ذكر أبو عبيدة عن الشعبي يرفعه إلى عبد الله بن عباس، ﵄، قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب، ﵁، في سفرٍ فبينا نحن نسير قال: ألا تزاملون؟ أنت يا فلانٌ زميل فلان، وأنت يا فلانٌ زميل فلان، وأنت يا ابن عباس زميلي؛ وكان لي محبًا مقربًا، وكان كثيرٌ من الناس ينفسون علي لمكاني منه، قال: فسايرته ساعةً ثم ثنى رجله على رحله، ورفع عقيرته ينشد:
وما حَمَلَتْ مِنْ ناقةٍ فوقَ رَحْلِها أَبَرَّ وأَوْفَى ذِمَّةً من مُحَمّدِ
ثم وضع السوط على رحله، ثم قال: أستغفر الله العظيم، ثم عاد فأنشد حتى فرغ ثم قال: يا ابن عباس! ألا تنشدني لشاعر الشعراء! فقلت: يا أمير المؤمنين! ومن شاعر الشعراء؟ قال: زهير! قلت: لم صيرته شاعر الشعراء؟ قال: لأنه لا يعاظل
[ ٦٨ ]
بين الكلامين، ولا يتتبع وحشي الكلام، ولا يمدح أحدًا بغير ما فيه. قال أبو عبيدة: صدق أمير المؤمنين، ولشعره ديباجةٌ إن شئت قلت شهدٌ إن مسسته ذاب، وإن شئت قلت صخرٌ لو رديت به الجبال لأزالها.
وحدثني محمد بن عثمان عن أبي مسمع عن ابن دأب قال: كان عمر بن الخطاب، ﵁، جالسًا في أصحابه يتذاكرون الشعر والشعراء، فيقول بعضهم: فلانٌ اشعر، ويقول آخر، بل فلانٌ أشعر؛ فقيل: إبن عباس بالباب! فقال عمر، ﵁: قد أتى من يحدث من أشعر الناس؛ فلما سلم وجلس قال له عمر: يا ابن عباس! من أشعر الناس؟ قال: زهير يا أمير المؤمنين! قال عمر: ولم ذلك؟ قال ابن عباس: لقوله يمدح هرمًا وقومه بني مرة: البسيط
لو كان يَقْعُدُ فوقَ الشّمسِ من كَرمٍ قومٌ بأَوَّلِهم أو مَجْدِهِم قَعَدُوا
قَومٌ أَبوهُمْ سِنَانٌ حينَ تَنسُبُهم، كابُوا وطابَ مِنَ الأولادِ مَن وَلَدُوا
[ ٦٩ ]
جِنٌّ إذا فَزِعُوا، إنسٌ إذا أَمِنُوا، مُرَزّؤونَ بَهاليلٌ إذا جهدُوا
مُحَسَّدونَ على ما كانَ مِنْ نِعَمٍ، لا يَنزِعُ اللَّهُ عَنهُم ما بِهِ حُسِدُوا
قال عمر: صدقت يا ابن عباس.