قال الذين قدموا الأعشى: هو أمدحهم للملوك، وأوصفهم للخمر، وأغزرهم شعرًا، وأحسنهم قريضًا.
وذكر الجهمي عن أبي عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء قال: عليكم بشعر الأعشى، فإنه أشبه شيء بالبازي الذي يصطاد به، ما بين الكركي والعندليب، وهو عصفور صغير، ولعمري إنه أشعر القوم، ولكنه وضعته الحاجة بالسؤال.
وذكر ابن دأب: أن الأعشى خرج يريد النبي، ﷺ، فقال شعرًا حتى إذا كان ببعض الطريق نفرت به راحلته، فقتلته، ولا أنشد شعره الذي يقول فيه: الطويل
فآلَيتُ لا أرثي لها مِنْ كَلاَلَةٍ ولا مِنْ حَفًا حتَّى تلاقي مُحَمّدَا
[ ٨٠ ]
متى ما تُناخي عند بابِ ابنِ هاشِمٍ تفوزي، وتلقَيْ من فواضِله يدَا
قال النبي، ﷺ: كاد ينجو، ولما.
وأخبرنا المفضل عن علي بن طاهر الذهلي عن أبي عبيدة عن المجالد عن الشعبي قال: قال عبد الملك بن مروان لمؤدب أولاده: أدبهم برواية شعر الأعشى، فإن لكلامه عذوبةً، قاتله الله ما كان أعذب بحره، وأصلب صخره! فمن زعم أن أحدًا من الشعراء أشعر من الأعشى، فليس يعرف الشعر.
وقيل لعلي بن طاهر: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول: المتقارب
وَتَبْردُ بَرْدَ رِداءِ العَرو سِ في الصّيفِ رَقْرَقَتْ فيه العبيرَا
وَتَسْخنُ لَيلةَ لا يَستَطيعُ نباحًا بها الكلبُ إلاّ هريرَا
وقال: يا ابن أخي من قدم على الأعشى أحدًا فإنما يفعل ذلك بالميل، فهو أشعر شعراء الناس. ولما أنشد النبي، ﷺ، قول الأعشى الذي نفر فيه عامر بن الطفيل وفضله على علقمة بن علاثة ويمدح عامرًا:
[ ٨١ ]
السريع
عَلقَمُ ما أَنْتَ إلى عامِرِ النّاقِمِ الأوْتارِ والواتِرِ
سُدْتَ بني الأحوصَ لم تَعْدُهم وعَامرٌ سادَ بني عامِرِ
وكان علقمة قد أسلم، وحسن إسلامه، وكان من المؤلفة قلوبهم، فنهى النبي، ﷺ، عن إنشاد هذا الشعر حين أسلم علقمة، وحديث منافرتهما يطول.