وأما أبو العبر ومحمد بن حكيم الكنتجي فقد كانا يتعمدان المقلوب رقاعةً ومجانةً، وأبو العبر هو الذي كتب لبعض أصحابه: أما قبل فأحكم بنيانك على الرمل، واحبس الماء في الهواء، حتى يغرق الناس من العطش؛ فإنك إذا فعلت ذلك أمرت لك كل يوم بسبعة آلاف درهم ينقص كل درهم سبعة دوانيق.
وكتب يوم إلا تسعًا لخمس وأربعين ليلةً خلت من شهر ربيع الأوسط سنة عشرين إلا مائتين. وله مثل هذا كثير من منظوم ومنثور. وهو القائل:
الخوخ يعشق وكنة الرّمّان والطيلسان قرابة الخفّان
يا من رمى قلبي فعرقب أذنه فشممت منه حموضة الكتّان
وقال أبو العبر: كنا نختلف ونحن أحداث إلى رجل يعلمنا الهزل، فكان يقول: أول ما تريدون قلب الأشياء، فكنا نقول إذا أصبح: كيف أمسيت؟ وإذا أمسى: كيف أصبحت؟ وإذا قال: تعال نتأخر إلى خلف؛ وكانت له أرزاق تعمل كتابتها في كل سنة، فعمل مرة وأن معه الكتاب، فلما فرغ من التوقيع وبقي الختم. قال: أتربه وجئني به، فمضيت فصببت عليه الماء فبطل، فقال: ويحك! ما صنعت؟ قلت: ما نحن فيه طول النهار من قلب الأشياء! قال: والله لا تصحبني بعد اليوم فأنت أستاذ الأستاذين.
وكان نقش خاتم أبي العبر توفي جحا يوم الأربعاء.
وتعرض للمتوكل والمتوكل مشرف على مظهر في قصره الجعفري وقد جعل في رجليه قلنسوتين وعلى رأسه خفًان وقد جعل سراويله قميصًا، وقميصه سراويل، فقال: علي بهذا المثلة؛ فدخل عليه فقال: أنت شارب؟ قال: ما أنا إلا عنفقة. قال: إني أضع الأدهم في رجليك وأنفيك في فارس، قال: ضع في رجلي الأشهب وانفني إلى راجل! قال: أتراني في قتلك مأثوم؟ قال: بل ماء بصل يا أمير المؤمنين، فضحك ووصله.
[ ٣١ ]
وأبو العبر القائل في الجد:
ليس لي مال ولي كرمٌ فبه أقوى على عدمي
لا أقول الله يظلمني كيف أشكو غير متّهم
قنعت نفسي بما رزقت وتمشّت في العلا هممي
ولبست الصبر سابغةً فهي من فرقي إلى قدمي
فإذا ما الدهر عاتبني لم تجدني كافر النعم
وله في الرقيق:
رقّ حتى يكاد خدّك يجري رقةً والجفون ترنو بسحر
يا قليل الشبه مستظرف الشك ل بديع الجمال مغرىً بهجر
كفّ عني الصدود يا واحد الحس ن فقد عيل من صدودك صبري
وله أيضًا:
أبكي إذا غضبت حتى إذا رضيت بكيت عند الرضا خوفًا من الغضب
فالموت إن رضيت والموت إن غضبت أنّى يرجّى سلوٌّ، عشت في تعب
وهذا قريب من قول فضل الشاعرة، وقيل سعيد بن حميد:
ما كنت أيام كنت راضيةً عني بذاك الرضا بمغتبط
علمًا بأنّ الرضا سيتبعه منك التجنّي وكثرة السّخط
فكلّ ما ساءني فعن خلقٍ منك وما سرّني فعن غلط
هذا البيت الأخير كقول أبي العيناء، وقد سأله المتوكل عن ميمون بن إبراهيم صاحب ديوان البريد وكان يبغضه فقال: يد تسرق، مثله مثل يهودي سرق نصف جزيته، فله إقدام بما أدى، وإحجام بما بقي، إساءته طبيعة، وإحسانه تكلف.