قال الذين قدموا عمرو بن كلثوم: هو من قدماء الشعراء، وأعزهم نفسًا، وأكثرهم امتناعًا، وأجودهم واحدة.
قال عيسى بن عمر: لله در عمرو بن كلثوم أي حلس شعر، ووعاء علم، لو أنه رغب فيما رغب فيه أصحابه من الشعراء، وإن واحدته لأجود سبعهم.
وذكر أبو عمرو بن العلاء: أن عمرو بن كلثوم لم يقل غير واحدته، ولولا أنه افتخر في واحدته وذكر مآثر قومه ما قالها؛
[ ٨٦ ]
وقيل: إن عمرو بن كلثوم كان ينشد عمرو بن هند، وهو الثاني من ملوك الحيرة، فبينما هو ينشد في صفة جمل، إذ حالت الصفة إلى صفة ناقة، فقال طرفة: استنوق الجمل! والبيت الذي أنشده عمرو بن كلثوم: الطويل
وإنّي لأمضي الهَمَّ عِنْدَ احتضارِهِ بناجٍ علَيهِ الصّيعرِيّةُ مِيسَمُ
الصيعرية: سمة من سمات الإبل الإناث خاصة لا الذكور، فلذلك قال طرفة: استنوق الجمل! فقال عمرو: وما يدريك يا صبي؟ فتشاتما، فقال عمرو ابن هند: سبه يا طرفة، فقال قصيدته التي أولها: الرمل
أشَجَاكَ الرَّبعُ أم قِدَمُه أم سَوادٌ دارِسٌ حُممُه
حتى بلغ إلى قوله:
فإذا أَنتم وجَمعُكُمُ حَطبٌ للنّارِ تضطَرِمُه
فقال عمرو بن كلثوم يتوعد عمرو بن هند: الوافر
ألا لا يَجهَلَنْ أحَدٌ عَلَينا، فَنَجهَلَ فَوقَ جَهلِ الجاهلينَا
بأيّ مَشيئَةٍ عمرو بن هندٍ، تُطيعُ بنا الوُشاةَ وتَزدَرينَا؟
وروي أن هذا الخبر كان بين طرفة والمتلمس، وأنه لا يجترىء على عمرو ابن كلثوم بمثل هذا لشدته في قومه.
وقال مطرف: بلغني عن عيس بن عمر، وأظن أني قد سمعته منه، أنه كان يقول: لو وضعت أشعار العرب في كفة وقصيدة عمرو بن كلثوم في كفة لمالت بأكثرها.
[ ٨٧ ]