قال: ثم اختلف الناس في الشعراء: أيهم أشعر وأذكى؟ فقال قوم: إمرؤ القيس. ورووا في ذلك أنه خرج وفدٌ من جهينة يريدون النبي، ﷺ، فلما قدموا عليه سألهم عن مسيرهم، فقالوا: يا رسول الله! لولا بيتان قالهما امرؤ القيس. لهلكنا! قال: وما ذلك؟ قالوا: خرجنا نريدك، حتى إذا كنا ببعض الطريق، إذا برجل على ناقة له مقبلٍ إلينا، فنظر إليه بعض القوم، فأعجبه سير الناقة، فتمثل ببيتين لامريء القيس وهما قوله: الطويل
ولمّا رَأَتْ أنّ الشّريعَةَ وِرْدُها وأَنَّ البَيَاضَ من فَرائصِها دامي
تَيَمَّمتِ العَينَ التي جَنبَ ضارِجٍ يُفيءُ عليها الظِلُّ عرْمَضُها الطامي
وقد كان ماؤنا نفد، فاستدللنا على العين بهذين البيتين فوردناها. فقال النبي، ﷺ: أما إني لو أدركته لنفعته، وكأني أنظر إلى صفرته وبياض إبطيه وحموشة ساقيه، في يده لواء الشعراء يتدهدى بهم في النار.
[ ٤٥ ]
قال: وذكر المفضل أن لبيد بن ربيعة مر بجلس بني نهد بالكوفة، وبيده عصا له يتوكأ عليها بعد ما كبر. فبعثوا خلفه غلامًا يسأله: من أشعر الناس؟ فقال: ذو القروح بن حجر الذي يقول:
وبُدّلْتُ قَرْحًا داميًا بَعْدَ صِحَّة فيا لَكِ نُعْمَى قد تَبَدّلْتِ أَبْؤُسَا
يعني امرأ القيس، فرجع إليهم الغلام وأخبرهم، قالوا: إرجع فاسأله: ثم من؟ فرجع فسأله: ثم من؟ قال: ثم ابن العنيزتين، يعني طرفة. قال: ثم من؟ قال: صاحب المحجن، يعني نفسه.
[ ٤٦ ]