار بن برد:
وصفراء مثل الزعفران شربتها على وجه صفراء الترائب رود
حسدت عليها كلّ شيءٍ يمسّها وما كنت لولا حسنها بحسود
كأنّ مليكًا جالسًا في ثيابها تؤمّل رؤياه عيون وفود
من البيض لم تسرح على أهل ثلّةٍ سوامًا ولم ترتفع حداج قعود
إذا نطقت صحنا وصاح لها الصّدى صياح جنودٍ وجّهت لجنود
تميت به ألبابنا وقلوبنا مرارًا وتحييهنّ بعد همود
ظللنا بذاك الديدن اليوم كلّه كأنّا من الفردوس تحت خلود
ولا بأس إلاّ أننا عند أهلها شهودٌ وما ألبابنا بشهود
وقال:
لعمر أبي زوّارها الصّيد إنّنا لفي منظرٍ منها وحسن سماع
تصلّي لها آذاننا وعيوننا إذا ما التقينا والقلوب دواعي
وقال:
وصفراء مثل الخيزرانة لم تعش ببؤسٍ ولم تركب مطيّة راعي
جرى اللؤلؤ المكنون فوق لسانها لزوّارها من مزهرٍ ويراع
إذا قلّدت أطرافها العود زلزلت قلوبًا دعاها للوساوس داع
كأنهم في جنّةٍ قد تلاحقت محاسنها من روضةٍ ويفاع
يروحون من تغريدها وحديثها نشاوى وما تسقيهم بصواع
لعوبٌ بألباب الرجال إذا رنت أُضيع التقى والغيّ غير مضاع
والشعر في هذا المعنى واسع الذرع، سابغ الدرع؛ ولأبي الفتح كشاجم فيه كل شيء مليح، فمن ذلك قوله:
جاءت بعودٍ كأنّ الحبّ أنحله فما يرى فيه إلاّ الوهم والشبح
فحرّكته وغنّت في الثقيل لنا صوتًا به النار في الأحشاء تنقدح
بيضاء يحضر طيب العيش إن حضرت وإن نأت عنك غاب اللهو والفرح
كلّ اللّباس عليها معرضٌ حسنٌ وكلّ ما تتغنّى فيه مقترح
وهذا مقول عبد الله بن المعتز:
وغنّت فأغنت عن المسمعي ن وارتجّ بالطرب المجلس
[ ٤٩ ]
محاسنها نزهةٌ للعيون ومعرضها كلّ ما تلبس
ولأبي الفتح:
جاءت بعودٍ كأنّ نغمته صوت فتاةٍ تشكو فراق فتى
محفّفٍ حفّت النفوس به كأنّما الزهر حوله نبتا
دارت ملاويه فيه واختلفت مثل اختلاف اليدين شبّكتا
لو حرّكته وراء منهزمٍ على بريدٍ لعاج والتفتا
يا حسن صوتيهما كأنهما أُختان في صنعةٍ تراسلتا
تراه عنها ينوب إن سكتت طورًا وعنه تنوب إن سكتا
وله:
آه من بحّةٍ بغير انقطاع لفتاةٍ موصولة الإيقاع
أتعبت صوتها وقد يجتنى من تعب الصوت راحة الأسماع
فغدت تكثر الشّحاج وحطّت طبقات الأوتار بعد ارتفاع
كأنين المحبّ ضعّف منه صوت شكواه شدّة الأوجاع
وله:
أشتهي في الغناء بحّة حلقٍ ناعم الصوت متعبٍ مكدود
لا أُحبّ الأوتار تعلو كما لا أشتهي الضرب لازمًا للعمود
وأحبّ المجنبات كحبّي للمبادي موصولةً بالنشيد
كهبوب الصّبا توسّط حالًا بين حالين شدةٍ وركود
وله أيضًا:
غنّت فخلت أظنّني طربًا أسمو إلى الأفلاك أو أرقى
لو لم تحرّكه أناملها كان الهواء يعيده نطقا
جسّته عالمةً بجسّتها جسّ الطبيب لمدنفٍ عرقا
فحسبت يمناها، وقد ضربت رعدًا وخلت يسارها برقا
وأبو الفتح كشاجم هذا اسمه محمود بن الحسن بن السندي، من أهل هذه الصناعة، وله في الغناء كتاب مليح. وقد دل على فعاله بمقاله:
أفدي التي كلف الفؤاد من أجلها بالعود حتى شفّني إطرابا
باهت بجمع صناعتين فأظهرت كبرًا لذاك وأُعجبت إعجابا
قالت فضلتك بالغناء وأنت لا تشدو، وكنّا مثلكم كتّابا
فعبثت بالأوتار حتى لم أدع نغمًا ولم أعقل لهنّ حسابا
وألفتها فأغار ذاك على يدي قلمي وعاتبها عليه عتابا
فجعلت للقرطاس جانب صدره وجعلت جانب عجزه مضرابا
وكان كامل آلات الظرف، جامعًا لخلال الأدب واللطف، وله تآليف ملاح، تدل على معرفته وتوسعه، وقد ذكروا أنه سمى نفسه كشاجم لما يعلمه؛ فالكاف من كاتب، والشين من شاعر، والألف من أديب، والجيم من منجم، والميم من مغن.
وقال أبو عثمان سعيد بن الحسن الناجم:
لقد جاد من عابثٍ ضربها وزاد كما زاد تغريدها
إذا نوت الصوت قبل الغنا ء أنشدنا شعرها عودها
وقد قال أستاذه ابن الرومي في نحوه:
ضربك في عودك لم يخرجا عن حاله، والعود في الضرب
كأنّما وقعهما في الحشا وقع الحيا في زمن الجدب
أخذ هذا أبو الحسن المنجم بن يونس المصري فقال:
غنّت فأخفت صوتها في عودها فكأنّما الصوتان صوت العود
غيداء تأمر عودها فيطيعها أبدًا ويتبعها اتباع ودود
أندى من النّوّار صبحًا صوتها وأرقّ من نشر الثنا المعهود
فكأنّما الصوتان حين تمازجا ماء الغمامة وابنة العنقود
ومثل هذا:
سلامة بن سعيد يجيد حثّ الراح
إذا تغنّى زمرنا عليه بالأقداح
وقال الناجم:
تأتي أغاني عابث أبدًا بأفراح النفوس
تشدو فترقص الرؤو س لها وتزمر الكؤوس
وقال:
وما صدحت عابث ومزهرها إلاّ وثقنا باللهو والفرح
لها غناءٌ كالبرء في جسد أضناه طول السّقام والتّرح
تعبدها الراح فهي ما صدحت إبريقنا ساجدًا إلى القدح
وقال:
إذا أنت ميّزت بين الغنا ء ميّزتها الأحذق الأطيبا
تهزّ القريض بألحانها كما هزّت الغصن ريح الصّبا
وقال:
[ ٥٠ ]
ما تغنّت إلاّ تكشّف همٌّ عن فؤادٍ وأقلعت أحزان
تفضل المسمعين حسنًا وطيبًا مثل ما يفضل السماع العيان
وقال:
ما نطقت عابث ومزهرها إلاّ ظللنا للراح نعملها
تطلب أوتارها الهموم بأو تارها فما تستفيق تقتلها
وقال:
لها غناء مطرب معجب يفعل ما تفعله الخمره
تشوق الأُذن إلى شدوها تشوّق العين إلى الخضره
كأنما فرحة من زارها فرحة من طارت له القمره
لو أن إسحاق شدا شدوها لخلت من يسمع في سحره
مندرةٌ في كل ألحانها لا كالتي تحسن في النّدره
وقال:
لقد برعت عابث في الغنا وزادت فأربت على البارع
يسبّح سامعها معجبًا وأصواتها سبحة السامع
وقال:
شدوٌ ألذّ من ابتدا ء العين في إغفائها
أحلى وأشهى من منى نفسٍ وصدق رجائها
وقال ابن الرومي في بستان جارية أم علي بنت الراسبي:
واهًا لذاك الغناء من طبق على جميع الأنام مقتدر
أضحت من الساكني حفائرهم سكنى الغوالي مداهن السرر
يا مشربًا كان لي بلا كدرٍ يا سمرًا كان لي بلا سهر
أصبحت بالترب غير راجحة عنه وقد ترجحين بالبدر
وتبعه الناجم، فقال في عجاب جارية أبي مروان:
أضحى الثرى بجوارها عطر المسالك والمسارب
حلّت حفيرتها حلو ل المسك في سرر الكواعب
يا درّة كانت تضي ء لناظري من كلّ جانب
وهذا من قول بشار:
درّةٌ حيثما أديرت أضاءت ومشمٌّ من حيث ما شمّ فاحا
وجنانٌ قال الإله لها كو ني فكانت روحًا وروحًا وراحا
وله:
تلقى بتسبيحةٍ من حسن ما خلقت وتستفزّ حشا الرائي بإرعاد
كأنّما صوّرت من ماء لؤلؤة فكلّ جارحةٍ وجهٌ بمرصاد
والبيت الأول من هذين قد تقدم نظيره من قول الناجم.