أَمِنَ المَنُونِ وَرَيبِها تَتَوَجّعُ؟ والدّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
قَالَتْ أُمَيْمَةُ: ما لِجِسْمِكَ شَاحِبًامُنْذُ ابْتُذِلْتُ وَمِثْلُ مَالِكَ يَنْفَعُ
[ ٥٣٤ ]
أَمْ مَا لِجِسْمِكَ لاَ يُلاَئِمُ مَضْجَعًا إلاّ أَقَضّ عَلَيْكَ ذَاكَ المَضْجَعُ
فَأَجَبْتُها: أَمّا لِجِسْمِي إنّهُ أَوْدَى بَنيّ مِنَ البِلاَدِ، فَوَدّعُوا
أَوْدَى بَنيّ، فَأَعْقَبُوني حَسْرَةً، بَعْدَ الرُّقادِن وَعَبْرَةً مَا تُقْلِعُ
سَبَقُوا هَوَيَّ، وأَعْنَقوا لِهَوَاهُمُ فَتَخَرِّموا، ولكلّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
فَغَبَرْتُ بَعْدَهُمُ بِعَيْشٍ نَاصِبٍ، وَإخالُ أَنّي لاَحِقٌ مُسْتَتْبِعُ
[ ٥٣٥ ]
وَلَقَدْ حَرَصْتُ بِأَنْ أُدافِعَ عَنْهُمُ، وَإذا المَنِيّةُ أَقْبَلَتْ لاَ تُدْفَعُ
وإذا المَنِيّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَها، أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لا تَنْفَعُ
فَالعَيْنُ بَعْدَهُمُ كَأَنّ جُفُونَها سُمِلَتْ لِشَوكٍ فَهِيَ عُورٌ تَدْمَعُ
وَتَجَلُّدِي للشّامِتِينَ أُرِيهمُ أَنّي لِرَيبِ الدّهْرِ لاَ أَتَضَعْضَعُ
حتى كَأَنّي لِلْحَوادِثِ مَرْوَةٌ، بِصَفَا المُشَقَّرِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ
لاَبُدّ مِنْ تَلَفٍ مُقيمٍ، فانْتَظِرْ أَبِأَرْضِ قَوْمِكَ أَمْ بِأُخْرَى المَضْجَعُ
[ ٥٣٦ ]
وَلَقَدْ أَرَى أنّ البُكَاءَ سَفَاهَةٌ، وَلَسَوْفَ يُولَعُ بِالبُكَا مَنْ يُفْجَعُ
وَليَأْتِيَنّ عَلَيْكَ يَوْمٌ مَرّةً يُبْكَى عَلَيْكَ مُقَنَّعًا لا تَسْمَعُ
وَالنّفْسُ رَاغِبَةٌ إذا رَغّبْتَها، وإذا تُرَدُّ إلى قَلِيلٍ تَقْنَعُ
كَمْ مِنْ جَمِيعي الشّمل ملتئمي الهوى كَانُوا بِعَيْشٍ نَاعِمٍ، فَتَصَدّعُوا
فَلَئِنْ بِهِمْ فَجَعَ الزّمَانُ وَرَيْبُهُ، إنّي بِأَهْلِ مَوَدّتي لَمُفَجَّعُ
[ ٥٣٧ ]
وَالدّهْرُ لا يُبقي على حَدَثَانِهِ، جَوْنَ السَّرَاةِ له جَدَائدُ أَرْبَعُ
صَخْبُ الشّوَارِبِ، لا يَزَالُ كَأَنّهُ عَبْدٌ لآلِ أَبي رَبيعَةَ مُسْبَعُ
أَكَلَ الجَمِيمَ، وَطَاوَعَتْهُ سَمْحَجٌ مِثْلٌ القَنَاةِ، وَأَزْعَلَتْهُ الأمْرُعُ
[ ٥٣٨ ]
بِقَرَارِ قِيعَانٍ سَقَاهَا صَائِفٌ، واهٍ، فَأَثْجَمَ بُرْهَةً لاَ يُقْلِعُ
فَمَكَثْنَ حِينًا يَعْتَلِجْنَ بِرَوْضِهِ، فَيَجِدُّ حِينًا في العِلاَجِ وَيَشْمَعُ
حتى إذا جَزَرَتْ مِيَاهُ رُزُونِهِ وَبأَيّ حَزِّ مَلاَوَةٍ يَتَقَطّعُ
[ ٥٣٩ ]
ذَكَرَ الوُرُودَ بِهَا، وَسَاوَمَ أَمْرَهُ سَوْمًا، وَأَقْبَلَ حَيْنَهُ يَتَتَبّعُ
فَاحْتَثّهُنّ مِنَ السَّوَاءِ، وَمَاؤُهُ بَثْرٌ، وَعَانَدَهُ طَرِيقٌ مَهْيَعُ
فَكَأَنّهُنّ رَبَابَةٌ، وَكَأنّهُ يَسَرٌ يُفِيضُ عَلَى القَدَاحِ وَيَصْدَعُ
وَكَأَنّها بالجِزْعِ جِزْعِ يَنَابِعٍ، وَأُولاتِ ذي الحَرَجَاتِ نَهبٌ مُجْمَعُ
[ ٥٤٠ ]
وَكَأنّمَا هُوَ مِدْوَسٌ مُتَقَلِّبٌ في الكَفّ، إلاّ أَنّهُ هُوَ أَضْلَعُ
فَوَرَدْنَ والعَيُّوقُ مَجْلِسَ رَابيء الضُّ رَبَاءِ فَوْقَ النّجْمِ لاَ يَتَتَلّعُ
فَشَرَعْنَ في حَجَراتِ عَذْبٍ بَارِدٍ حَصِبِ البِطَاحِ تَسيخُ فِيهِ الأكْرُعُ
[ ٥٤١ ]
فَشَرِبْنَ ثُمّ سَمِعْنَ حِسًّا دُونَهُ شَرَفُ الحِجَابِ، وَرَيْبَ قَرْعٍ يُقْرَعُ
وَهَمَاهِمًا مِنْ قَانِصٍ مُتَلَبِّبٍ، في كَفّهِ جَشءٌ أَجَشُّ وأَقْطَعُ
فَنَكَرْنَهُ فَنَفَرْنَ، وَامْتَرَسَتْ بِهِ عَوْجَاءُ هَادِيَةٌ وَهَادٍ جُرْشُعُ
فَرَمَى، فَأَنْفَذَ مِنْ نَحُوصٍ عَائِطٍ، سَهْمًا، فَخَرّ وَرِيشُهُ مُتَصَمِّعُ
[ ٥٤٢ ]
وَبَدَأ لَهُ أَقْرَابُ هَذَا رَائغًا عَجِلًا، فَعَيّثَ في الكِنانَةِ يُرْجِعُ
فَرَمَى فَأَلْحَقَ صَاعِدِيًّا مِطْحَرًا بِالكَشْحِ، مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ الأضْلُعُ
فَأَبَدّهُنّ حُتُوفَهُنّ، فَظالِعٌ بِذَمَائِهِ، أَوْ سَاقِطٌ مُتَجَعْجِعُ
يَعْثُرْنَ في عَلَقِ النَّجِيعِ كَأنّمَا كُسِيَتْ بُرُودَ بَني يَزِيدَ الأذْرُعُ
[ ٥٤٣ ]
وَالدَّهْرُ لاَ يَبْقى عَلَى حَدَثَانِهِ شَبَبٌ أَفَزَّتْهُ الكِلاَبُ مُرَوَّعُ
شَعَفَ الضّرَاءُ الدّاجِنَاتُ فُؤَادَهُ، فَإذَا يَرَى الصّبْحَ المُصَدَّقَ يَفْزَعُ
يَرْمِي بِعَيْنَيْهِ الغُيُوبَ وَطَرْفُهُ مُغْضٍ، يُصَدِّقُ طَرْفُهُ مَا يَسْمَعُ
وَيَلُوذُ بِالأرْطَى، إذَا مَا شَفَّهُ قَطْرٌ، وَرَاحَتْهُ بَلِيلٌ زَعْزَعُ
[ ٥٤٤ ]
فَغَدَا يُشَرِّقُ مَتْنَهُ، فَبَدَا لَهُ أُولى سَوابِقِهَا قَرِيبًا تُوزَعُ
فانْصَاعَ مِنْ حَذَرٍ، فَسَدّ فُرُوجَهُ غُضْفٌ ضَوارٍ وَافِيَانِ وَأَجْدَعُ
فَنَحَا لَهَا بِمُذَلَّقَيْنِ، كَأنّما بِهمَا مِنَ النُّضْجِ المُجَزَّعِ أَيْدَعُ
[ ٥٤٥ ]
يَنْهَشْنَهُ، ويَذُودُهُنّ، وَيَحْتَمي عَبْلُ الشَّوَى بِالطُّرَّتَينِ مُوَلَّعُ
حَتّى إذا ارْتَدّتْ وَأَقْصَدَ عُصْبَةً مِنْهَا، وَقَامَ سَوِيدُها يَتَصَرَّعُ
وَكَأَنّ سَفُّودَيْنِ لَمّا يُقْتِرَا عَجِلا له بِشِواءِ شَرْبٍ يُنْزَعُ
[ ٥٤٦ ]
فَرَمَى لِيُنْقِذَ فَذَّهَا، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ، فَأَنْفَذَ طُرّتَيْهِ المَنْزَعُ
فَكَبا كَمَا يَكْبُو فَنِيقٌ تَارِزٌ، بِالخَبْتِ، إلاّ أنّهُ هُوَ أَبْرَعُ
وَالدَّهْرُ لاَ يَبْقَى على حَدَثَانِهِ مُسْتَشْعِرٌ حَلَقَ الحَدِيدِ مُقَنَّعُ
حَمِيَتْ عَلَيْهِ الدِّرْعُ، حَتّى وَجْهُهُمِنْ حَرِّهَا، يَوْمَ الكَرِيهَةِ، أَسْفَعُ
تَعْدُو بِهِ خَوْصَاءُ يَقْصِمُ جَرْيُها حَلَقَ الرِّحالَةِ فَهِيَ رِخْوٌ تَمْزَعُ
[ ٥٤٧ ]
قُصِرَ الصَّبُوحُ لَهَا فَشُرِّجَ لَحْمُهابِالنَّيِّ فَهِيَ تَثُوخُ فِيهَا الإِصْبَعُ
تَأْبَى بِدِرَّتها، إذا ما اسْتُغْضِبَتْ، إلاّ الحَمِيمَ، فإنّهُ يَتَبَضّعُ
مُتَفَلِّقٌ أَنْسَاؤُهَا عَنْ قَانىءٍ، كَالقُرْطِ صاوٍ غُبْرُهُ لاَ يُرْضَعُ
[ ٥٤٨ ]
بَيْنَا تُعَانِقُهُ الكُمَاةُ، وَرَوْغُهُ يَوْمًا، أُتِيحَ لَهُ جَريءٌ سَلْفَعُ
يَعْدوُ بِهش عَوْجُ اللَّبانِ كَأَنّهُ صَدَعٌ، سَلِيمٌ عَطْفُهُ، لا يَظْلَعُ
فَتَنَازَلا، وَتَواقَفَتْ خَيْلاَهُما، وَكِلاَهُمَا بَطَلُ اللّقاءِ، مُخَدَّعُ
[ ٥٤٩ ]
يَتَحَامَيَانِ المَجْدَ، كُلٌّ وَاثِقٌ بِبَلاَئِهِ، فَاليَوْمُ يَوْمٌ أَشْنَعُ
فَكِلاَهُمَا مُتَوشَّحٌ ذَا رَوْنَقٍ، عَضْبًا، إذَا مَسَّ الأيَابِسَ يَقْطَعُ
وَكِلاهُمَا في كَفّهِ يَزَنَيّةٌ فِيهَا سِنَانٌ كَالمَنَارَةِ أَصْلَعُ
وَعَليْهِمَا مَاذِيّتَانِ قَضَاهُمَا دَاوُدُ، أَوْ صَنَعُ السّوَابِغِ تُبّعُ
[ ٥٥٠ ]
فَتَخَالسَا نَفْسَيْهِمَا بِنَوافِذٍ، كَنَوَافِذِ العُبُطّ التي لا تُرقَعُ
وَكِلاَهُما قَدْ عَاشَ عِيْشَةَ مَاجِدٍ، وَجَنَى العُلَى، لَوْ أنّ شَيئًا يَنْفَعُ
فَعَفَتْ ذُيُولُ الرِّيحِ بَعْدُ عَلَيْهِما، والدَّهْرُ يَحْصُدُ رَيْبَهُ ما يُزْرَعُ
[ ٥٥١ ]