قال: وكان لبيد جوادًا شريفًا في الجاهلية والإسلام، وكان قد آلى في الجاهلية أن يطعم ما هبت الصبا، ثم أدام ذلك في إسلامه. ونزل لبيد الكوفة، وأميرها الوليد بن عقبة، فبينا هو يخطب الناس، إذ هبت الصبا بين ناحية المشرق إلى الشمال فقال الوليد في خطبته على المنبر: قد علمتم حال أخيكم أبي عقيل، وما جعل على نفسه أن يطعم ما هبت الصبا، وقد هبت ريحها، فأعينوه! ثم انصرف الوليد، فبعث إليه بمائةٍ من الجزر واعتذر إليه فقال: الوافر
أرَى الجَزّارَ يَشْحَذُ شَفرَتيهِ إذا هَبّتْ رِياحُ أبي عَقيلِ
أشمُّ الأنفِ أَصْيَدُ عامريٌّ، طويلُ الباعِ كالسّيفِ الصّقيلِ
وفَى ابنُ الجَعفَريِّ بما نَواهُ، على العِلاَّتِ والمالِ القَليلِ
يُذَكّي الكُومَ ما هَبَّتْ عليهِ رِياحُ صَبًا تجاوَبُ بالأصيلِ
فلما وصلت الهدية إلى لبيد قال له الرسول: هذه هدية ابن وهب، فشكره لبيد
[ ٨٣ ]
وقال: إني تركت الشعر منذ قرأت القرآن، وإني ما أعيا بجواب شاعر، ودعا ابنةً له خماسيةً فقال: أجيبيه عني، فقالت: الوافر
إذا هَبَّتْ رِياحُ أبي عقيلٍ، دَعَونا عندَ هَبّتِها الوَليدَا
أشَمَّ الأنفِ، أصْيَدَ عَبشَمِيًّا أعانَ على مُروءَتِهِ لَبيدَا
بأَمثالِ الهِضابِ، كأنَّ رَكبًا عَليها من بَني حامٍ قُعُودَا
أبا وَهبٍ! جَزَاكَ اللَّهُ خَيرًا نَحَرناها، وأطعَمنا الوُفُودَا
فَعُدْ! إنّ الكريمَ لهُ مَعَادٌ، وظنّي يابنَ أروى أن تَعُودا
فقال لبيد: أجبت وأحسنت لولا أنك سألت في شعرك. قالت إنه أمير، وليس بسوقة ولا بأس بسؤاله، ولو كان غيره ما سألناه! قال: أجل! إنه لعلى ما ذكرت.
قيل: وكان لبيد أحد المعمرين؛ يقال: إنه لم يمت حتى حرم عليه نكاح خمسمائة امرأةٍ من نساء بني عامر، وهو القائل لما بلغ تسعين حجة: الطويل
كأنّي وَقَدْ جاوَزتُ تِسْعينَ حجّةً خَلَعتُ بها عنِّي عِذارَ لجامي
رَمتني بناتُ الدَّهرِ من حيثُ لا أرَى فكَيفَ بمن يُرْمى، وليس برامي
[ ٨٤ ]
ولو أنّني أُرمَى بِسَهْمٍ رأيتُها، ولكنَّني أُرمَى بغَيرِ سِهامِ
وقال حين بلغ عشرين ومائة: الكامل
وغَنِيتُ دَهرًا قَبلَ مَجْرى داحسٍ، لو كانَ للنّفسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ
وقال حين بلغ أربعين ومائة:
ولقد سئِمتُ منَ الحَياةِ وطولِها، وسؤالِ هذا النّاسِ: كيفَ لبيدُ؟
غَلَبَ الزّمانَ، وكانَ غَيرَ مُغَلَّب، دَهرٌ طَويلٌ دائمٌ مَمدُودُ
يومٌ إذا يأتي عليَّ، ولَيلَةٌ وكلاهُما بَعدَ انقضاهُ يَعُودُ
ثم أسلم، وحسن إسلامه، وجمع القرآن وترك قول الشعر.