أَلاَ لَيْتَ شِعري هَلْ أبيتَنّ ليلةً بجَنبِ الغَضَا، أُزجي القِلاص النّواجِيا
فَلَيتَ الغَضَا لم يقطَعِ الركبُ عَرضَهُ، وليتَ الغَضَا مَاشىَ الركابَ لَياليِا
لقد كان في أهل الغضا، لو دنا الغضا، مزارٌ، ولكنّ الغضا ليْسَ دانيا
[ ٦٠٧ ]
أَلمْ تَرَني بِعءتُ الضّلالةَ بالهُدى، وَأَصْبَحْتُ في جيشِ ابنِ عفّان غازيا
دَعاني الهَوى من أهل وُدّي وصُحبتي، بِذِي الطَّبَسَين، فالتفتُّ وَرَائِيا
أَجَبْتُ الهَوَى لَمّا دَعَاني بِزَفْرَةٍ، تَقَنّعْتُ مِنْهَا، أنّ أُلامَ، ردائيا
لَعَمْري لئن غالتْ خُراسانُ هامَتي لقد كُنْتُ عن بابَيْ خراسان نائيا
فلله درّي يَوْمَ أَتْرُكُ طائعًا بَنيّ بأَعْلى الرّقمَتَيْنِ، وماليا
ودَرُّ الظّباءِ السّانِحاتِ عَشِيّةً، يُخَبّرْنَ أني هالِكٌ مِن وَرَائِيا
[ ٦٠٨ ]
وَدَرُّ كَبيرَيَّ اللّذين كِلاهُمَا عَليّ شَفيقٌ، ناصِحٌ، قد نَهانِيا
وَدرُّ الهَوَى من حَيْثُ يدعو صِحَابَهُ، وَدَرُّ لَجاجاتي، ودَرُّ انتِهائيا
تَذَكّرْتُ من يَبْكي عليّ، فلمْ أَجِدْ سِوَى السَيْفِ والرّمحِ الرُّدَينيّ باكيا
وَأَشْقَرَ خِنْذِيذٍ يَجُرّ عِنَانَهُ إلى الماء، لم يتْرُكْ لَهُ الدهْرُ ساقيا
ولَكِنْ بِأَطْرَافِ السُّمَيْنَة نِسْوَةٌ، عَزيزٌ عَلَيْهِنّ، العشيّةَ، ما بيا
صَرِيعٌ على أيْدِي الرّجَالِ بِقَفْرَةٍ يُسَوَّوْنَ قَبْري، حَيْثُ حُمّ قضائيا
وَلَمّا تَرَاءَتْ عِنْدَ مَرْوٍ مَنيّتي، وَحَلَّ بِهَا جِسْمي، وَحَانَتْ وَفَاتِيا
أَقُولُ لأصْحابي ارْفعوني لأنّني يَقِرّ بِعَيْني أن سهَيلٌ بَدَا لِيا
فيا صاحبَي رحلي! دنا المَوْتُ، فَأنزلا بِرابِيَةٍ، إنّي مُقِيمٌ لَياليِا
أَقيما عليّ اليَوْمَ، أو بَعْضَ ليلةٍ، ولا تُعْجِلاني قد تبيّنَ ما بِيا
[ ٦٠٩ ]
وَقوما، إذا ما استُلّ روحي، فهيّئا ليَ القبرَ والأكفانَ، ثُمّ ابكيا ليا
وخُطّا بأطْرَافِ الأسِنّةِ مضجعي، ورُدّا على عَيْنَيَّ فضلَ ردائيا
[ ٦١٠ ]
ولا تحسُداني، باركَ اللَّهُ فيكما، من الأرْضِ ذَاتِ العَرضِ أن توسِعاليا
خُذَاني، فجُرّاني بِبُردي إليكما، فقد كُنْتُ، قبل اليوم، صَعبًا قياديا
فقد كنتُ عطّافًا، إذا الخيلُ أدْبَرَتْ، سَريعًا لدى الهَيْجا، إلى مَن دعانِيا
وقد كُنْتُ محمودًا لدى الزّاد والقِرَى، وعنْ شَتْمِ إبنِ العَمّ وَالجارِ وانِيا
وَقد كُنْتُ صَبّارًا على القِرْن في الوَغى، ثَقِيلًا على الأعداء، عَضْبًا لسانيا
وَطَوْرًا تراني في ظِلالٍ وَمَجْمعٍ، وَطَوْرًا تَراني، والعِتَاقُ ركابيا
وَقُوما على بِئْرِ الشُّبَيكِ، فأسمِعا بها الوَحْشَ والبِيضَ الحسانَ الروانيا
بِأَنّكُما خَلّفْتُمَاني بِقَفْرَةٍ، تُهيلُ عليّ الرّيحُ فيها السَّوافيا
[ ٦١١ ]
ولا تَنْسَيا عَهْدي، خَليليّ، إنّني تَقَطَّعُ أوصالي، وَتَبْلى عِظامِيَا
فلنْ يَعْدَم الوِلْدَانُ بيتًا يَجُنُّني، وَلَنْ يَعْدَمَ الميراثَ منّي الموالِيا
يقولون: لا تُبْعَدْ، وهُم يدفِنونني، وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلاّ مَكانِيا؟
غَدَاةَ غَدٍ، يا لَهْفَ نَفْسي على غدٍ، إذا أَدْلجوا عني، وخُلّفتُ ثاويا
وَأَصْبَحَ مالي، من طَريفٍ، وتالدٍ، لِغَيْري وكان المالُ بالأمسِ ماليا
فيا ليْتَ شعري، هل تغيّرَتِ الرّحى، رحى الحْرب، أو أضْحت بفَلج كماهيا
إذا القْومُ حلّوها جميعًا، وأَنْزَلوا لها بَقرًا حُمَّ العيونِ، سواجِيا
وَعِينٌ وَقَدْ كان الظّلامُ يَجُنّها، يَسُفْنَ الخُزامي نَورَها والأقاحيا
وَهَلْ تَرَكَ العيسُ المَرَاقيلُ بالضّحى تَعَالِيَهَا تَعلو المُتونَ القَياقيا
[ ٦١٢ ]
إذا عَصِبَ الرُّكْبَانُ بَيْنَ عُنيزةٍ وبُولانَ، عاجُوا المُنْقِياتِ المَهَاريا
ويا لَيْتَ شعري هل بَكَتْ أُمُّ مالكٍ، كما كُنْتُ لَوْ عَالَوا نَعِيَّكَ باكيا
إذا مُتُّ فاعْتَادي القُبُورَ، وسلّمي على الرَّيمِ، أُسقيتِ الغَمامَ الغَواديا
تَرَيْ جَدَثًا قد جَرّتِ الرّيحُ فوقَه غُبارًا كلونِ القسْطَلانيّ هَابِيا
رَهِينة أَحْجَارٍ وتُرْبٍ تَضَمّنَتْ قَرارَتُها منّي العِظَامَ البَوالِيا
[ ٦١٣ ]
فيا راكِبًا إمّا عَرَضتَ فبلّغَنْ بني مالكٍ والرَّيْبِ أنْ لا تلاقِيا
وَبَلّغ أخي عِمران بُردي وَمِئزَري؛ وبلّغ عَجُوزي اليومَ أن لا تدانيا
وَسَلّمْ على شيخيّ مِنيّ كِلَيْهِما، وبلِّغ كَثيرًا وابْنَ عمّي وخَاليا
وعطِّل قَلوصي في الرِّكاب، فإنّها ستُبرِدُ أكبادًا وتُبكي بَواكِيا
أُقَلبُ طَرْفي فَوْقَ رَحْلي، فلا أرَى بِهِ من عُيُونِ المُؤْنِساتِ مراعِيا
وبالرَّملِ منّي نِسْوَةٌ لو شَهِدنَني، بَكَيْنَ وَفَدّيْنَ الطّبيبَ المُداويا
فمِنْهُنّ أُمّي، وابْنتاها، وخالتي، وباكِيَةٌ أُخرى تَهِيجُ البَواكِيا
وما كانَ عَهْدُ الرّمْل منّي وأهلِه ذميمًا، ولا بالرّمْل ودّعْتُ قَاليا
[ ٦١٤ ]