لَعَمْري، وما دهري بتأبِينِ مَالكٍ، وَلاَ جَزِعًا مِمّا أَصَابَ، فَأوْجَعَا
لَقَدْ غَيَّبَ المِنْهَالُ تَحْتَ رِدَائِهِ، فَتىً كَانَ مِبْطَانَ العَشِيّاتِ أَرْوَعَا
وَلاَ بَرَمًا تُهْدي النّساءُ لِعِرْسِهِ، إذا القَشْعُ منْ رِيحِ الشتاءِ تَقَعْقَعَا
[ ٥٩٤ ]
لَبِيبًا أَعَانَ اللُّبَّ مِنْهُ سَمَاحَةٌ؛ خَصيبًا، إذا ما راكَبَ الجَدْبَ أَوْضَعَا
أَغَرَّ كَنَصْلِ السّيْفِ يَهْتَزّ للنّدى، إذا لم يَجِدْ عِنْدَ امْرِىء السَّوْءِ مَطْمعا
إذا اجتزَأَ القَوْمُ القِدَاحَ، وَأُوقِدَتْ لَهُمْ نَارُ أَيْسَارٍ كَفَى مِنْ تَضجّعا
وَيَوْمًا إذا ما كظّكَ الخَصْمُ إن يَكُنْنَصِيرَكَ مِنْهُمْ، لا تَكُنْ أَنْتَ أَضْرَعَا
بِمَثْني الأيادي ثُمّ لَمْ تُلْفِ مَالِكًالَدَى القُرْبِ يَحْمِي لَحْمَهُ أَن يُمَزَّعَا
[ ٥٩٥ ]
فَعَيَنيَ جُودِي بالدّموعِ لمالكٍ، إذا أَرْدَتْ الرِّيحُ الكَنِيفَ المُرَفَّعا
وللشَّربِ، فابْكي مالكًا ولبُهمةٍ، شديدٍ نواحيهِ على مَنْ تَشَجّعَا
وَللضّيْفِ إنْ أَزْجَى طُرُوقًا بَعِيرَهُ، وعانٍ ثَوَى في القِدّ حتى تَكَنّعَا
وَأَرْمَلَةٍ تُسْعى بِأَشْعَثَ مُحْثَلٍ، كَفَرْخ الحُبارَى رَأْسُه قد تَصَوّعا
[ ٥٩٦ ]
فَتىً كَانَ مِخْذامًا إلى الرَّوعِ ركضُهُ، سريعًا إلى الدّاعي إذا هُوَ أَفزَعا
وَمَا كان وَقَّافًا، إذا الخَيْلُ أَحجَمَتْ، وَلاَ طائِشًا عِنْدَ اللّقاءِ مُرَوَّعا
وَلاَ بكَهامٍ ناكلٍ عَنْ عَدُوّه، إذا هُوَ لاقَى حاسرًا ومُقَنَّعا
إذا ضَرّسَ الغَزْوُ الرّجالَ، وَجَدْتُهُ أَخا الحَرْبِ صَدْقًا في اللّقاء سَمَيْذعا
وَإنْ تَلْقَهُ في الشَّرْبِ لا تَلْقَ فاحشًا على الشُّرب، ذا قاذورةٍ متزبعا
أَبَى الصَّبرَ آياتٌ أَرَاها، وإنّني أَرى كلَّ حَبْلٍ بعدَ حَبْلِكَ أقطعا
[ ٥٩٧ ]
وإني مَتَى ما أَدْعُ باسمِكَ لا تُجِبْ وَكُنْتَ حَرِيًّا أن تُجيبَ، وَتَسْمَعَا
أَقُولُ، وقد طارَ السنا في رَبابه، بِجَوْنٍ تَسُحّ الماءَ حتى تريَّعا
سَقَى اللَّهُ أرضًا حلّها قبرُ مالكٍ ذِهابَ الغَوادي المُدْجِناتِ فَأمْرَعا
فمُخْتَلفَ الأجْزاع من حَول شارعٍ فروّى جِبالَ القرْيَتينِ، فضلفعا
وآثَرَ سَيْلَ الوادِيَيْنِ بِديمةٍ، تُرَشِّحُ وَسْمِيًّا منَ النَبْتِ خِروَعا
تَحِيّتُهُ مِنّي، وإنْ كَانَ نَائِيًا، وَأَمْسى تُرابًا فَوْقَهُ الأرضُ بلْقَعا
[ ٥٩٨ ]
فإنْ تَكُنِ الأيامُ فَرّقْنَ بَيْنَنا، لقدْ بانَ مَحْمُودًا أخي، يومَ وَدّعا
وعِشْنا بخيرٍ في الحياةِ، وقبلَنا أصَابَ المَنَايا رَهْطَ كِسْرى، وَتُبّعَا
وَكُنّا كَنَدْمَانيَ جَذِيمَةَ حِقْبَةً من الدّهْرِ، حتى قيلَ لن يَتَصَدّعا
فَلَمّا تَفرّقْنا كأنيّ ومالِكًا، لطول اجتماعٍ، لم نَبِتْ ليلةً مَعَا
فتىً كانَ أَحْيَا من فَتاةٍ حَييّةٍ وأشجَعَ منْ لَيْثٍ إذا ما تمنّعا
تَقُولُ ابْنَةُ العَمرِيّ: مَا لَكَ بَعْدَما أَرَاكَ قديمًا ناعمَ الوَجْهِ أَفرعا
فقلت لها: طولُ الأسى، إذ سألتِني، ولوعةُ حُزْنٍ تترك الوجةَ أسفعا
وفقدُ بني أمٍّ تولَّوا، فلم أكُن خِلافَهُم أن أَسْتَكِيْنَ، فأخضَعا
ولكنّني أمضي على ذاكَ مُقدِمًا، إذا بَعضُ مَن يلقى الخطوبَ تضعضعا
قَعِيدَكِ أن لا تُسمعيني مَلامَةً، ولا تَنكَئي قَرح الفؤادِ فييجعا
[ ٥٩٩ ]
وَحَسْبُكِ أني قد جَهِدْتُ، فلم أجِد بكفِّيَ عنه للمَنيّةِ مدفَعا
وَمَا وَجْدُ آظْآرٍ ثلاثٍ روائمٍ رَأَيْنَ مَجَرًّا من حُوارٍ ومصرعا
فَذَكّرْنَ ذا البَثّ الحَزِينِ بشَجْوِه، إذا حنّتِ الأولى، سجَعْنَ لها مَعَا
إذا شَارِفٌ مِنْهُنّ حَنّتْ فَرَجّعَتْ مِنَ الليل أبكَى شجْوُها البَرْكَ أجمعَا
بِأَوْجَد مِنّي، يَوْمَ فَارَقْتُ مالِكًا، وَقَامَ بِهِ النّاعي الرّفيعُ، فأسْمعا
وإنّي وإنْ هَأزَلْتِني قدْ أَصَابَني مِنَ الرُّزْءِ ما يُبكي الحزينَ المُفجَّعا
[ ٦٠٠ ]
وَلَسْتُ إذا ما الدهرُ أَحدَثَ نَكْبَةً، بِأَلْوَثَ زِوّارِ القرائبِ، أخضَعا
وَلاَ فَرِحًا، إن كُنْتُ يَوْمًا بِغِبْطةٍ، ولا جَزِعًا، إن نابَ دَهرٌ، فأضْلعا
وَقَدْ غَالَني ما غَال قيْسًا ومالِكًا، وعمرًا وجَزءًا بالمشقَّرِ أجمعا
ولَوْ أَنّ ما ألقَى أصابَ مُتالعًا، أو الرُّكنَ مِنْ سلمى إذن لَتَضعضَعا
[ ٦٠١ ]