قال أبو عبيدة: أشعر الناس أهل الوبر خاصة، وهم امرؤ القيس، وزهير والنابغة، فإن قال قائل: إن امرأ القيس ليس من أهل نجد، فلعمري! إن هذه الديار التي ذكرها في شعره ديار بني أسد بن خزيمة.
وفي الطبقة الثانية الأعشى، ولبيد، وطرفة.
وقيل: إن الفرزدق قال: امرؤ القيس أشعر الناس؛ وقال جرير: النابغة أشعر الناس؛ وقال الأخطل: الأعشى أشعر الناس؛ وقال ابن أحمر: زهير أشعر الناس؛ وقال ذو الرمة: لبيد أشعر الناس؛ وقال ابن مقبل: طرفة أشعر الناس؛ وقال الكميت: عمرو بن كلثوم أشعر الناس؛ والقول عندنا ما قال أبو عبيدة: امرؤ القيس ثم زهير والنابغة والأعشى ولبيد وعمرو وطرفة.
[ ٩٧ ]
وقال المفضل: هؤلاء أصحاب السبع الطوال التي تسميها العرب السموط، فمن قال: إن السبع لغيرهم، فقد خالف ما أجمع عليه أهل العلم والمعرفة، وقد أدركنا أكثر أهل العلم يقولون: إن بعدهن سبعًا ما هن بدونهن، ولقد تلا أصحابهن أصحاب الأوائل، فما قصروا، وهن المجمهرات، لعبيد بن الأبرص، وعنترة بن عمرو، وعدي بن زيد، وبشر بن أبي خازم، وأمية بن أبي الصلت، وخداش بن زهير، والنمر بن تولب.
وأما منتقيات العرب: فهن للمسيب بن علس، والمرقش، والمتلمس، وعروة بن الورد، والمهلهل بن ربيعة، ودريد بن الصمة، والمتنخل بن عويمر.
وأما المذهبات: فللأوس والخزرج خاصة، وهن لحسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ومالك بن العجلان، وقيس بن الخطيم، وأحيحة بن الجلاح، وأبي قيس بن الأسلت، وعمرو بن امرىء القيس.
وعيون المراثي سبع: لأبي ذؤيب الهذلي، وعلقمة بن ذي جدن الحميري، ومحمد بن كعب الغنوي، والأعشى الباهلي، وأبي زبيد الطائي، ومالك بن الريب النهشلي، ومتمم بن نويرة اليربوعي.
وأما مشوبات العرب، وهن اللاتي شابهن الكفر والإسلام،
[ ٩٨ ]
فلنابغة بني جعدة، وكعب بن زهير، والقطامي، والحطيئة، والشماخ، وعمرو بن أحمر، وابن مقبل.
وأما الملحمات السبع فهن: للفرزدق، وجرير، والأخطل، وعبيد الراعي، وذي الرمة والكميت بن زيد، والطرماح بن حكيم.
قال المفضل: فهذه التسع والأربعون قصيدةً عيون أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، وأنفس شعر كل رجل منهم.
وذكر أبو عبيدة في الطبقة الثالثة من الشعراء: المرقش، وكعب بن زهير، والحطيئة، وخداش بن زهير، ودريد بن الصمة، وعنترة، وعروة بن الورد، والنمر بن تولب، والشماخ بن ضرار، وعمرو بن أحمر.
قال المفضل: هؤلاء فحول شعراء أهل نجد الذين ذموا ومدحوا، وذهبوا في الشعر كل مذهبٍ، فأما أهل الحجاز، فإنهم الغالب عليهم الغزل.
وذكر أبو عبيدة: أن الناس أجمعوا على أن أشعر أهل الإسلام: الفرزدق، وجرير، والأخطل، وذلك لأنهم أعطوا حظًا في الشعر لم يعطه أحدٌ في الإسلام، مدحوا قومًا فرفعوههم، وذموا قومًا فوضعوهم، وهجاهم قومٌ فردوا عليهم، فأفحموهم، وهجاهم آخرون، فرغبوا بأنفسهم عن جوابهم وعن الرد عليهم، فأسقطوهم، وهؤلاء شعراء أهل الإسلام، وهم أشعر الناس بعد حسان بن ثابت لأنه لا يشاكل شاعر رسول الله، ﷺ، أحدٌ.
[ ٩٩ ]
وذكر عن أبي عبيدة قال: قيل لجرير: كيف شعر الفرزدق؟ قال: كذب من قال إنه أشعر من الفرزدق! قيل: فكيف شعرك؟ قال: أنا مدينة الشعر! قيل: كيف قول الراعي؟ قال: شاعر ما خليته وإبله وديمومته! يريد راعي الإبل؛ قيل: كيف شعر الأخطل؟ قال: أرمانا للأعراض! قيل: كيف شعر ذي الرمة؟ قال: نقط عروسٍ وبعر ظباء! وأما جرير فأعزنا بيتًا، وأما الفرزدق فأفخرنا بيتًا.
وقال أبو عبيدة: فتح الشعر بامرىء القيس، وختم بذي الرمة، رواه أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء. وعنه: عن مسلم عن أبي بكر المديني قال: جاء رجل من بني نهشل إلى الفرزدق، وهو بالبصرة، فقال: يا أبا فراس! هل أحد اليوم يرمي معك؟ قال: والله ما أعلم نابحًا إلا وقد انحجر، ولا ناهسًا إلا وقد أسكت، إلا أبياتًا جاءت من غلام بالمروة. قال: وما هي؟ قال قوله: الطويل
فإنْ لم تكنْ في الشّرقِ والغربِ حاجتي تَشاءمتُ أو حَوّلتُ وَجهي يَمانيَا
[ ١٠٠ ]
فُردِي جِمالَ الحيّ، ثمّ تَحَمَّلي فما لكِ فيهم من مُقامٍ، ولا لِيَا
فإنّي لَمغرورٌ أُعَلَّلُ بالمُنى، لياليَ أدعو أنّ مالَكَ مالِيَا
بأيّ سِنانٍ تَطعنُ القَومَ، بعدما نزَعْتَ سِنانًا من قَناتِكَ ماضِيَا
بأيّ نِجادٍ تَحمِلُ السّيفَ، بعدما قَطَعْتَ القُوى من مَحملٍ كان باقيَا
لِساني وسَيفي صارِمانِ كلاهما ولَلْسَّيفُ أشوى وَقعةً من لسانِيَا
فقيل: من هو؟ قال: أخو بني يربوع.
وقال أبو عبيدة: قيل للأخطل: أنت أشعر أم الفرزدق؟ قال: أنا، غير أن الفرزدق قال أبياتًا ما استطعت أن أكافئه عليها: الكامل
يا ابنَ المَراغة! والهِجانُ إذا التَقَتْ أَعنَاقُها وتَمَاحَ: َ الخصمانِ
كانَ الهَزيلُ يَقُودُ كُلَّ طِمِرَّةٍ دَهْمَاءَ مُقْرَبَةٍ وكُلَّ حِصانِ
يا ابنَ المَراغَةِ! إنَّ تَغلِبَ وائلٍ رَفَعُوا عِناني فوقَ كلِّ عِنانِ
ما ضَرّ تَغْلِبَ وائلٍ أَهَجَوْتَهَا، أم بُلْتَ حَيثُ تَناطَحَ البَحرانِ
إنّ الأراقِمَ لَن يَنالَ قَدْيِمَهَا كَلْبٌ عَوَى مُتَهَتِّمُ الأسنانِ
وقيل للفرزدق: أنت أشعر أم الأخطل؟ قال: أنا! غير أن الأخطل قال أبياتًا ما استطعت أن أكافئه عليها، وهي قوله: الكامل
[ ١٠١ ]
وَلَقدْ شَدَدْتَ على المَراغةِ سرجَها حَتّى نَزَعْتَ، وأنتَ غيرُ مَجيدِ
وَعَصَرْتَ نُطفَتَها لِتُدرِكَ دارِمًا، هَيهاتَ من أملٍ علَيكَ بَعيدِ
وإذا تَعاظَمَتِ الأُمُورُ لدارِمٍ طَأْطَأْتَ رَأْسَكَ عنْ قَبائلَ صِيْدِ
وإذا عَدَدْتَ بيوتَ قومِكَ لم تجدْ بَيتًا كَبَيْتِ عُطارِدٍ ولَبيدِ
بَيتٌ تَزِلُّ العُصُمُ عن قُذُفاتِهِ في شاهِقٍ ذي مَنْعَةٍ، مَحمُودِ
وذكر محمد بن عثمان عن علي بن طاهر الهذلي قال: كنت عند عمرو بن عبيد أكتب الحديث، وكان فيمن حضر المجلس عيسى بن عمر الثقفي، وقد ذكر الشعر والشعراء أيهم أشعر؟ فقلت أنا: أشعر الناس الأعشى، قال عيسى: وكيف ذلك؟ فجعلت أنشد محاسن شعره الذي يفضل به، وهو منصتٌ، فلما فرغت قال: يا ناعس! أشعر الناس الأخطل حيث يقول: الطويل
وَنَجّى ابنَ بَدْرٍ ركضَةٌ من رِماحنا، وَلَيِّنَةُ الأَعْطافِ مُلْهَبَةُ الحُضْرِ
كأنّ بقايا عُذْرِها وخُزامِها، أَداوَى تَسِحُّ المَاءَ من خَرزٍ وَفْرِ
الوفر: الجديدة: قال: البسيط
وَفْرَاءُ غَرفيَّةٌ أَثْأَى خَوارِزَها مُشَلشَلٌ ضَيَّعَتْهُ بينَها الكُتبُ
[ ١٠٢ ]
الكتب: الخرز. والمشلشل: كثير القطران.
يُشيرُ إلَيها والرّماحُ تَنُوشُهُ: فِدىً لكِ أُمّي إنْ دَأبْتِ إلى العصرِ
ثم قال: لله دره كيف ينتحل شعره.