قال أبو مسلم الهلالي المكي: حدثني أبي عن أبيه قال: أتيت عبد العزيز بن المطلب أسأله عن بيعة الجن للنبي ﷺ بمسجد الأحزاب وما كان بدؤها؟ فوجدته مستلقيًا يتغنى:
فما روضة بالحزن معشبة الثرى يمجّ الندى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزّة موهنًا إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها
من الخفرات البيض لم تلق شقوة وفي الحسب المكنون صافٍ نجارها
[ ٢٢ ]
إذا خفيت كانت لعينك قرّةً وإن تبد يومًا لم يعمّك عارها
فقلت له: مثلك أصلحك الله يتغنى؟ أما والله لأحدون بها ركبان نجد، فعاود يتغنى:
فما ظبيةٌ أدماء خفّاقة الحشا تجوب بطفليها متون الخمائل
بأحسن منها إذ تقول تدلّلًا وأدمعها يجرين حشو المكاحل
تمتّع بذا اليوم القصير فإنّه رهينٌ بأيام الشهور الأطاول
فندمت على قولي وقلت: أتحدثني في هذا بشيء؟ قال: نعم! حدثني أبي أنه دخل على سالم بن عبد الله وأشعب الطماع يغنيه:
مغيريّة كالبدر سنة وجهها مطهرة الأثواب والدين وافر
من الخفرات البيض لم تلق ريبةً ولم يستزلها عن تقى الله شاعر
لها حسبٌ زاكٍ وعرض مهذّب وعن كل مكروهٍ من الأمر زاجر
فقال سالم: زدني، فغنى:
ألّمت به والليل داجٍ كأنه جناح غرابٍ عندما نفض القطرا
فقلت أعطّار ثوى في رحالنا وما حملت ليلى نشرها عطرا
فقال له سالم: أما والله لولا أن تداوله الرواة لأحسنت جائزتك؛ لأنك من هذا الأمر بمكان.