تَقُولُ ابْنَةُ العَبْسيِّ: قَدْ شِبْتَ بَعْدَنا، وَكُلُّ امرىءٍ بَعْدَ الشّبَابِ يَشِيبُ
وَمَا الشَّيْبُ إلاّ غَائِبٌ كَانَ جَائِيًا، وَمَا القَوْلُ إلاّ مُخطىءٌ وَمُصيبُ
تَقُولُ سُلَيْمَى: مَا لِجسْمِكَ شَاحبًا، كَأَنّكَ يَحْمِيكَ الشّرَابَ طَبِيبُ
فَقُلْتُ، وَلمَ أَعِيَ الجَوَابَ، وَلم أَبُحْ، وَلِلْدَّهْرِ في الصُّمِّ الصِّلابِ نَصِيبُ
تَتَابَعَ أَحْدَاثٌ تَخَرّمْنَ إخْوَتي، فَشَيّبْنَ رَأْسي، والخُطُوبُ تُشِيبُ
[ ٥٥٥ ]
لَعَمْرِي لَئِنْ كَانَتْ أَصَابَتْ مَنِيّةٌ أَخِي، وَالمَنَايَا لِلرّجَالِ شَعُوبُ
لَقَدْ كَانَ أَمّا حِلْمُهُ فَمُرَوِّحٌ عَلَيْهِ، وَأَمّْا جَهْلُهُ فَعَزِيبُ
أَخِي ما أَخِي لا فاحِشٌ عِنْدَ بَيْتِهِ، وَلاَ وَرَعٌ عِنْدَ اللِّقاءِ هَيُوْبُ
أَخي كانَ يَكْفِيني، وَكَانَ يُعِينَني على نَائِبَاتِ الدَّهْرِ، حِينَ تَنُوبُ
حَلِيمٌ، إذا ما سَوْرَةُ الجَهْلِ أَطْلَقَتْحُبَى الشّيْبِ، للنّفْسِ اللَّجُوجِ غَلُوبُ
هُوَ العَسَلُ الماذيّ لِينًا وَنَائِلًا، وَلَيْثٌ، إذا يَلْقَى العُدَاةَ، غَضُوبُ
[ ٥٥٦ ]
هَوَتْ أُمُّهُ، مَاذَا تَضَمَّنَ قَبْرُهُ مِنَ المَجْدِ، وَالمَعْرِوفِ حِينَ يُثِيبُ
أَخُو سَنَواتٍ يَعْلَمُ الضَّيْفُ أَنَّهُ سَيَكْثُرُ مَا في قِدْرِهِ، وَيَطِيبُ
حَبِيبٌ إلى الزُّوَّارِ غِشْيَانُ بَيْتِهِ، جَميلُ المُحَيَّا، شَبَّ وَهُوَ أَدِيبُ
كَأَنّ بُيُوتَ الحَيّ، مَا لمْ يَكُنْ بِهَا، بَسِابِسُ قَفْرٍ، مَا بِهِنَّ عَرِيبُ
كَعَاليَةِ الرُّمْحِ الرُّدَيّنيّ لَمْ يَكُنْ، إذا ابْتَدَرَ الخَيْلَ الرّجِالُ، يَخِيبُ
[ ٥٥٧ ]
إذا قَصَّرَتْ أَيْدِي الرِّجالِ عَنِ العُلَى، تَنَاوَلَ أَقْصَى المَكْرُمَاتِ، كَسُوبُ
جَمُوعُ خِلالِ الخَيْرِ مِنْ كُلّ جَانِبٍ، إذا حَالَ مَكْرُوهٌ بِهِنّ ذَهُوبُ
مُغِيثٌ، مُفِيدُ الفائداتِ، مُعَوَّدٌ لِفِعْلِ النّدَى وَالمَكرُمَاتِ، نَدُوبُ
وَدَاعٍ دَعَا يا مَنْ يُجِيبُ إلى النَّدى فَلَمْ يَسْتَجِبْ عِنْدَ النِّداءِ مُجِيبُ
فَقُلْتُ ادْعُ أُخْرَى وارْفَعِ الصّوْتَ ثَانيًا، لَعَلّ أَبَا المِغْوَارِ مِنْكَ قَرِيبُ
[ ٥٥٨ ]
يُجِبَكَ، كَمَا قَدْ كَانَ يَفْعَلُ، إنَّهُ بِأَمْثَالِها رَحْبُ الذّرَاعِ، أَرِيبُ
أَتَاكَ سَرِيعًا واسْتَجَابَ إلى النّدَى، كَذَلِكَ، قَبْلَ اليَوْمِ كَانَ يُجِيبُ
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ يَدْعُو السَّوابِحَ مَرَّةًبِذي لَجَبٍ، تَحْتَ الرِّمَاحِ، مُهِيبُ
فَتىً أَرْيَحيٌّ كَانَ يَهْتَزَّ للنَّدَى، كَمَأ اهْتَزَّ مِنْ مَاءِ الحَدِيدِ قَضيبُ
فَتىً مَا يُبالي أَنْ يَكُونَ بِجِسْمِهِ، إذا نَالَ خَلاّتِ الكِرَامِ، شُحُوبُ
إذا ما تَرَاءاهُ الرِّجَالُ تَحَفَّظُوا، فَلَمْ يَنْطِقُوا العَوْرَاءَ، وَهُوَ قَرِيبُ
عَلَى خَيْرِ مَا كَانَ الرِّجَالُ خِلاَلُهُ، وَمَا الخَيْرُ إلاّ قِسْمَةٌ وَنَصِيبُ
[ ٥٥٩ ]
حَلِيفُ النَّدَى يَدْعُو النَّدَى، فَيُجِيبُهُسَريعًا، وَيَدْعُوهُ النَّدى، فَيُجِيبُ
غَيَاثٌ لِعانٍ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُعِينُهُ، وَمُخْتَبِطٍ يَغْشَى الدُّخَانَ غَرِيبُ
عَظِيمُ رَمَادِ النّارِ رَحْبٌ فِنَاؤُهُ، إلى سَنَدٍ، لَمْ تَجْتَنِحْهُ عُيُوبُ
يَبِيتُ النّدى، يَا أُمَّ عَمرٍو، ضَجيعَهُ، إذا لم يَكُنْ في المُنْقَيَاتِ حَلُوبُ
حَلِيمٌ، إذا ما الحِلْمُ زَيَّنَ أَهْلَهُ، مَعَ الحِلْمِ، في عَيْنِ العَدُوِّ، مَهِيبُ
مَعَنّىً، إذا عَادَى الرِّجَالَ عَدَاوَةً، بَعِيدٌ، إذا عَادَى الرِّجَالُ، قَرِيبُ
[ ٥٦٠ ]
غَنِينَا بِخَيْرٍ حِقْبَةً ثُمّ جَلَّحَتْ عَلَيْنَا التي كُلَّ الأَنَامِ تُصِيبُ
فَأَبْقَتْ قَلِيلًا ذَاهِبًا، وَتَجَهَّزَتْ لآخَرَ، وَالرّاجِي الحَيَاةَ كَذُوبُ
وَأَعْلَمُ أَنَّ الباقيَ الحَيَّ مِنْهُمُ إلى أَجَلٍ، أَقْصَى مَدَاهُ قَرِيبُ
لَقَدْ أَفْسَدَ المَوْتُ الحَيَاةَ، وَقَدْ أَتَى على يَوْمِهِ عِلْقٌ عَليَّ حَبِيبُ
فَإنْ تَكُنِ الأيَّامُ أَحْسَنَّ مَرَّةً إليّ، فَقَدْ عَادَتْ لَهُنّ ذُنُوبُ
جَمَعْنَ النَّوى حَتّى إذا اجْتَمَعَ الهَوَى، صَدَعْنَ العَصَا، حَتّى القَنَاةُ شَعُوبُ
[ ٥٦١ ]
أَتَى دُونَ حُلوِ العَيْشِ حَتّى أَمَرَّهُ نُكُوبٌ على آثارِهنّ نُكُوبُ
كَأَنّ أَبَا المِغْوَارِ لَمْ يُوفِ مَرقبًا؛ إذا رَبَا القَوْمَ الغُزَاةَ رَقِيبُ
وَلَمْ يَدْعُ فِتْيانًا كِرامًا لِمَيْسِرٍ، إذا اشْتَدّ من ريحِ الشّتَاءِ هُبُوبُ
فَإنْ غَابَ مِنْهُمْ غَائِبٌ، أَوْ تَخَاذَلوا، كَفَى ذَاكَ مِنْهُم، والجَنَابُ خَصِيبُ
كَأَنَّ أَبَا المِغْوَارِ ذا المَجْدِ لَم تَجُبْبِهِ البِيدَ عَنْسٌ بِالفَلاَةِ، خَبُوبُ
عَلاَةٌ، تَرَى فِيهَا، إذا حُطَّ رَحْلُها، نُدُوبًا على آثارِهِنَّ نُدُوبُ
[ ٥٦٢ ]
وَإنّي لَبَاكِيهِ، وإنّي لَصَادِقٌ عَلَيْهِ، وَبَعْضُ القَائِلِينَ كَذُوبُ
فَتَى الحَربِ إنْ جَارَتْ تَرَاهُ سِمَامَهاوَفي السِّلْمِ مفْضَالُ اليَدَيْنِ وَهُوبُ
وَحَدَّثْتُمَاني إنَّمَا المَوْتُ في القُرَى، فَكَيْفَ؟ وَهذَا رَوْضَةٌ وَقَلَيْبُ
وَمَاءُ سَماءٍ، كَانَ غَيْرَ مَحَمَّةٍ بِدَاوِيّةٍ تَجْرِي عَلَيْهِ جَنُوبُ
وَمَنْزِلِهِ في دَارِ صِدْقٍ وَغِبْطَةٍ، وَمَا اقْتَالَ مِنْ حكمٍ عَلَيْهِ طَبِيبُ
فَلَوْ كَانَتِ الدّنْيا تُبَاعُ اشْتَرَيْتُهُ، بِمَا لَمْ تَكُنْ عَنْهُ النّفوسُ تَطِيبُ
[ ٥٦٣ ]
بِعَيْنّي أَوْ يُمَنَى يَدَيّ، وقيلَ لي: هُوَ الغَانِمُ الجَذْلاَنُ يَوْمَ يَؤُوبُ
لَعَمْرُكُمَا إنَّ البَعِيدَ لَمَا مَضَى، وإنّ الذي يَأْتي غَدًا لَقَرِيبُ
وَإنّي وَتَأْمِيلي لِقَاءَ مُؤمَّلٍ، وَقَدْ شَعَبَتْهُ عن لِقَايَ شَعُوبُ
كَدَاِعي هُذَيلٍ لا يَزَالُ مُكَلَّفًا، وَلَيْسَ لَهُ، حتى المَمَاتِ، مُجيبُ
سَقَى كلَّ ذِكرٍ جَاءَنَا مِنْ مُؤمَّلٍ، على النّأيِ، زَحّافُ السّحَابِ سَكُوبُ
[ ٥٦٤ ]