١ - قَوْلهم إِن من الْبَيَان لسحرًا
أول من لفظ بِهِ النَّبِي ﷺ
أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عبد الْوَهَّاب ابْن أَحْمد الكاغدي عَن أبي بكر عبد الله بن حَمَّاد الْعَقدي عَن أبي جَعْفَر أَحْمد بن الْحَارِث الخزاز عَن الْمَدَائِنِي عَن مسلمة بن محَارب عَن عُيَيْنَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لعَمْرو بن الاهتم أخبرنَا عَن الزبْرِقَان فَقَالَ إِنَّه مُطَاع فِي أدنيه شَدِيد الْعَارِضَة مَانع لما وَرَاء ظَهره
فَقَالَ الزبْرِقَان يَا رَسُول الله إِنَّه ليعلم مني أَكثر من ذَلِك وَلَكِن حسدني فَقَالَ عَمْرو وَالله يَا رَسُول الله إِنَّه لزمر الْمُرُوءَة ضيق العطن حَدِيث الْغنى أَحمَق الْوَالِد لئيم الْخَال وَمَا كذبت فِي الاولى وَلَقَد صدقت فِي الاخرى رضيت فَقلت بِأَحْسَن مَا علمت وسخطت فَقلت بِأَسْوَأ مَا علمت
فَقَالَ النَّبِي ﷺ (إِن من الْبَيَان لسحرًا) وَذَلِكَ أول مَا سمع
وَأخْبرنَا أَبُو أَحْمد الْحسن بن عبد الله بن سعيد عَن أَبِيه عَن عسل
[ ١ / ١٣ ]
ابْن ذكْوَان قَالَ قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن أَذمّ الْبَيَان أم مدحه فَمَا أبان أحد بِشَيْء
فَقَالَ ذمه لَان السحر تمويه فَقَالَ إِن من الْبَيَان مَا يموه الْبَاطِل حَتَّى يُشبههُ بِالْحَقِّ
وَقَالَ غَيره بل مدحه لَان الْبَيَان من الْفَهم والذكاء
قَالَ الشَّيْخ أَبُو هِلَال ﵀ الصَّحِيح أَنه مدحه وتسميته إِيَّاه سحرًا إِنَّمَا هُوَ على جِهَة التَّعَجُّب مِنْهُ لانه لما ذمّ عَمْرو الزبْرِقَان ومدحه فِي حَال وَاحِدَة وَصدق فِي مدحه وذمه فِيمَا ذكر عجب النَّبِي ﷺ من ذَلِك كَمَا يعجب من السحر فَسَماهُ سحرًا من هَذَا الْوَجْه
وَقد أجمع أهل البلاغة على أَن تَصْوِير الْحق فِي صُورَة الْبَاطِل وَالْبَاطِل فِي صُورَة الْحق من ارْفَعْ دَرَجَات البلاغة وَقد أحكمنا ذَلِك فِي كتاب صَنْعَة الْكَلَام
وَقد رُوِيَ هَذَا اللَّفْظ عَن النَّبِي ﷺ من جِهَة أُخْرَى وَمَعَهُ زيادات توخيت من أجلهَا تكريره
حَدثنَا أَبُو أَحْمد قَالَ حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد قَالَ حَدثنَا معمر بن يحيى النَّيْسَابُورِي قَالَ حَدثنَا سعد الْجرْمِي قَالَ حَدثنَا يحيى بن وَاضح قَالَ حَدثنَا أَبُو جَعْفَر النَّحْوِيّ عَن عبد الله بن ثَابت عَن صَخْر بن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه عَن جده قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (إِن من الْبَيَان لسحرًا وَإِن من الشّعْر لحكمًا وَإِن من الْعلم جهلا وَإِن من القَوْل عيالا)
قَوْله
[ ١ / ١٤ ]
(إِن من االعلم جهلا) يَعْنِي تكلّف الْعَالم القَوْل فِيمَا يجهله
وَقَوله (إِن من القَوْل عيالا) يَعْنِي عرضك الْكَلَام على من لَيْسَ من شَأْنه
وَالْحكم الْحِكْمَة كَقَوْلِك الْعذر والعذرة
وَقيل يَعْنِي بقوله (إِن من الْبَيَان لسحرًا) أَن البليغ يبلغ ببيانه مَا يبلغ السَّاحر بلطافة حيلته فِي سحره
وَتكلم بَعضهم عَن عمر بن عبد الْعَزِيز بِكَلَام حسن فَقَالَ عمر هَذَا السحر الْحَلَال فتصرف الشُّعَرَاء فِي هَذِه اللَّفْظَة فَقَالَ بَعضهم
(وحديثها السحر الْحَلَال لَو أَنه لم يجن قتل الْمُسلم المتحرز)
(إِن طَال لم يملل وَإِن هِيَ أوجزت ود الْمُحدث أَنَّهَا لم توجز)
(شرك الْقُلُوب وفتنة مَا مثلهَا للمستهام وعقلة المستوفز)
وَلَا نَعْرِف فِي الحَدِيث كلَاما أحسن من هَذَا
وَقَالَ بعض المهالبة فِي الْمُعْتَمد
(سَيبقى فِيك مَا يهدي لساني إِذا فنيت هَدَايَا المهرجان)
(قصائد تملا الافاق مِمَّا أحل الله من سحر الْبَيَان)
(بهَا ينفى الْكرَى السارون عَنْهُم وتلهي الشّرْب أوتار القيان)
(بمعتمد على الله استجرنا فصرنا آمِنين من الزَّمَان)
[ ١ / ١٥ ]
٢ - قَوْلهم إِن مِمَّا ينْبت الرّبيع لما يقتل حَبطًا أَو يلم
أول من تكلم بِهِ النَّبِي ﷺ
حَدثنَا أَبُو أَحْمد قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن يَعْقُوب الصفارقال حَدثنَا زِيَاد بن يحيى الحساني قَالَ حَدثنَا ابْن أبي عدي عَن هِشَام بن يحيى أبي كثير عَن هِلَال بن أبي مَيْمُونَة عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي سعيد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِن مِمَّا أَخَاف عَلَيْكُم مَا يفتح لكم من زهرَة الدُّنْيَا وَزينتهَا) فَقَالَ رجل يَا نَبِي الله أَو يَأْتِي الْخَيْر بِالشَّرِّ فأرينا أَنه ينزل عَلَيْهِ فَقَالَ (أَيْن السَّائِل) فَكَأَنَّهُ حَمده فَقَالَ (إِنَّه لايأتى الْخَيْر بِالشَّرِّ وَإِن مِمَّا ينْبت الرّبيع لما يقتل حَبطًا أَو يلم) وَهَذَا من أحسن الْكَلَام وأوجزه وأفصحه لفظا وألطفه معنى
وَهُوَ مثل ضربه لمن أعطي من الدُّنْيَا حظًا فألهاه الِاشْتِغَال بِهِ والاستكثار مِنْهُ والحرص عَلَيْهِ ومجانبة الْقَصْد فِيهِ عَن إصْلَاح دينه فَيكون فِيهِ هَلَاكه كَمَا أَن الْمَاشِيَة إِذا لم تقتصد فِي مراعيها حبطت بطونها فَمَاتَتْ أَو كَادَت والحبط انتفاخ الْبَطن وَرَوَاهُ بَعضهم خبطًا بِالْخَاءِ وَهُوَ تَصْحِيف
وَنَحْو الْمثل قَول النَّابِغَة
(الْيَأْس عَمَّا فَاتَ يعقب رَاحَة ولرب مطعمة تعود ذباحا)
[ ١ / ١٦ ]
٣ - قَوْلهم إيَّاكُمْ وخضراء الدمن
هُوَ من كَلَام النَّبِي ﷺ حَدثنَا أَبُو أَحْمد قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن سعيد بواسط قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن الْخَلِيل البرجلاني قَالَ حَدثنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدثنَا يحيى بن سعيد بن حَيَّان عَن أبي وجزة يزِيد بن عبيد عَن عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ عَن أبي سعيد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إيَّاكُمْ وخضراء الدمن) وَهُوَ النبت ينْبت على البعر فيروق ظَاهره وَلَيْسَ فِي بَاطِنه خير
وضربه مثلا للْمَرْأَة الْحَسْنَاء فِي منبت السوء وَكره ذَلِك لَان عرق السوء ينْزع
وَمثله قَول الْعَرَب إيَّاكُمْ وعقيلة الْملح يعنون الدرة وَهِي تكون فِي المَاء الْملح
وَمَعْنَاهُ النَّهْي عَن نِكَاح الْحَسْنَاء فِي منصب السوء
وَأنْشد بَعضهم قَول زفر بن الْحَارِث بعقب هَذَا الْخَبَر وَذكر أَنه مثله
(وَقد ينْبت المرعى على دمن الثرى وتقى خزازات النُّفُوس كَمَا هيا)
وَقَالَ غَيره لَيْسَ هُوَ مِنْهُ فِي شَيْء قَالَ وَمَعْنَاهُ أَن الدمنة هِيَ الْموضع الَّذِي تبرك فِيهِ الابل فتبول وتبعر فِيهِ فَلَا ينْبت شَيْئا فَإِذا أَصَابَته السَّمَاء وسفته الرِّيَاح أنبت فَيَقُول إِن ذَلِك الْموضع قد ينْبت بعد أَن لم يكن ينْبت فيتغير بالنبات وَتبقى حزازات النُّفُوس لَا تَتَغَيَّر
[ ١ / ١٧ ]
قَالَ الشَّيْخ أَبُو هِلَال ﵀ وَهَذَا مثل قَول صَاحب كليلة لكل حريق مطفىء للنار المَاء وللسم الدَّوَاء وللعشق الْبَين ونار الْعَدَاوَة لَا تخمد أبدا بِشَيْء من الاشياء
وَفِي نَحْو مَا تقدم قَول الشَّاعِر
(فَلَا يغرنك أضغان مرملة قد يضْرب الدبر الدامي بأحلاس)
وَتقول الْعَرَب عرق السوء ينجث وَلَو بعد حِين أَي يسْتَخْرج مِنْهُ مَا هُوَ كامن فِيهِ
قَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي لَا يغلبنكم الْجمال على صَرَاحَة النّسَب فَإِن المناكح الْكَرِيمَة مدرجة للشرف
وَقَالَ الشَّاعِر
(فأدركه خالاته فاختزلنه أَلا إِن عرق السوء لَا بُد مدرك)
٤ - قَوْلهم أول العي الاحتلاط
الاحتلاط الْغَضَب وَمَعْنَاهُ أَن الرجل إِذا عجز عَن دفع خَصمه بِحجَّة قَاطِعَة أظهر الْغَضَب ليجعله سَببا إِلَى التَّخَلُّص مِنْهُ
وَلَو وَجه آخر وَهُوَ أَنه إِذا غضب عي عَن الْجَواب وَامْتنع عَلَيْهِ الْخطاب
[ ١ / ١٨ ]
وأحضر النَّاس جَوَابا من لم يغْضب
قَالُوا وأحزم الْفَرِيقَيْنِ الركين وَالْعَاجِز عَن الْجَواب أَيْضا رُبمَا تعلل بالضحك
وَفِي بعض الامثال من عجز عَن الْجَواب ضحك من غير عُجاب
وَقَالَ عبد الْجَبَّار بن عدي قلت لعجوز من نَصَارَى لخم لَو تحنفت فَقَالَت لَو تنصرت قلت الحنيفية أقرب إِلَى الله قَالَت أقربها إِلَيْهِ أقدمها الَّذِي أرسل بِهِ رَسُولا وَأَعْطَاهُ الحكم صَبيا وأنطقه فِي المهد وليدا أثبت بِهِ الْحجَّة ووكد بِهِ الْهَدِيَّة وَلم يحوجه إِلَى نصر الْعَشِيرَة
قَالَ فَضَحكت تَعَجبا من قَوْلهَا فَقَالَت من عجز عَن الْجَواب ضحك من غير عُجاب
٥ - قَوْلهم أفرط فأسقط
هُوَ مثل قَوْله النَّبِي ﷺ (من كثر كَلَامه كثر سقطه)
أخبرنَا أَبُو أَحْمد قَالَ حَدثنَا عَليّ بن الْحُسَيْن قَالَ حَدثنَا الْفضل بن عبد الْعَزِيز قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن خُلَيْد قَالَ حَدثنَا عَبدة بن شبْل الْحَنَفِيّ عَن ابْن عجلَان عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من كثر كَلَامه كثر سقطه وَمن كثر سقطه كثر كذبه وَمن كثر كذبه كثرت ذنُوبه وَمن كثرت ذنُوبه كَانَت النَّار أولى بِهِ)
وَقَالَ بَعضهم الصَّحِيح
[ ١ / ١٩ ]
أَن عمر ﵁ قَالَ ذَلِك وَرِوَايَته عَن النَّبِي ﷺ وهم
أخبرنَا أَبُو أَحْمد قَالَ أخبرناابوبكر بن دُرَيْد قَالَ حَدثنَا الْحسن بن خضر قَالَ حَدثنَا الْحجَّاج بن نصير قَالَ حَدثنَا صَالح الْمزي عَن مَالك بن دِينَار عَن الاحنف قَالَ لي عمر يَا أحنف من كثر ضحكه قلت هيبته وَمن مزح استخف بِهِ وَمن أَكثر من شَيْء عرف بِهِ وَمن كثر كَلَامه كثر سقطه وَمن كثر سقطه قل حياؤه وَمن قل حياؤه قل ورعه وَمن قل ورعه مَاتَ قلبه
وَمن أمثالهم فِي النَّهْي عَن مُفَارقَة التَّوَسُّط فِي القَوْل قَوْلهم أَسْوَأ القَوْل الافراط قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذا قُلْتُمْ فاعدلوا﴾
وَقَالَت الْحُكَمَاء لكل شَيْء طرفان ووسط فَفِي طرفه الاول شُعْبَة من التَّقْصِير وَمَعَ الاخير بعض الافراط وخيره وَسطه
وَأخْبرنَا أَبُو أَحْمد قَالَ سَمِعت أَبَا الْحسن الاخفش يَقُول سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى ثعلبًا يَقُول لَا أعلم فِيمَا رُوِيَ فِي التَّوَسُّط أحسن من قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ عَلَيْكُم بالنمرقة الْوُسْطَى فإليها يرجع الغالي وَبهَا يلْحق التَّالِي
وَقَالَ حَكِيم الشُّعَرَاء
(عَلَيْك بِالْقَصْدِ فِيمَا أَنْت فَاعله إِن التخلق يَأْتِي دونه الْخلق)
[ ١ / ٢٠ ]
وَقَالَ آخر
(إِن بَين التَّفْرِيط والافراط مسلكًا منجيًا من الايراط)
قَالَ الشَّيْخ ﵀ أَي من الهلكة
والافراط مَذْمُوم فِي كل شَيْء فَمن أفرط فِي الْمَدْح نسب إِلَى الملق أَو فِي النَّصِيحَة لحقته التُّهْمَة
وَقيل كثير النصح يهجم بك على كثير الظنة وَإِذا أفرط فِي سرعَة السّير قطع بِهِ
وَقَالَ النَّبِي ﷺ (أَلا إِن هَذَا الدّين متين فأوغل فِيهِ بِرِفْق فَإِن المنبت لَا أَرضًا قطع وَلَا ظهرا أبقى)
وَالْعرب تَقول شَرّ السّير الْحَقْحَقَةُ وَهِي شدَّة السّير
وَقَالَ المرار
(نقطع بالنزول الارض عَنَّا وَطول الأَرْض يقطعهُ النُّزُول)
وَإِذا أفرط فِي الاكل وَالشرب سقم وَإِذا أفرط فِي الزّهْد منع نَفسه مَا أحل لَهُ فعذ بهَا من حَيْثُ لَو نعمها لم يضرّهُ وَإِذا أفرط فِي الْبَذْل كَانَ مبذرًا وأرجع الامر إِلَى الْفقر وَإِذا أفرط فِي الْمَنْع كَانَ بَخِيلًا يذم بِكُل لِسَان ويحتقره كل إِنْسَان وَيُشبه بالكلب فِي دناءة نَفسه وقصور همته
وَلَا يدْخل الافراط شَيْئا إِلَّا أفْسدهُ
أخبرنَا أَبُو أَحْمد قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن أبي بكر قَالَ سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الْمبرد يَقُول خلال الْخَيْر لَهَا مقادير فَإِذا خرجت عَنْهَا استحالت فالحياء
[ ١ / ٢١ ]
حسن فَإِذا جَاوز المقداركان عَجزا والشجاعة حَسَنَة فَإِذا جَاوَزت الْمِقْدَار كَانَ تهورًا والبذل حسن فَإِذا جَاوز الْمِقْدَار كَانَ تضييعا وَالْقَصْد حسن فَإذْ جَاوز الْمِقْدَار كَانَ بخلا وَالْكَلَام حسن فَإِذا جَاوز الْمِقْدَار كَانَ إهذارًا والصمت حسن فَإِذا جَاوز الْمِقْدَار كَانَ عيًا
وَقَالَ بعض الاعراب إِنَّمَا جعلت لَك أذنان ولسان وَاحِد ليَكُون استماعك ضعْفي كلامك
وَمن أمثالهم فِي حفظ اللِّسَان قَوْلهم (أَحَق شَيْء بسجن لِسَان) وَمَعْنَاهُ أَحَق مَا يَنْبَغِي أَن يمْنَع من الانبعاث فِي الْبَاطِل للسان لَان زلته مهلكة وَمن حق مَا يهْلك إرْسَاله أَن يزم
والسجن بِالْفَتْح مصدر سجنت سجنا
والمحبس السجْن
وقرىء السجْن أحب إِلَيّ بِالْفَتْح وَالْكَسْر
وَمن أول مَا روى فى حفظ اللِّسَان قَول امرىء الْقَيْس
(إِذا الْمَرْء لم يخزن عَلَيْهِ لِسَانه فَلَيْسَ على شَيْء سواهُ بخزان)
وَقَالَ الْمُحدث إِنَّمَا السَّالِم من ألْجم فَاه بلجام
وَأخذ أَبُو الاسود لفظ الْمثل فَقَالَ
(لعمرك مَا شَيْء عرفت مَكَانَهُ أَحَق بسجن من لِسَان مذلل)
وَقَالُوا من عَلَامَات الْعَاقِل أَن يكون عَالما بِأَهْل زَمَانه حَافِظًا لِلِسَانِهِ مُقبلا على شانه
[ ١ / ٢٢ ]
حَدثنَا أَبُو أَحْمد قَالَ حَدثنَا أَبُو روق عَن الرياشي عَن عبد العزيزبن عمر الْحِمصِي عَن الْفَيْض بن عبد الحميد قَالَ كتب رجل إِلَى أَخِيه
(وَمَا شَيْء أردْت بِهِ بَيَانا بأبلغ لَا أبالك من لِسَان)
فَأَجَابَهُ
(وَمَا شَيْء إِذا روأت فِيهِ أَحَق بطول سجن من لِسَان)
٦ - قَوْلهم إِذا سَمِعت بسرى الْقَيْن فَإِنَّهُ مصبحٌ
يضْرب مثلا للرجل يعرف بِالْكَذِبِ حَتَّى يرد صدقه
وَأَصله أَن الْقَيْن وَهُوَ الْحداد إِذا كسد عمله أشاع بارتحاله وَهُوَ يُرِيد الاقامة وَإِنَّمَا يذكر الرحيل ليستعمله أهل المَاء ثمَّ إِذا صدق لم يصدق لَان من عرف بِالصّدقِ جَازَ كذبه وَمن عرف بِالْكَذِبِ لم يجز صدقه
وَقَالَ نهشل بن حري
(وعهد الغانيات كعهد قين ونت عَنهُ الجعائل مستذاق)
(كبرق لَاحَ يعجب من رَآهُ وَلَا يُغني الحوائم من لماق)
ونت عَنهُ الجعائل أَي قصرت فَلم تبلغه والجعائل هَاهُنَا أجور عمله
والمستذاق قيل المجرب وَقيل المنظور مِنْهُ إِلَى مَا يفعل وَالصَّحِيح أَنه إِذا أَتَى قوما يحسن لَهُم الْعَمَل فِي أول أمره مَعَهم حَتَّى يَذُوقُوا ذَلِك مِنْهُ فيأتوه
[ ١ / ٢٣ ]
ثمَّ يفْسد بعد ذَلِك فَيَقُول إنَّهُنَّ أول مَا يوصلن يتحببن ثمَّ يفسدن بعد ذَلِك ويغدرن
وذقت الشَّيْء جربته قَالَ الشَّاعِر
(وَإِن الله ذاق حلوم قيس فَلَمَّا رَاء خفتها قلاها)
رَاء بِمَعْنى رأى
وَيَقُولُونَ ذاق السَّيْف اذا جربه أصارم اَوْ كهام والسرى سير اللَّيْل مُؤَنّثَة فَأَما قَول لبيد
(قَالَ هجدنا فقد طَال السرى )
فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لانه فعل قد تقدم وَلَيْسَ بتأنيث حَقِيقِيّ
وَيُقَال مَا كَانَ قينا وَلَقَد قان يَقِين قيانةً وقان الحديدة يقينها أصلحها
وقن إناءك وكل أمة قينة مغنيةً كَانَت اَوْ غير مغنية وَلَا يُقَال لعبد قين
وَأنْشد ثَعْلَب
(ولي كبد مجروحة قد بدا بهَا صدوع الْهوى لَو كَانَ قين يقينها)
وتقينت تقينًا أَي تزينت وَأنْشد
(وَهن مناخات تجللن زِينَة كَمَا اقتان بالبنت العهاد المجود)
[ ١ / ٢٤ ]
٧ - قَوْلهم أَسَاءَ سمعا فأساء جابة
٨ - وَقَوْلهمْ أشبه امْرأ بعض بزه
يضْرب الاول مثلا للرجل يخطىء السّمع فيسيء الاجابة
والجابة اسْم مثل الطَّاعَة والطاقة والاجابة الْمصدر مثل الاطاعة والاطاقة
قَالُوا والمثل لسهيل بن عَمْرو وَكَانَ لَهُ ابْن مضعوف فَرَآهُ إِنْسَان فَقَالَ لَهُ أَيْن أمك أَي قصدك
فَظن أَنه يسْأَله عَن أمه فَقَالَ ذهبت تطحن فَقَالَ سُهَيْل (أَسَاءَ سمعا فأساء جابة) فَذَهَبت مثلا
فَلَمَّا صَار إِلَى زَوجته أخْبرهَا بِمَا قَالَ ابْنهَا فَقَالَت إِنَّك تبْغضهُ فَقَالَ (أشبه امْرأ بعض بزه) فأرسلها مثلا
وَالصَّحِيح أَن هَذَا الْمثل لذِي الاصبع العدواني وَسَيَجِيءُ خَبره فِي الْبَاب الْحَادِي عشر إِن شَاءَ الله
وأنشدنا أَبُو عَليّ الْحسن بن عَليّ بن أبي حَفْص فِي الجابة
(وَمَا من تهتفين بِهِ لنصر بأسرع جابةً لَك من هديل)
وقصة الهديل أكذوبة من أكاذيب الْعَرَب زَعَمُوا أَن الهديل فرخ
[ ١ / ٢٥ ]
كَانَ على عهد نوح فصاده جارح فَمَا من حمامة إِلَّا وَهِي تبكيه وَتَدْعُوهُ فَلَا يجيبها فَيَقُول إِن دعاءك من تَدعُوهُ لنصرك لَا يُجَاب كدعاء الْحمام الهديل
وَنَحْوه قَول الآخر
(فَإِن تَكُ قيس قدمتك لنصرها فقد هَلَكت قيس وذل نصيرها)
٩ - قَوْلهم إِلَيْك يساق الحَدِيث
يضْرب مثلا للرجل يصلح لَهُ الامر وَهُوَ مستعجل يلْتَمس الْوُصُول إِلَيْهِ قبل أَوَانه
وَأَصله أَن رجلا خطب امْرَأَة فَجعل يصف لَهَا نَفسه وَجعل ذكره يَتَحَرَّك حَتَّى يصفه ثَوْبه فَضَربهُ بِيَدِهِ وَقَالَ إِلَيْك يساق الحَدِيث
وَمن أمثالهم فِي نَحْو هَذَا قَول أَوْس بن حجر
(ومستعجب مِمَّا يرى من أناتنا وَلَو زبنته الْحَرْب لم يترمرم)
وَلَا أعرف أحدا مدح العجلة إِلَّا أَبَا العيناء فَإِن رجلا رَآهُ يستعجل فِي أَمر فَقَالَ لَهُ ارْفُقْ فَإِن العجلة من عمل الشَّيْطَان فَقَالَ لَو كَانَ كَذَلِك
[ ١ / ٢٦ ]
مَا قَالَ مُوسَى ﵇ ﴿وعجلت إِلَيْك رب لترضى﴾ وَهُوَ اللِّسَان يَضَعهُ البليغ حَيْثُ يُرِيد
١٠ - قَوْلهم أبدى الصَّرِيح عَن الرغوة
يضْرب مثلا للامر ينْكَشف بعد استتاره
والمثل لِعبيد الله بن زِيَاد قَالَه فِي هانىء بن عُرْوَة وَكَانَ مُسلم بن عقيل حِين بَعثه الْحُسَيْن بن عَليّ ﵄ قد استخفى عِنْده فَبلغ عبيد الله مَكَانَهُ فأحضر هائنا وَسَأَلَهُ عَنهُ فكتمه فَلَمَّا تهدده أقرّ فَقَالَ عبيد الله (أبدى الصَّرِيح عَن الرغوة)
فَذَهَبت مثلا أَي قد انْكَشَفَ المستور
والرغوة مَا يَعْلُو اللَّبن من الزّبد يُقَال أرغى اللَّبن ورغى
وَمثله قَوْلهم (صرح الْحق عَن محضه) وَقَوْلهمْ (برح الخفاء) أَي زَالَ الاستتار وَقَالُوا (أوضح الصُّبْح لذِي عينين)
١١ - قَوْلهم أفرخ الْقَوْم بيضتهم
يضْرب مثلا للامر ينْكَشف بعد خفائه أَيْضا
وَأَصله خُرُوج الفرخ من الْبَيْضَة وظهوره مِنْهَا بعد كمونه فِيهَا
وَمثله قَوْلهم (بدا نجيث الْقَوْم) أَي ظهر مَا أسروه وَقد نجث الامر إِذا أسر
وَسميت الْبَيْضَة بَيْضَة لانها
[ ١ / ٢٧ ]
تجمع مَا فِيهَا
وبيضة الْقَوْم مجتمعهم
وبيضة الْحَدِيد مشبهة ببيضة الْحَيَوَان
١٢ - قَوْلهم أَبى الْحَقَّيْنِ الْعذرَة
يضْرب مثلا للرجل يعْتَذر وَلَيْسَ لَهُ عذر
وَأَصله أَن قوما استسقوا رجلا لَبَنًا فَمَنعهُمْ إِيَّاه وَاعْتذر إِلَيْهِم من تعذره عَلَيْهِ فالتفتوا فَإِذا هم بِلَبن قد حقنه فِي وطب فَقَالُوا (أَبى الْحَقَّيْنِ الْعذرَة) والعذر والعذرة سَوَاء مثل القل والقلة وَالنَّخْل والنخلة وَهِي الْعَطِيَّة والقر والقرة أَي لَيْسَ لَك عذر فِي منع الْقرى وعندك لبن
أخبرنَا أَبُو أَحْمد قَالَ أخبرنَا أبي عَن عسل عَن أبي الاسود عَن حُبَيْش بن إِبْرَاهِيم عَن عمر بن عبد الْوَهَّاب الريَاحي عَن عَامر بن صَالح عَن أبي بكر الْهُذلِيّ قَالَ قَالَ أَبُو بكر الصّديق ﵁ لسَعِيد بن يحيى الْمرَادِي كَيفَ أَنْت يَا أَبَا يحيى قَالَ أخْبرك عني فِي الْجَاهِلِيَّة إِنِّي لم أخم عَن تُهْمَة وَلم أنادم زميلةً وَكنت لَا أرى إِلَّا فِي نَادِي عشيرة أَو خيل مُغيرَة أَو حمل جريرة وَأما الاسلام فقد أَبى الْحَقَّيْنِ الْعذرَة مَعْنَاهُ أَن الَّذِي عِنْده لبن لَا يعْتَذر إِلَى الاضياف أَنه لَا قرى عِنْده
قَالَ فذنوبي تأبى أَن أخْبرك عَن حَالي فِي الْإِسْلَام
[ ١ / ٢٨ ]
وَمن أمثالهم فِي الْعذر (المعاذر مكاذب)
وَقَالَ بَعضهم لَا يعْتَذر أحد الا كذب
١٣ - قَوْلهم أعن صبوح ترقق
يضْرب مثلا للرجل يُرِيد الشَّيْء فَيعرض بِهِ وَلَا يُصَرح بِذكرِهِ
وَأَصله أَن رجلا نزل بِقوم لَيْلًا فأضافوه فَلَمَّا فرغ قَالَ أَيْن أغدو إِذا صبحتموني أَي سقيتموني الصبوح
فَقيل لَهُ (أعن صبوح ترقق) يَعْنِي عَن الْغذَاء
وترقق مَعْنَاهُ ترقق كلامك وتحسنه وَمن ثمَّ قيل للشعر فِي الْغَزل الرَّقِيق
١٤ - قَوْلهم - إياك أَعنِي واسمعي يَا جَارة
الْمثل لسيار بن مَالك الْفَزارِيّ قَالَه لاخت حَارِثَة بن لأم الطَّائِي وَذَلِكَ أَنه نزل بهَا فَنظر إِلَى بعض محاسنها فهويها واستحيا أَن يخبرها بذلك فَجعل يشبب بِامْرَأَة غَيرهَا فَلَمَّا طَال ذَلِك وضاق ذرعًا بِمَا يجد وقف لَهَا فَقَالَ
(كَانَت لنا من غطفان جَاره حلالة ظعانة سياره)
(كَأَنَّهَا من هَيْئَة وشاره والحلي حلي التبر والحجاره)
(مدفع ميثاء إِلَى قراره إياك أَعنِي فاسمعي يَا جَاره)
[ ١ / ٢٩ ]
والحازم الْعَاقِل قَادر أَن يكتم كل شَيْء يُرِيد كِتْمَانه إِلَّا الْهوى فَإِن كِتْمَانه مُمْتَنع
وَقَالَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
(من ذَلِك كَانَ يزْعم أَن يواري فِي الْهوى حَتَّى يشكك فِيهِ فَهُوَ كذوب)
(الْحبّ أغلب للفؤاد بقهره من أَن يرى للسر فِيهِ نصيب)
(فَإِذا بدا سر اللبيب فَإِنَّهُ لم يبد إِلَّا أَنه مغلوب)
(إِنِّي لابغض عَاشِقًا متسترًا لم تتهمه أعين وَقُلُوب)
١٥ - قَوْلهم أنْجز حر مَا وعد
١٦ - قَوْلهم أزمت شجعات بِمَا فِيهَا
يُقَال أنْجز حر الْوَعْد فنجز
وَأَصله من السرعة يُقَال تناجز الْقَوْم فِي الْحَرْب إِذا تسافكوا دِمَاءَهُمْ كَأَنَّهُمْ أَسْرعُوا فِيهَا
وَأول من قَالَه الْحَارِث بن عَمْرو آكل المرار الْكِنْدِيّ وَكَانَ من حَدِيثه أَنه قَالَ لصخر بن نهشل بن دارم هَل أدلك على غنيمَة على أَن لي خمسها قَالَ نعم
فدله على نَاس من أهل الْيمن فَأَغَارَ عَلَيْهِم بقَوْمه فغنموا وملئوا أَيْديهم فَلَمَّا انصرفوا قَالَ لَهُ الْحَارِث (أنْجز حر مَا وعد) فَأَرَادَ صَخْر أَن يَفِي لَهُ بوعده فَأبى قومه وَفِي طَرِيقه ثنية يُقَال لَهَا شجعات فَوقف صَخْر عَلَيْهَا
[ ١ / ٣٠ ]
وَقَالَ (أزمت شجعات بِمَا فِيهَا) فَذَهَبت مثلا
فَقَالَ عَمْرو بن ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع وَالله لَا نُعْطِيه من غنيمتنا شَيْئا وَمضى فِي الثَّنية فَحمل عَلَيْهِ صَخْر فَقتله فَأجَاب الْجَيْش بإعطائه الْخمس فَقَالَ نهشل بن حري
(وَنحن منعنَا الْجَيْش أَن يتأوبوا على شجعات والجياد بِنَا تجْرِي)
(حنسناهم حَتَّى أقرُّوا بحكمنا وَأدّى أنفال الْخَمِيس إِلَى صَخْر)
أزمت أَي ضَاقَتْ
وأصل الازم العض وَمِنْه سنة أزوم أَي عضوض
وَمِمَّا يجْرِي مَعَ ذَلِك قَوْلهم (الْخلف ثلث النِّفَاق) وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من عَلَامَات الْمُنَافِق أَن يكذب إِذا حدث ويخلف إِذا وعد ويخون إِذا اؤتمن)
وَلَفظ قَوْلهم (أنْجز حر مَا وعد) لفظ الْخَبَر وَمَعْنَاهُ الامر أَي لينجز حر مَا وعد
١٧ - قَوْلهم إِن كنت ريحًا فقد لاقيت إعصارًا
يضْرب مثلا للقوي يلقى أقوى مِنْهُ
والاعصار الرّيح الشَّدِيدَة تثير الْغُبَار حَتَّى يتَصَعَّد فِي السَّمَاء وَالْجمع الاعاصير وَفِي الْقُرْآن ﴿فأصابها إعصار فِيهِ نَار فاحترقت﴾
وَنَحْو الْمثل أَن أَرْطَأَة بن سهية قَالَ لزمل بن أبير
[ ١ / ٣١ ]
(إِنِّي امْرُؤ تَجِد الرِّجَال عَدَاوَتِي وجد الركاب من الذُّبَاب الازرق)
فَقَالَ لَهُ زمل
(مثلي من الاقوام لَيْث خادر ورد وَمَا أَنا بالذباب الازرق)
فغلبه
وَنَحْوه
(إِن كنت جلمود صَخْر لَا أؤبسه أوقد عَلَيْهِ أحميه فينصدع)
١٨ - قَوْلهم ألوى بعيد المستمر
يضْرب مثلا للرجل الَّذِي لَا يُطَاق نَكَارَة
وَأول من تكلم بِهِ النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَأَخذه طفيل الغنوي فَقَالَ أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عَن الْعَقدي عَن رِجَاله قَالَ لما التقى الْجَمْعَانِ بصفين حَتَّى كثرت الْقَتْلَى فجالت الْخَيل عَلَيْهَا فتحولوا إِلَى مَوضِع آخر فَاقْتَتلُوا حَتَّى جالت الْخَيل على الْقَتْلَى وحانت الصَّلَاة وهم يقتتلون فَنَادَى رجل يأيها النَّاس أكفرتم بعد
[ ١ / ٣٢ ]
إيمَانكُمْ الصَّلَاة فَجمعُوا بَين الظّهْر وَالْعصر ثمَّ عَادوا لِلْقِتَالِ وَعمر بن الْعَاصِ يتَمَثَّل قَول طفيل
(إِذا تخازرت ومابي من خزر ثمَّ كسرت الْعين من غير عور)
(ألفيتني ألوى بعيد المستمر أحمل مَا حملت من خير وَشر)
(كالحية الصماء فِي أصل الْحجر ذَا صولة فِي المصمئلات الْكبر)
(أبذي إِذا بوذيت من كلب ذكر أكدر شغار يغذى فِي السحر)
ثمَّ تقدم وَقَالَ
(شدوا عَليّ سرتي لَا تنقلف يَوْمًا لهمدان وَيَوْما للصدف)
(والربعيون لَهُم يَوْم عصف وَفِي سدوس نخوة لَا تنحرف)
(نضربهم بِالسَّيْفِ حَتَّى تَنْصَرِف ولتميم مثلهَا أَو تعترف)
والالوى المعوج وَهُوَ مثل للرجل المحجاج الصَّلِيب الرَّأْي الشَّديد الْخُصُومَة الَّذِي لَا تَدْفَعهُ عَن حجَّة إِلَّا تعلق بِأُخْرَى
وَيَقُولُونَ هُوَ بعيد الْغَوْر إِذا كَانَ دَقِيق الاستنباط
وبعيد النّظر وبعيد مطرح الْفِكر
[ ١ / ٣٣ ]
١٩ - قَوْلهم إِن يبغ عَلَيْك قَوْمك لَا يبغ الْقَمَر
يضْرب مثلا للرجل يَدعِي تلبيسًا فِي الامر الْمَشْهُور
وَأَصله أَن رجلَيْنِ تخاطرا على غرُوب الْقَمَر وطلوع الشَّمْس صَبِيحَة ثَلَاث عشرَة أَيهمَا يسْبق صَاحبه وَكَانَ بحضرتهما قوم مالوا إِلَى أَحدهمَا فَقَالَ الاخر تبغون عَليّ فَقيل لَهُ (إِن يبغ عَلَيْك قَوْمك لَا يبغ الْقَمَر) فَصَارَ مثلا أَي هُوَ يغيب لوقته لَا يحابي أحدا فَلَيْسَ لشكواك معنى
٢٠ - قَوْلهم أمكرًا وَأَنت فِي الْحَدِيد
يضْرب للرجل يحتال وَهُوَ أَسِير مَمْنُوع
والمثل لعبد الْملك بن مَرْوَان قَالَه لعَمْرو بن سعيد الاشدق وَكَانَ عمر خلعه وَأَرَادَ الامر لنَفسِهِ فَكتب إِلَيْهِ عبد الْملك رَحْمَتي إياك تصرفني عَن الْغَضَب عَلَيْك وَذَلِكَ لتمكن الخدع مِنْك وخذلان التَّوْفِيق لَك
نهضت بِأَسْبَاب ووهمتك نَفسك أَن تستفيد بهَا عزا وَأَنت جدير أَلا تدفع بهَا ذلا وَمن رَحل عَنهُ سوء الظَّن واستعبدته الاماني ملك الْحِين تصريفه واستترت عَنهُ عواقب أُمُوره وَعَن قَلِيل يتَبَيَّن من سلك سَبِيلك بِمثل أسبابك أَنه صريع طمع وأسير خدع وَالرحم تعطف على الصفح عَنْك مَا لم تحل بك عواقب جهلك فانزجر قبل الايقاع بك وَإِن فعلت فَإنَّك فِي كنف وَستر
وَالسَّلَام
فَكتب إِلَيْهِ عَمْرو اسْتِدْرَاج النعم إياك أفادك الْبَغي وراحة الْقُدْرَة
[ ١ / ٣٤ ]
أورثتك الْغَفْلَة وَلَو كَانَ ضعف الاسباب يوئس من شرِيف الطلاب مَا انْتقل سُلْطَان وَلَا ذل عز إِنْسَان وَعَن قَلِيل تتبين من صريع بغي وأسير عدوان وَالسَّلَام
ثمَّ حمل عَمْرو إِلَى عبد الْملك أَسِيرًا فَقَالَ لَهُ طالما رحلت ثفال الغي وهجهجت بقعود الْبَاطِل أفظننت أَن الْحق لَا يلْحق باطلك وَالسيف لَا يقطع كاهلك وَأمر بقتْله وَكَانَ مكبلا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن رَأَيْت أَلا تفضحني بِأَن تخرجني إِلَى النَّاس فتقتلني بحضرتهم وَأَرَادَ عَمْرو أَن يُخَالِفهُ فيخرجه فيمنعه أَصْحَابه فَفطن عبد الْملك لذَلِك وَقَالَ (يَا أَبَا أُميَّة أمكرًا وَأَنت فِي الْحَدِيد)
ثمَّ أَمر فقطعوه فَكَانَ ذَلِك أول غدر فِي الاسلام
٢١ - قَوْلهم ابْن الايام وَمَا يجْرِي فِي بَابه
يُقَال للرجل الْجلد المجرب ابْن الايام وَابْن الملمة وَهُوَ الَّذِي يقوم بهاوهو وَابْن جلا وَابْن أجلى وَابْن بيض المنجلي الامر المنكشفه
وَقَالَ بَعضهم ابْن جلا وَابْن أجلى رجل بِعَيْنِه قَالَ الشَّاعِر
(أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا )
يَعْنِي ثنايا الْجبَال وَمَعْنَاهُ انا الْمَشْهُور
[ ١ / ٣٥ ]
وَابْن بيض رجل بِعَيْنِه أَيْضا وَهُوَ الَّذِي يُقَال فِيهِ سدا ابْن بيض الطَّرِيق
وَابْن أحذار الحذر وَهُوَ رجل بِعَيْنِه أَيْضا
وَابْن أَقْوَال المقتدر على الْكَلَام
وَابْن خلاوة البرىء من الشَّيْء
وَابْن حَبَّة الْخبز وَيُقَال لَهُ جَابر ابْن حَبَّة
وَابْن يم الخليج من خلجان الْبَحْر
وَابْن النعامة الطَّرِيق وَقيل هُوَ صدر الْقدَم
وَقيل هُوَ الْخط فِي وسط الْقدَم من بَاطِن وَقيل هِيَ الْقدَم نَفسهَا وَأنْشد
(وَابْن النعامة يَوْم ذَلِك مركبي )
[ ١ / ٣٦ ]
وَابْن المخدش الْكَاهِل
وَابْن آوى سبع مَعْرُوف وَكَذَلِكَ ابْن عرس
وَابْن أنقد الْقُنْفُذ
وَابْن مَخَاض وَابْن اللَّبُون من أَوْلَاد الابل معروفان
وَابْن مَاء مَا يسكن المَاء من الطير وكني بِهِ عَن الشيب فِي قَول الشَّاعِر
(وَكم فر الْغُرَاب من ابْن مَاء )
يَعْنِي الشَّبَاب والشيب
وَابْن دأية الْغُرَاب وَذَلِكَ أَنه يَقع على دأية الْبَعِير وَالْجمع دأيات وَهِي عِظَام الصلب
وَابْن تَمْرَة طَائِر
وَابْن برِيح الْعَذَاب وَالْمَشَقَّة وَهُوَ الْغُرَاب أَيْضا لانه يبرح بالبعير إِذا وَقع على ظَهره
وَابْن قترة ضرب من الافاعي
وَابْن وردان مَعْرُوف
وَابْن ثأداء وَابْن ثأداء وَالصَّحِيح ابْن ثأداء قَالَ بعض الشُّعَرَاء
(وَمَا كُنَّا بني ثأداء حَتَّى شفينا بالأسنة كل وتر)
[ ١ / ٣٧ ]
وَابْن ثأطاء وَابْن ثأطان ابْن الامة وَابْن فرتنى مثله وَقيل هُوَ ابْن الْفَاجِرَة
وَابْن الطَّرِيق ولد الزِّنَا
وَابْن السَّبِيل الْغَرِيب
وَابْن درزة السفلة السَّاقِط قَالَ الشَّاعِر
(أَوْلَاد درزة أسلموك وطاروا )
وَابْن غبراء الْفَقِير قَالَ طرفَة
(رَأَيْت بني غبراء لَا ينكرونني )
وَابْن إِحْدَاهَا الْكَرِيم الاباء والامهات
وَابْن مدينتها وَابْن بلدتها وَابْن بجدتها وَابْن بعثطها وَابْن سرسورها وَابْن سوبانها الْعَالم بالشَّيْء وبعثط الْوَادي سرته
وَابْن عذرها الْمُبْدع للشَّيْء
وَابْن الانس الصفي
وَابْن البوح قَالُوا ولد الصلب
وابنا ملاط العضدان والكتفان
وابنا دُخان غنى وباهلة
[ ١ / ٣٨ ]
وابنا عيان أَن يخط النَّاظر فِي أَمر بإصبعه فِي الارض ثمَّ يعليه بإصبع أُخْرَى وَيَقُول ابْني عيان أَسْرعَا الْبَيَان كَأَنَّهُ يَقُول أرياني مَا أُرِيد عيَانًا وَهُوَ معنى قَول ذِي الرمة
(عَشِيَّة مَا لي حِيلَة غير أنني بلقط الْحَصَى والخط فِي الدَّار مولع)
وَقيل البوح الذّكر من قَوْلك ابْنك ابْن بوحك
وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلهم (ابْنك من دمى عقبيك) قالته امْرَأَة الطُّفَيْل بن جَعْفَر ابْن كلاب وَهِي من بلقين وَكَانَت ولدت لَهُ عقيل بن الطُّفَيْل فتبنته كَبْشَة بنت عُرْوَة بن جَعْفَر فعرم على أمه يَوْمًا فضربته فَجَاءَت كَبْشَة تمنعها وَتقول ابْني ابْني فَقَالَت (ابْنك من دمى عقبيك) أَي من نفست بِهِ
وَقيل البوح النَّفس وروى (ولدك من دمى عقبيك)
وَالْولد وَالْولد سَوَاء مثل الْعَجم والعجم وَالْعرب وَالْعرب وَفِي الْقُرْآن ﴿مَاله وَولده إِلَّا خسارًا﴾ وَالْولد أَيْضا جمع الْوَلَد كَذَا قَالَ ابْن دُرَيْد
وابنا شمام هضبتان فِي أصل جبل
وابنا سمير وابنا جمير اللَّيْل وَالنَّهَار سميا ابْني سمير لانه يسمر فيهمَا وَابْني جمير للاجتماع فيهمَا يُقَال شعر مجمور إِذا ضفر وَجمع
وَابْن جمير اللَّيْلَة الَّتِي لَا يرى فِيهَا الْقَمَر
وَقيل السمير الدَّهْر وَقَالَ بَعضهم ابْنا سمير الْغَدَاة والعشي
وَقيل ابْن جمير اللَّيْل المظلم وَأنْشد
[ ١ / ٣٩ ]
(نهارهم ظمآن ضاح وليلهم وَإِن كَانَ بَدْرًا ظلمَة ابْن جمير)
يَقُول إِذا طلبُوا حَقًا عموا عَنهُ لَيْلًا وَنَهَارًا
وَقَالَ ابْن دُرَيْد ابْن جمير وَابْن سمير اللَّيْل المظلم وَابْن ثمير اللَّيْل المقمر وَيَقُولُونَ حلف بالسمر وَالْقَمَر السمر الظلمَة لانهم كَانُوا يسمرون فِيهَا وَقَوله تَعَالَى ﴿سامرًا تهجرون﴾ أَي تهجرون النَّبِي ﷺ فِي سمركم
وَابْن مزنة الْهلَال قَالَ الشَّاعِر
(كَأَن ابْن مزنته جانحًا فسيط لَدَى الافق من خنصر)
والفسيط قلامة الظفر وَهُوَ أول من شبه الْهلَال بهَا إِلَّا أَنه جَاءَ بِهِ فِي غَايَة التَّكَلُّف وَأَخذه ابْن المعتز فحسنه فَقَالَ
(ولاح ضوء هِلَال كَاد يَفْضَحهُ مثل القلامة قد قصت من الظفر)
وَابْن ذكاء الصُّبْح
وَابْن أوبر ضرب من الكمأة
وَابْن طَابَ جنس من الرطب
وَابْن الأَرْض نبت يخرج فِي رُءُوس الاكام لَهُ أصل يطول يُؤْكَل وَهُوَ سريع الْخُرُوج
[ ١ / ٤٠ ]
وَبنت الارض بقلة من الرمث واحدتها مثل جمعهَا
وَبنت الْجَبَل الصدى وَهُوَ الصَّوْت الَّذِي يرجع إِلَيْك من الْجَبَل وأنث على معنى الصَّيْحَة
وَبنت الْجَبَل أَيْضا الْحَيَّة الَّتِي لَا تجيب الراقي
وَبنت الشّفة الْكَلِمَة يُقَال مَا كلمني ببنت شفة
وَبنت الْفِكر الرَّأْي
وَبنت الْمَطَر دويبة حَمْرَاء ترى غب الْمَطَر يُقَال أَشد حمرَة من بنت الْمَطَر
وَبنت دم نبت يضْرب إِلَى الْحمرَة وَتجمع بَنَات دم
وَبنت الْمنية الْحمى
وَبنت الْحَيَّة الافعى
وَيُقَال (الْعَصَا من العصية والافعى بنت حَيَّة)
وَبنت أدحية النعامة
وَبنت قضاعة لعبة من جُلُود بيض
وَبَنَات بحنة السِّيَاط وبالمدينة نَخْلَة طَوِيلَة السعف يُقَال لَهَا بجنه
وَبَنَات بخر السَّحَاب
وَبَنَات مخر سحائب تنشأ قبل الصَّيف
وَبَنَات السَّحَاب الْبرد
وَبَنَات الشَّمْس لُعَابهَا
وَبَنَات رِبَاط الْخَيل
وَبَنَات صعدة الْحمر الاهلية
وَبَنَات الطَّرِيق الْمَسَاكِين
[ ١ / ٤١ ]
وَبَنَات قين مَوضِع ينْسب إِلَيْهِ يَوْم من أيامهم
وَبَنَات نعش كواكب مَعْرُوفَة
وَبَنَات مُسْند مَا يَأْتِي بِهِ الدَّهْر من حوادثه والمسند الدَّهْر
وَبَنَات غير الْكَذِب وَالْبَاطِل وصحفه ابْن الاعرابي فَقَالَ بَنَات عين
وَبَنَات برح وَبَنَات طمار وَبَنَات طبق الدَّوَاهِي
وَبَنَات اللَّيْل الاحلام وَهِي أَيْضا أهواله
وَبَنُو الْهم الصَّابِرُونَ عَلَيْهِ
وَبَنُو الفلاة المداومون لسلوكها
وبنوا الْحَرْب الصَّابِرُونَ فِيهَا أَيْضا المطيلون مراسها
وَابْن فهلل وَابْن ثهلل الضلال
وَابْن قل الْقَلِيل
وَابْن بِي الذَّلِيل الْمَجْهُول وَكَذَلِكَ ابْن بَيَان وَكَذَلِكَ ابْن هِيَ وَابْن هيان
وطامر ابْن طامر البرغوث والطمر الوثب
وَابْن الحارض السَّاقِط يُقَال أحرض الرجل اذا جَاءَ بِولد لَا خير فِيهِ
وَابْن وَاحِد الْمَعْرُوف الاب يُقَال هُوَ وَاحِد ابْن وَاحِد وَهُوَ ضد ضل ابْن ضل وَأكْثر هَذَا الْبَاب أَمْثَال
[ ١ / ٤٢ ]
وَمِمَّا يجْرِي مَعَ ذَلِك المكنى
أَبُو الْحَارِث الاسد
أَبُو جعدة الذِّئْب
أَبُو الْحصين الثَّعْلَب
وَأَبُو زنة القرد وَأَبُو ضوطرى وَأَبُو جخادب سبّ يسب بِهِ الانسان
وَقَالَ أَبُو عمر الْجرْمِي أَبُو جخادب كنية الحرباء أَو دَابَّة تشبهه والاول قَول جمَاعَة أهل اللُّغَة
وَأَبُو حباحب كنية النَّار الَّتِي لَا ينْتَفع بهَا مثل النَّار الَّتِي تخرج من حوافر الْخَيل وَيُقَال لَهَا نَار حباحب أَيْضا
وَقَالَ خَالِد بن كُلْثُوم أَبُو حباحب كَانَ كنية رجل من بخلاء الْعَرَب وَكَانَ يُوقد نَارا ضَعِيفَة ويخفيها مَخَافَة الاضياف فَجَعَلته الْعَرَب كنية لكل نَار ضَعِيفَة لَا تثبت وَلَا تحرق
وَأَبُو قلمون ثِيَاب مَعْرُوفَة وأظنها مولدة ويستعار للرجل الْكثير التلون
وَأَبُو براقش طَائِر يَتلون فِي الْيَوْم ألوانًا مَأْخُوذ من البرقشة وَهِي النقش والفيروزج أَيْضا يَتلون فِي الْيَوْم لونين وَلم يتَمَثَّل بِهِ الْعَرَب وَلَكِن جَاءَ فِي أَمْثَال الْفرس
وَأَبُو قبيس جبل مَكَّة
وَأَبُو أدراس الْفرج مَأْخُوذ من الدَّرْس وَهُوَ الْحيض
وَأَبُو أدراص وَأَبُو ليلى الرجل المحمق
والدرص ولد الفأر فكأنهم قَالُوا هُوَ أَبُو فَأْرَة وَإِذا قَالُوا أَبُو ليلى فكأنهم قَالُوا هُوَ أَبُو امْرَأَة
[ ١ / ٤٣ ]
وَأَبُو زيد الكبرقال الشَّاعِر
(إِمَّا ترى شكتى شكتي رُمَيْح أبي زيد فقد أحمل السِّلَاح مَعًا)
وَأَبُو مَالك وَأَبُو عمْرَة الْجُوع وَيُقَال فِي الْمثل (أبي أَبُو عمْرَة إِلَّا مَا أَتَاهُ) يَقُوله الرجل قد سلم للدهر وَقَالَ الشَّاعِر
(إِن أَبَا عمْرَة حل حُجْرَتي وَصَارَ بَيت العنكبوت برمتي)
وَأم حلْس كنية الاتان وَهِي أم الهنبر أَيْضا والهنبر الجحش وَيَقُولُونَ (أَحمَق من أم الهنبر) وَعند فَزَارَة أَن أم الهنبر الضبع
وَأم الندامة العجلة
وَأم رمال وَأم خنور وَأم رغم وَأم عَمْرو وَأم عَامر كل ذَلِك الضبع وَمن الْعَرَب من يَجْعَل أم خنور الداهية وَمِنْهُم من يَجْعَلهَا النَّعيم وَمِنْهُم من يَجْعَلهَا الدُّنْيَا
وَأم فَرْوَة النعجة
وَأم الْهَيْثَم وَأم الحوار الْعقَاب قَالَ الشَّاعِر
(وَكَأَنَّهَا لما عدت سروية مسعورة بِاللَّحْمِ أم حوار)
سروية أَي عِقَاب من عقبان السراة
[ ١ / ٤٤ ]
وَأم ريَاح طَائِر
وَأم عجلَان طَائِر
وَأم حبين دويبة مَعْرُوفَة
وَأم عَوْف الجرادة
وَأم حمارس دَابَّة لَهَا قَوَائِم كَثِيرَة
وَأم الهدير الشقشقة
وَأم القردان وَأم القراد من الْخَيل والابل الْوَطْأَة الَّتِي من وَرَاء الْخُف والحافر دون الثنة
وَأم الرمْح مَا يلف عَلَيْهِ إِذا جعل لِوَاء قَالَ الشَّاعِر
(فسلبنا الرمْح فِيهِ أمه من يَد العَاصِي إِذا طَال الطول)
وَأم سُوَيْد وَأم سكين وَأم عزمل وَأم عرم وَأم تسعين كل ذَلِك الاست
وَأم الرَّأْس وَأم الدِّمَاغ الهامة
وَأم الكبد بقلة من دق البقل لَهَا زهرَة غبراء فِي برعم مدور وَهِي شِفَاء من وجع الكبد وَمن الصفر إِذا عض الشَّرّ سَوف بزعمهم
وَأم كلب شجيرة جبلية لَهَا نور أصفر فِي خلقَة ورق الْخلاف
وَأم غيلَان شَجَرَة من العضاه وَهِي أَكْثَرهَا شوكا
وَأم حنين الْخمر فِيمَا ذكر المنتجع بن نَبهَان
وَأم ليلى الْخمر إِذا كَانَ لَوْنهَا أسود ذكر ذَلِك أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي
[ ١ / ٤٥ ]
وَأم جَابر إياد وَقيل أَبُو أَسد وَجَابِر اسْم الْخبز
وَأم أوعال هضبة مَعْرُوفَة
وَأم المثوى وَأم الْمنزل الَّتِي تضيف يُقَال كَانَت فُلَانَة البارحة أم مثواي وَأم منزلي وَفُلَان أَبُو مثواى وَأَبُو منزلي أَي بنت ضَيفه
وَأم الْعِيَال وَأم الْقَوْم من يقلدونه أُمُورهم
وَأم الطِّفْل الْمَرْأَة الْمُرْضع
وَأم الْقرى مَكَّة ثمَّ أم كل أَرض أعظم بلدانها وأكثرها أَهلا كمرو فَإِنَّهَا تسمى أم خُرَاسَان
وَأم كفات الارض
وَأم غياث السَّمَاء
وَأم السَّمَاء المجرة وَيُقَال لَهَا أم النُّجُوم
وَأم الظباء الفلاة
وَأم رَاشد الْمَفَازَة
وَأم معمر اللَّيْل حكى ذَلِك ثَعْلَب وَأم معمر الدّين
وَأم شملة وَأم دفر وَأم الْعجب
وَأم درزة الدُّنْيَا
وَقيل أَبُو الْعجب الدَّهْر
وَذكر الْمبرد يُقَال للأنذال أَوْلَاد درزة
وَقَالَ الرياشي أَوْلَاد درزة خياطون خَرجُوا مَعَ زيد ابْن عَليّ بِالْكُوفَةِ
وَأم الهبرزي وَأم ملدم وَأم ملذم بِالدَّال والذال الْحمى قَالَ الشَّاعِر
[ ١ / ٤٦ ]
(فمنهن أم الهبرزي تتبعت عِظَامِي فَمِنْهَا ناحل وكسير)
وَأم ملدم بِالدَّال هُوَ الاكثر مَأْخُوذ من اللدم وَهُوَ ضرب الْوَجْه حَتَّى يحمر وَأما اللذم فَمن قَوْلهم لذم بِهِ إِذا لزمَه
وَأم جُنْدُب الغشم وَالظُّلم يُقَال وَقَعُوا فِي أم جُنْدُب وركبوا أم جُنْدُب وَأم جُنْدُب أَيْضا اسْم من أَسمَاء الداهية
وَأم الْحَرْب الْحَرْب وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى ذهب الشَّاعِر فِي قَوْله
(وَالْحَرب مُشْتَقَّة الْمَعْنى من الْحَرْب )
وَأم الدهيم وَأم اللهيم الْمنية وَأم الربيق الداهية يُقَال (جَاءَ الربيق على أريق) وَزعم الاصمعي أَنه من قَول رجل زعم أَنه رأى الغول على جمل أَوْرَق فَقَالَ (جَاءَ أم ربيق على أريق)
وَأم قشعم وَأم خشاف وَأم كلواذ وَأم خشور وَأم نَاد وَأم خنشفير وَأم الرقوب وَأم قوب وَأم الرقم وَأم أريق وَأم البليل وَأم الربيس وَأم حبو كرى وَأم أدراص كل ذَلِك الداهية
وَيُقَال داهية ربس وربيس وَيُقَال رمل حبو كرى إِذا كَانَ طَويلا وَيُقَال وَقع فِي أم أدراص مضللة فِي مَوضِع استحكام الهلكة لَان أم أدراص جحرة الْفَأْرَة وجحرتها تتنافذ فَيَقُول وَقع فِي أَمر مختلط لَا يعرف أَوله من آخِره
وَقيل أم قشعم العنكبوت
[ ١ / ٤٧ ]
وَقَالُوا أم الْمُؤمنِينَ وَأم الْكتاب
فَهَذِهِ الكنى عَرَبِيَّة
والكنى المولدة كَثِيرَة مِنْهَا أَبُو المضاء الْفرس وَأَبُو الْيَقظَان الديك وَأَبُو خِدَاش السنور
٢٢ - قَوْلهم أول الْغَزْو أخرق
يضْرب مثلا لقلَّة التجارب يُرَاد إِنَّمَا الْأَحْكَام بعد المعاودة والتجربة ردء الْعقل
وَرَأى أَعْرَابِي رجلا ينَال من سُلْطَان فَقَالَ إِنَّك غفل لم تسمك التجارب وَكَأَنِّي بالضاحك إِلَيْك باك عَلَيْك وَالْعقل عقلان مَخْلُوق ومكتسب فالمخلوق مَا يَجعله الله لعَبْدِهِ ويكلفه من أَجله والمكتسب مَا يَنَالهُ العَبْد بالتجربة وَلَيْسَ يفضل رَأْي الشَّيْخ على رَأْي الْغُلَام إِلَّا لتجربة الشَّيْخ وغرارة الْغُلَام
وَيُقَال لمن لَا تجربة لَهُ غر بَين الغرارة قَالَ الشَّاعِر
(ابحث لتعلم مَا قد كنت تجهله فالعقل فنان مطبوع ومسموع)
وَقيل لِابْنِ هُبَيْرَة أَي شَيْء أول الْعقل بعد الغريزي الْمَوْلُود والتالد الْمَوْجُود قَالَ تجربة الْأُمُور والتثبت فِيهَا والتقلب فِي الْبِلَاد وَالنَّظَر فِي عجائبها
قَالَ الشَّيْخ ﵀ على أَن التجربة لَا تَنْفَع إِلَّا الْعُقَلَاء وَأما الْجُهَّال فَلَيْسَ لَهُم فِيهَا مَنْفَعَة
وَقد قيل إِنَّمَا تَنْفَع التجارب من كَانَ عَاقِلا وَقيل
(وَقد ينفع الْمَرْء اللبيب تجاربه )
[ ١ / ٤٨ ]
٢٣ - قَوْلهم إِنَّمَا يضن بالضنين
قَالَه الاغلب بن جعْشم وَمَعْنَاهُ تمسك بإخاء من يتَمَسَّك بإخائك وَشر النَّاس صُحْبَة وألامهم إخاء من يرى لنَفسِهِ من الْحق مَا لَا يرى عَلَيْهَا
وَقيل (خل سَبِيل من وَهِي سقاؤه)
وَقَالَ لبيد
(فاقطع لبانة من تعرض وَصله ولخير وَاصل خلة صرامها)
وَلَا أعرف فِي هَذَا الْمَعْنى أحسن من قَول المثقب
(فَإِنِّي لَا تخالفني شمَالي خِلافك مَا وصلت بهَا يَمِيني)
(إِذا لقطعتها ولقلت بيني كَذَلِك أجتوي من يجتويني)
وَقلت
(قد آذن الخليط بانطلاق فَخَل عَنْك شدَّة الاشفاق)
(لَا تعترضك حمقة العشاق وداو من ملك بالفراق)
(فَلَيْسَ للفارك كَالطَّلَاقِ )
وَمثله قَول أبي النَّضِير عمر بن عبد الْملك
(رحلت أنيسَة بِالطَّلَاق ففككت من ضيق الخناق)
(لَو لم أرح بِطَلَاقِهَا لارحت نَفسِي بالاباق)
(ودواء مَا لَا تشتهيه النَّفس تَعْجِيل الْفِرَاق)
[ ١ / ٤٩ ]
٢٤ - قَوْلهم أطرى فَإنَّك ناعلة
يضْرب مثلا للقوي على الامر
وَأَصله أَن رجلا كَانَت لَهُ أمتان راعيتان إِحْدَاهمَا ناعلة والاخرى حافية فَقَالَ للناعلة أطرى أَي خذي طرر الْوَادي فَإنَّك ذَات نَعْلَيْنِ ودعي سرارته لصاحبتك فَإِنَّهَا حافية
وطرر الشَّيْء نواحيه ويروى أظرى بالظاء أَي خذي فِي ظرر وَهُوَ الغليظ من الارض وَالْجمع ظران
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة لم يكن هُنَاكَ نعل وَإِنَّمَا أَرَادَ بالنعلين غلظ جلد قدميها وَمن هَذَا الْكَلَام أَخذ المتبنى قَوْله فِي كافور
(ويعجبني رجلاك فِي النَّعْل إِنَّنِي رَأَيْتُك ذَا نعل إِذا كنت حافيًا)
وَفسّر على وَجه آخر أخبرنَا أَبُو أَحْمد عَن أبي بكر بن دُرَيْد عَن العكلي عَن أَبِيه قَالَ سَأَلت أَبَا عُبَيْدَة عَن قَول مِسْكين
(أتطلبني بأطير الرِّجَال وكلفتني مَا يَقُول الْبشر)
فَقَالَ الاطير الْكَلَام وَالشَّر يَأْتِيك من بعيد قَالَ فَسَأَلته عَن قَوْله (أطري فَإنَّك ناعلة) فَقَالَ يضْرب مثلا للرجل يكون لَهُ فضل قُوَّة فِي نَفسه وسلاحه فيتكلف مَا لَو تَركه لم يضرّهُ وَأَصله أَن أمتين كَانَتَا ترعيان إبِلا فَقَالَت إِحْدَاهمَا للاخرى اجمعي الابل من أطرارها وَلَيْسَ بهَا إِلَى ذَلِك حَاجَة فَقَالَت الاخرى (أطري فَإنَّك ناعلة) إِي افعلي ذَلِك فَأَنت أقدر عَلَيْهِ
وَقيل (أصري فَإنَّك ناعلة) أَي أدلي فَإِن عَلَيْك نَعْلَيْنِ والاطرار الادلال
[ ١ / ٥٠ ]
٢٥ - اكذب نَفسك إِذا حدثتها
يُقَال ذَلِك للرجل يهتم للامر الجسيم فتخوفه نَفسه الخيبة فِيهِ والسقوط دون غَايَته فَيُقَال أكذبها عِنْد ذَلِك وحدثها بالظفر لتعينك على مَا تبغيه مِنْهُ فَإِن الهائب لَا يلقى جسيمًا وَأكْثر الْخَوْف باطله
وَقَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين
(وكل هول على مِقْدَار هيبته وكل صَعب إِذا هونته هانا)
وَقد قَالَ الشَّاعِر
(تخوفني صروف الدَّهْر سلمى وَكم من خَائِف مَا لَا يكون)
وَقَالَ غَيره
(وَلَا أهات عَظِيما حِين يدهمني وَلست تغلب شَيْئا أَنْت هائبه)
هَذَا إِذا كنت بِالْخِيَارِ فِي ركُوب الامر فَإِذا لم تَجِد بدا من ركُوبه فَلَا وَجه لتخوفه وَقد أحسن أَبُو النشناش فِي قَوْله
(على أَي شَيْء يصعب الامر قد ترى بِعَيْنَيْك أَن لَا بُد أَنَّك رَاكِبه)
وَلَيْسَ فِي وصف هَذَا الْبَيْت خير وَلَكِن مَعْنَاهُ جيد
وَقلت
(علام تستصعب الْأَمر مَا ترى مِنْهُ بدا)
(بارز وخل الهوينى وجد حَتَّى تجدا)
(فَلَنْ تلاقي جدا حَتَّى تلاقي كدا)
[ ١ / ٥١ ]
وَالْعرب تَقول لكل امرىء نفسان تنهاه إِحْدَاهمَا وتأمره الاخرى وَإِنَّمَا هما فكران يحدثان لَهُ من الْخَوْف والرجاء فَيتَأَخَّر عِنْد أَحدهمَا ويتقدم عِنْد الاخر
وَقَالَ الشَّاعِر
(يؤامر نفسيه وَفِي الْعَيْش فسحة أيسترتع الذؤبان أم لَا يطورها)
(فَلَمَّا رأى أَن السَّمَاء سماؤهم رأى خطةً كَانَ الخضوع نكيرها)
أَي لما رأى أَن أَرضهم معشبة وَالْعرب تسمي العشب سَمَاء لم يجد بدا من الخضوع لَهُم
والمثل للبيد وَهُوَ قَوْله
(واكذب النَّفس إِذا حدثتها إِن صدق النَّفس يزري بالامل)
(غير أَلا تكذبنها فِي التقى واخزها بِالْبرِّ لله الاجل)
اخزها أَي سسها خزوت الرجل إِذا سسته قَالَ الشَّاعِر
(وَلَا أَنْت دياني فتخزوني )
وَيُقَال كذبت الرجل بِالتَّخْفِيفِ إِذا اخبرت بِالْكَذِبِ وكذبته إِذا أخْبرته أَنه كَاذِب
[ ١ / ٥٢ ]
٢٦ - قَوْلهم أودى العير إِلَّا ضرطًا
يضْرب مثلا للشَّيْء يذهب إِلَّا أخسه وشبيه بِهَذَا قَول بَعضهم فِي البق
(صَغِيرَة أعظمها أذاها )
وَمن هَذَا الْمثل أَخذ الشَّاعِر قَوْله
(لَا تنكحن عَجُوز إِذا أتيت بهَا واخلع ثِيَابك مِنْهَا ممعنًا هربا)
(فَإِن أتوك فَقَالُوا إِنَّهَا نصف فَإِن أمثل نصفيها الَّذِي ذَهَبا)
٢٧ - قَوْلهم أعييتني بأشر فَكيف بدردر
يَقُول لم تقبلي الادب وَأَنت شَابة ذَات أشر
والاشر التحزيز الَّذِي فِي أَسْنَان الاحداث وثغر مؤشر يَقُول فَكيف تكونين الان وَقد أسننت حَتَّى بَدَت درادرك وَهِي مغارز الاسنان
وَمثله قَوْلهم (أعييتني من شب إِلَى دب) أَي من لدن شببت إِلَى أَن دببت هرما
[ ١ / ٥٣ ]
وَأَصله أَن دغة ولدت غُلَاما فَكَانَ أَبوهُ يقبله وَيَقُول وَا بِأبي دردرك وَكَانَت حَسَنَة الثغر مؤشرته فطنت أَن الدردر أعجب اليه فحطمت أسنانها فَلَمَّا قَالَ وَا بِأبي دردركّ قَالَت يَا شيخ كلنا ذُو دردر فَقَالَ (أعييتني بأشر فَكيف بدردر) وَذهب لمثل بحمق دغة فَقيل (أَحمَق من دغة)
٢٨ - قَوْلهم أرنيها نمرة أركها مطرة
أيا أَرِنِي السحابة نمرة أركها ماطرة وَهِي أَن يكون فِيهَا سَواد وَبَيَاض
كَذَا قَالَ ابْن دُرَيْد وَسمي النمر نمرًا لما فِي جلده من نقط سَواد وَسميت الشملة الَّتِي فِيهَا سَواد وَبَيَاض نمرة
يضْرب مثلا فِي صِحَة مخيلة الشَّيْء وَصِحَّة الدّلَالَة عَلَيْهِ
٢٩ - قَوْلهم استنوق الْجمل
يضْرب مثلا للرجل الواهن الرَّأْي المخلط فِي كَلَامه
والمثل لطرفة بن العَبْد وَكَانَ بِحَضْرَة بعض الْمُلُوك والملتمس ينشد شعرًا فَقَالَ فِيهِ
[ ١ / ٥٤ ]
(وَقد أتناسى الْهم عِنْد احتضاره بناج عَلَيْهِ الصيعرية مكدم)
فَقَالَ بناج يَعْنِي جملا والصيعرية سمة من سمات النوق
فَقَالَ طرفَة (استنوق الْجمل) أَي صَار الْجمل نَاقَة فَقَالَ المتلمس ويل لهَذَا من لِسَانه فَكَانَ هَلَاكه بِلِسَانِهِ هجا عَمْرو بن هِنْد فَقتله
وَخرج بعض الْفرس فِي غلس وَمَعَهُ آلَة الصَّيْد فَنَطَقَ طَائِر فَرَمَاهُ وَقَالَ خفَّة اللِّسَان تهْلك حَتَّى الطير
قَالَ أَبُو بكر ﵁ اللِّسَان سبع اذا أطلقته أكلك
٣٠ - قَوْلهم أنصف القارة من راماها
يضْرب مثلا لمساواة الرجل صَاحبه فِيمَا يَدعُوهُ إِلَيْهِ
والقارة قَبيلَة من الْهون بن خريمة وَسموا قارةً لِاجْتِمَاعِهِمْ والتفافهم
والقارة الاكمة وَالْجمع قور وَكَانُوا رُمَاة الحدق
وأصل الْمثل كَانَ فِي حَرْب وَقعت بَين قُرَيْش وَبكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة وَكَانَت القارة مَعَ قُرَيْش فَلَمَّا التقى الْفَرِيقَانِ رماهم الاخرون فَقيل قد أنصفوكم إِذْ قَاتَلُوكُمْ بِمَا تقاتلون بِهِ وَجعل الْمثل شعرًا فَقيل
[ ١ / ٥٥ ]
(قد أنصف القارة من راماها إِنَّا إِذا مَا فِئَة نلقاها)
(نرد أولاها على أخراها )
والقارة قوارة الْأَدِيم أَيْضا
٣١ - قَوْلهم أضىء لي أقدح لَك
يضْرب مثلا للتكافؤ فِي الافعال وَمَعْنَاهُ كن لي مضيئًا أبْصر بك فأتمكن من الْقدح لَك
٣٢ - قَوْلهم اسْقِ رقاش إِنَّهَا سِقَايَة
أَي أحسن إِلَيْهَا كإحسانها إِلَيْك قَالُوا وسقاية اسْم مَوْضُوع وَلَيْسَت الْهَاء فِيهَا هَاء التَّأْنِيث فَأَما تَأْنِيث سقاء فسقاءة وَالْوَجْه أَن تكون الْهَاء فِيهَا هَاء التَّأْنِيث لَان رقاش اسْم من أَسمَاء النِّسَاء مثل قطام وحذام وَقَالَ سِقَايَة لَان أصل الْهَمْز فِيهَا يَاء أَلا ترى أَنَّك تَقول سقيت فَجعل سقاءة سِقَايَة ردا لَهُ على الأَصْل
وَقَرِيب من هَذَا الْمَعْنى قَول الشَّاعِر
(يكن لَك فِي قومِي يَد يشكرونها وأيدي الندى فِي الصَّالِحين قروض)
[ ١ / ٥٦ ]
٣٣ - قَوْلهم إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى لَيْسَ الْجمل
الْمثل للبيد قَالَه فِي قصيدته الَّتِي أَولهَا
(إِن تقوى رَبنَا خير نفل وبإذن الله ريثي وَعجل)
إِلَى أَن قَالَ
(أعمل العيس على علاتها إِنَّمَا ينجح أَصْحَاب الْعَمَل)
(فاعقلي إِن كنت لما تعقلي وَلَقَد أَفْلح من كَانَ عقل)
(وَإِذا جوزيت قرضا فاجزه إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى لَيْسَ الْجمل)
وَمَعْنَاهُ إِنَّمَا يَجْزِي على الاحسان بالاحسان من هُوَ حر وكريم فَأَما من هُوَ بِمَنْزِلَة الْجمل فِي لؤمه وموقه فَإِنَّهُ لَا يُوصل إِلَى النَّفْع من جِهَته إِلَّا إِذا اقتسر وقهر
وَأخذ ابْن الرُّومِي هَذَا الْمثل فَقَالَ يهجو بعض الرؤساء
(يَا أَبَا أَيُّوب هذي كنية من كنى الانعام قدمًا لم تزل)
(وَلَقَد وفْق من كُنَّا كها وَأصَاب الْحق فِيهَا وَعدل)
(أَنْت شبه للَّذي تكنى بِهِ ولبعض الْخلق من بعض مثل)
(لست ألحاك على مَا سمتني من قَبِيح الرَّد أَو منع النَّفْل)
(قد قضى قَول لبيد بَيْننَا إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى لَيْسَ الْجمل)
(كم وجدناك لترقى فِي الْعلَا وأبى الله فَلَا تعل هُبل)
[ ١ / ٥٧ ]
٣٤ - قَوْلهم انصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما
كَانَ مَذْهَب أهل الْجَاهِلِيَّة أَن ينصرُوا قرناءهم وجيرانهم وأصدقاءهم محقين كَانُوا أَو مبطلين وعَلى هَذَا الْمَذْهَب يَقُول الراجز
(إِن أَخا الصدْق الَّذِي يسْعَى مَعَك وَمن يضر نَفسه لينفعك)
(وَمن إِذا صرف زمَان صدعك شتت شَمل نَفسه ليجمعك)
(وَإِن غَدَوْت ظَالِما غَدا مَعَك )
وَقد رُوِيَ هَذَا الْكَلَام عَن النَّبِي ﷺ فَإِن كَانَ صَحِيحا فَمَعْنَاه انصر أَخَاك مَظْلُوما وكفه عَن ظلمه إِن كَانَ ظَالِما فَتكون قد نصرته إِذا منعته من الاثم لَان النَّبِي ﷺ لَا يَأْمر بنصرة الظَّالِم
وَنَحْو هَذَا الْمَعْنى قَول الشَّاعِر
(وَإِن ابْن عَم الْمَرْء من شدّ أزره وَمن كَانَ يحمي عَنهُ من حَيْثُ لَا يدْرِي)
وَقَالَ الاخر
(لعمرك مَا أدّى امْرُؤ حق صَاحب إِذا كَانَ لَا يرعاه فِي الْحدثَان)
وَقَالَ آخر
(يغشى مضرته لنفع صديقه لاخير فِي ود إِذا لم ينفع)
وَقَالَ آخر
(لَا أَخا للمرء إِلَّا من نفع )
[ ١ / ٥٨ ]
وَقلت
(أَخُوك الَّذِي ترضيه لَا من توده أَلا رب ود لَا يُفِيد فتيلا)
٣٥ - قَوْلهم إِن بني صبية صيفيون
يَقُوله الرجل إِذا كبر وَولده صغَار
والمثل لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك تمثل بِهِ عِنْد مَوته وَكَانَ أَرَادَ أَن يَجْعَل الْخلَافَة لبَعض وَلَده فَلم يكن فيهم من بلغ إِلَّا من كَانَت أمه أمة وَكَانَت بَنو أُميَّة لَا يستخلفون أَوْلَاد الاماء وَهُوَ الَّذِي قصر بِمسلمَة بن عبد الْملك عَن ولَايَة الْعَهْد مَعَ رجاحته وَكَمَال آلَته وَاتبعُوا فِي ذَلِك سنة الاكاسرة ثمَّ أثر الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ أَهلهَا لَا يسودون أَوْلَاد الاماء ويسمونهم الهجناء الْوَاحِد هجين ويسمون أَوْلَاد المهيرات الصرحاء واحدهم صَرِيح وَلذَلِك قَالَ هِشَام بن عبد الْملك لزيد بن عَليّ ﵇ بَلغنِي أَنَّك تسمو بِنَفْسِك إِلَى الامامة وَهِي لَا تصلح لاولاد الاماء
قَالَ زيد إِن الامهات لَا يَضعن من الابناء هَذِه هَاجر قد ولدت إِسْمَاعِيل فَمَا وَضعه ذَلِك وَصلح للنبوة وَكَانَ عِنْد ربه مرضيا والنبوة أكبر من الامامة وامتد بَاعه فِي الشّرف حَتَّى كَانَ مُحَمَّد ﷺ من نَسْله
فَلَمَّا خرج قَالَ هِشَام لاصحابه كُنْتُم تخبرونني أَن أهل هَذَا الْبَيْت قد درجوا وانقرضوا وَمَا درج قوم هَذَا غابرهم
[ ١ / ٥٩ ]
وَمِمَّا رغب الْعَرَب فِي التَّسَرِّي أَن أَوْلَاد القرائب عِنْدهم ضاويون أَي نحاف مهزولون وَلذَلِك قَالُوا (اغتربوا لَا تضووا) أَي تزوجوا الغرائب لِئَلَّا تضوى أَوْلَادكُم
وأضوى الرجل إِذا كَانَ لَهُ ولد ضاوي كَمَا يُقَال أهزل الرجل إِذا كَانَت لَهُ إبل هزلى قَالَ الشَّاعِر
(فَتى لم تلده بنت عَم قريبَة فيضوى وَقد يضوى وليد القرائب)
(هُوَ ابْن غريبات النِّسَاء وَإِنَّمَا ذَوُو الشَّأْن أَبنَاء النِّسَاء الغرائب)
وضوي الْوَلَد يضوى وَهُوَ ضاوي على غير الاصل
وَكَانَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك يَقُول وَهُوَ فِي الْمَوْت
(إِن بني صبية صيفيون أَفْلح من كَانَ لَهُ ربعيون)
فَيَقُول عمر بن عبد الْعَزِيز (قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ) يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
وأصل ذَلِك فِي الابل وَهُوَ أَن ولد النَّاقة إِذا نتج فِي الرّبيع كَانَ أقوى مِنْهُ إِذا نتج فِي الصَّيف وَإِذا نتج فِي الصَّيف ضعف عَمَّا نتج فِي الرّبيع لعلتين إِحْدَاهمَا مَا يلْحقهُ من شدَّة الْحر فيضعفه والاخرى أَن مَا نتج فِي الرّبيع قد سبقه بشهرين فَهُوَ أقوى
وَيُقَال للرجل إِذا ولد لَهُ فِي شبابه قد أَربع تَشْبِيها بربعية النِّتَاج وَولده ربعي
وَإِذا ولد لَهُ فِي كبره قيل قد أصاف وَولده صَيْفِي تَشْبِيها بصيفي النِّتَاج
[ ١ / ٦٠ ]
٣٦ - قَوْلهم أَيْنَمَا أوجه ألق سَعْدا
يضْرب مثلا لِاسْتِوَاء الْقَوْم فِي الشَّرّ وَالْمَكْرُوه
والمثل للاضبط بن قريع السَّعْدِيّ وَكَانَ سيد قومه فَرَأى مِنْهُم تنقصًا لَهُ وتهاونًا بِهِ فَرَحل عَنْهُم وَنزل بِآخَرين فَرَآهُمْ يَفْعَلُونَ بأشرافهم فعل قومه بِهِ فقصد آخَرين فَرَآهُمْ على مثل حَالهم فَقَالَ (أَيْنَمَا أوجه ألق سَعْدا) ورحل إِلَى قومه
وَرُوِيَ أَنه قَالَ (فِي كل وَاد بَنو سعد) وَمثل هَذَا الْمثل قَول طرفَة
(كل خَلِيل كنت خاللته لَا ترك الله لَهُ واضحه)
(كلهم أروغ من ثَعْلَب مَا أشبه اللَّيْلَة بالبارحه)
وَقَالَ بَعضهم
(سواسية كأسنان الْحمار )
وَقلت
(كم حَاجَة أنزلتها بكريم قوم أَو لئيم)
(فَإِذا الْكَرِيم من اللَّئِيم أَو اللَّئِيم من الْكَرِيم)
(سُبْحَانَ رب قَادر قد الْبَريَّة من أَدِيم)
(فشريفهم ووضيعهم سيان فِي سفه ولوم)
(قد قل خير غنيهم فغنيهم مثل العديم)
[ ١ / ٦١ ]
(وَإِذا اختبرت حميدهم ألفيته دون الذميم)
(لَا تند بنهم للصَّغِير من الامور وَلَا الْعَظِيم)
(انْظُر إِلَى كبر الجسوم ولاتسل دفع الجسيم)
وَمثل الْمثل سَوَاء قَول أبي تَمام
(فَلَا تحسبن هندًا لَهَا الْغدر وَحدهَا سجية نفس كل غانية هِنْد)
٣٧ - قَوْلهم أشبه شرج شرجًا لَو أَن أسيمرا
يضْرب مثلا للتشابه من غير ذَوي الرَّحِم
وشرج مَوضِع والاسيمر تَصْغِير أسمر وَهُوَ جمع سمر مخفف عَن سمر وَهِي شَجَرَة من العضاه كَمَا قيل عضد وعضد
والمثل للقيم بن لُقْمَان وَكَانَ قد علا أَبَاهُ فِي خصاله فحسده أَبوهُ فَنزلَا شرجًا فَذهب لقيم ليعشي إبِله فحفر لَهُ لُقْمَان حفيرة وغطاها بسمر ليَقَع فِيهَا إِذا رَجَعَ من اللَّيْل فَلَمَّا عَاد لقيم أنكر الْمَكَان وارتاب بِإِزَالَة السمر عَن مَوْضِعه فَقَالَ (أشبه شرج شرجًا لَو أَن أسيمرًا) أَي لَو أَن أسيمرا كنت أعهدها كَانَت على ماعهدتها وَتَنَحَّى عَن الْموضع فنجا وَذَهَبت الْكَلِمَة مثلا فِي التشابه من غير الْقرَابَات فَأَما مَا تشابه من الْقرَابَات فَمن أمثالهم فِيهِ قَول زُهَيْر
(وَهل ينْبت الخطي إِلَّا وشيجه وتغرس إِلَّا فِي منابتها النّخل)
[ ١ / ٦٢ ]
وَقَالَ أَبُو نخيلة
(لعمرك مَا عين بأشبه مقلةً بِأُخْرَى من ابْني بِي وَلَا النَّعْل بالنعل)
(أَقُول لنَفْسي ثمَّ نَفسِي تلومني أَلا هَل ترى مَا أشبه الشكل بالشكل)
وَيَقُولُونَ (هُوَ أشبه بِهِ من المَاء بِالْمَاءِ وَاللَّيْلَة بالليلة وَالتَّمْرَة بالتمرة والقذة بالقذة والحرة بِالْحرَّةِ والغراب بالغراب)
٣٨ - قَوْلهم إِذا نزا بك الشَّرّ فَاقْعُدْ
أَي لَا تسارع إِلَى الشَّرّ وَإِن أحوجت إِلَى المسارعة إِلَيْهِ يحثه على مجانبة الْغَضَب
وَلَا أعرف فِي الْحَث على مجانبة الشَّرّ أَجود من قَول مُعَاوِيَة (إِنِّي لاكرم نَفسِي أَن يكون ذَنْب أعظم من حلمي وَمَا غَضَبي على من أملك وَمَا غَضَبي على من لَا أملك) مَعْنَاهُ إِذا كنت مَالِكًا لَهُ فَإِنِّي قَادر على الانتقام مِنْهُ فَلم ألزم نَفسِي الْغَضَب وَإِن كنت لَا أملكهُ فَلَا يضرّهُ غَضَبي فَلم أَدخل الضَّرَر على نَفسِي بغضب لَا يضر عدوي
وَقلت فِي هَذَا الْمَعْنى
(وَمَا غضب الانسان من غير قدرَة سوى نهكة فِي جِسْمه وشحوب)
وَقلت
(خل يَد الشَّرّ وفر مِنْهُ وَإِن دعَاك فتصامم عَنهُ)
(خَابَ أَخُو الشَّرّ فَلَا تكنه )
وَقيل إياك وَالشَّر فَإِن الشَّرّ للشر خلق
[ ١ / ٦٣ ]
٣٩ - قَوْلهم إِذا ارجحن شاصيًا فارفع يدا
أَي إِذا رَأَيْته قد خضع واستكان فَاكْفُفْ عَنهُ
والشاصي الرافع رجله
وارجحن مَال وكل ثقيل مائل مرجحن يَقُول إِذا استسلم فَاعْفُ عَنهُ
وروى ثَعْلَب (إِذا ارْجِعْنَ شاصيًا)
وارجعن صرع يَقُول إِذا صرعته فَرفع رجلَيْهِ فَاكْفُفْ عَنهُ
وَأنْشد
(وَلما ارجعنوا واسترينا خيارهم وصاروا أُسَارَى فِي الْحَدِيد المكلد)
وَهَذَا أصح عِنْدِي من الاول
وَمن أحسن مَا قيل فِي الْعَفو قَول مجاشع بن ربعي لقوم رَآهُمْ يتآمرون فِي الانتقام من رجل هَل لكم فِي الْحق أَو فِيمَا هُوَ خير من الْحق قَالُوا قد عرفنَا الْحق فَمَا الَّذِي هُوَ خير مِنْهُ قَالَ الْعَفو فَإِن الْحق مر
وَقَالَ صَالح المري اتْرُكُوا الْعقَاب لخالق الْعقَاب واستصلحوا النَّاس بالرغبة والرهبة
وَقيل النِّعْمَة لَا تستدام بِمثل الانعام وَالْقُدْرَة لَا تستبقى بِمثل الْعَفو
٤٠ - قَوْلهم اتَّخذت عِنْده يدا بَيْضَاء ويدًا غراء
أَي نعْمَة مَشْهُورَة ويعنى بالبياض والغرة الشُّهْرَة
وَحكى ثَعْلَب اتَّخذت عِنْده يدا خضراء فَمَا نلْت مِنْهُ عرقًا) قَالَ يُرِيد ثَوابًا والعرق
[ ١ / ٦٤ ]
الثَّوَاب وَفرس عَتيق عريق وَهُوَ الْمَحْض الَّذِي لم يشبه شَيْء وَأنْشد
(إِنَّمَا الْعَيْش شربهَا معرقات ومناغاة صاحبات الْخُدُور)
وَقَالَ غَيره المعرق الَّذِي مزج مزاجا يَسِيرا
٤١ - قَوْلهم إِذا عز أَخُوك فهن
الْمثل لهذيل بن هُبَيْرَة التغلبي وَكَانَ أغار على بني ضبة فَأقبل بِمَا غنم فَقَالَ أَصْحَابه اقْسمْ بَينا غنيمتنا فَقَالَ أَخَاف الطّلب فَأَبَوا إِلَّا الْقسم فَقَالَ (إِذا عز أَخُوك فهن) وَقسم بَينهم وَمَعْنَاهُ إِذا صَعب أَخُوك فَلَنْ فَإنَّك إِن صعبت أَيْضا كَانَت الْفرْقَة يُقَال عز يعز عزة إِذا اشْتَدَّ وَعز عَليّ كَذَا أَي اشْتَدَّ واستعز الوجع بالمريض أَي اشْتَدَّ وَعز والارض العزاز الصلبة الشَّدِيدَة وعزني فِي الْخطاب اشْتَدَّ فِيهِ حَتَّى غلبني
وَهن من قَوْلهم فلَان هَين لين إِذا كَانَ سهلا منقادًا وَلَيْسَ من الهوان وَرجل هَين لين وهين لين لُغَتَانِ قَالَ الشَّاعِر
(هَينُونَ لَينُونَ أيسار ذَوُو يسر أَرْبَاب مكرمَة أَبنَاء أيسار)
وَتقول الْفرس فِي معنى هَذَا الْمثل
(إِذا مَا حمَار السوء لم يَأْتِ حمله نفارًا فأدن الْحمل مِنْهُ وَحمل)
وَأخذ مُعَاوِيَة معنى هَذَا الْمثل فَقَالَ لَو أَن بيني وَبَين النَّاس شَعْرَة ممدودةً مَا انْقَطَعت لاني إِذا مدوا أرْسلت وَإِذا أرْسلُوا مددت
وَقَالَ زِيَاد إيَّاكُمْ وَمُعَاوِيَة فَإِنَّهُ إِذا طَار النَّاس وَقع وَإِذا وَقَعُوا طَار
[ ١ / ٦٥ ]
قَالَ الزّجاج قَوْله فهن بِضَم الْهَاء خطأ إِنَّمَا هُوَ فهن بِكَسْر الْهَاء قَالَ وَهن بِالضَّمِّ من الهوان وَلَيْسَ لَهُ هَا هُنَا مَوضِع وَلَيْسَ كَمَا قَالَ إِنَّمَا هُوَ من الْهون وَهُوَ الرِّفْق واللين وَفِي الْقُرْآن ﴿على الارض هونا﴾
٤٢ - قَوْلهم إِذا لم تغلب فاخلب
مَعْنَاهُ إِذا لم تدْرك الْحَاجة بالغلبة والاستعلاء فاطلبها بالرفق والمداراة وأصل الخلابة الخداع وَمِنْه قيل برق خلب إِذا ومض من غير مطر كَأَنَّهُ يخدع الشائم وَبِه سميت الْمَرْأَة خلوبًا
وَله وَجه آخر وَهُوَ أَنه يُرِيد إِذا لم تغلب عَدوك بجلدك وقوتك فاخدعه وامكر بِهِ فَإِن المماكرة فِي الْحَرْب أبلغ من المكاثرة وَالْجَلد وَهُوَ على حسب قَول النَّبِي ﷺ (الْحَرْب خدعة) أخبرنَا أَبُو أَحْمد قَالَ أخبرنَا ابْن أخي أبي زرْعَة قَالَ حَدثنَا عمر قَالَ حَدثنَا الحوضي قَالَ حَدثنَا الْحسن بن أبي جَعْفَر قَالَ حَدثنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك بن كَعْب قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ قَلما أَرَادَ سفرا أَو غزوًا إِلَّا ورى بِغَيْرِهِ وَكَانَ يَقُول (الْحَرْب خدعة) أَو (خدعة) وَالْوَجْه (الخدعة) بِالْفَتْح
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء نَفاذ الرَّأْي فِي الْحَرْب أَنْفَع من الطعْن وَالضَّرْب
[ ١ / ٦٦ ]
٤٣ - قَوْلهم إِلَّا حظيةً فَلَا ألية
وَهُوَ فِي الْمَعْنى الاول أَي إِن أَخْطَأتك الحظوة فِيمَا تلتمس فَلَا تأل أَن تتودد
وَأَصله فِي الْمَرْأَة تصلف عِنْد زَوجهَا فتتحبب إِلَيْهِ مَا أمكنها لتنال الحظوة عِنْده بالتحبب إِلَيْهِ إِذا أخطأته الحظوة فِي الْمحبَّة مِنْهُ فالألية هَا هُنَا من قَوْلك أَلا الرجل يألو كَمَا يُقَال علا يَعْلُو إِذا قصر
والالية أَيْضا الْيَمين آلى يولي إِيلَاء إِذا حلف وَمِنْه قَوْله ﷿ ﴿يؤلون من نِسَائِهِم﴾
٤٤ - قَوْلهم إِن فِي الشَّرّ خيارًا
مَعْنَاهُ أَن بعض الشَّرّ أَهْون أَهْون من بعض
وَهُوَ فِي مَذْهَب قَول طرفَة
(أَبَا مُنْذر أفنيت فَاسْتَبق بَعْضنَا حنانيك بعض الشَّرّ أَهْون من بعض)
وَجَاء رجل إِلَى الْمبرد فَقَالَ لَهُ مَا القبعض فَقَالَ الْقطن
قَالَ وَمَا الْحجَّة قَالَ قَول الشَّاعِر
(كَأَن على مشافرها قبعضا )
وَسكت هنيهة ثمَّ قَالَ أَيْن السَّائِل عَن قبعض فَقَامَ الرجل فَقَالَ لَهُ هَذِه
[ ١ / ٦٧ ]
كلمة أخذت من طرفِي كَلِمَتَيْنِ من بَيت طرفَة (فَاسْتَبق بَعْضنَا) فتعجب النَّاس من سرعَة جَوَابه وافتعاله المصراع حَتَّى رد الْخصم وأسكته ثمَّ من فطنته للموضع الَّذِي أخذت مِنْهُ الْكَلِمَة
وَمثل ذَلِك مَا أَخْبرنِي بِهِ أَبُو الْقَاسِم الحاسب قَالَ قلت لبَعض المتعاصين للعربية مَا الْعمَّال وأخذته من طرفِي كَلِمَتَيْنِ (وَلم أعطكم فِي الطوع مَالِي) فَقَالَ لي الْعمَّال حَبل يشد بِهِ الْحمار وَأخرج مخرج نَظَائِره فَقَالُوا شكال للْفرس وعقال للبعير
وعمال للحمار قَالَ فتعجبت من حذقه بافتعال الْخَطَأ وإخراجه إِيَّاه مخرج الصَّوَاب
وَمن أمثالهم فِي الشَّرّ وَالْخَيْر قَول بَعضهم (لَيْسَ الْعَاقِل من يعرف الْخَيْر من الشَّرّ وَإِنَّمَا الْعَاقِل من يعرف خير الشرين)
٤٥ - قَوْلهم إِلَى أمه يلهف اللهفان
اللهفان الْمُضْطَر المتحسر على الْفَائِت
لهف يلهف لهفًا وَهُوَ لهفان كَمَا يُقَال عَطش وَهُوَ عطشان
وَيضْرب مثلا للرجل يستغيث بِأَهْل ثقته وَهُوَ على مَذْهَب قَول الْقطَامِي
(وَإِذا أَصَابَك والحوادث جمة حدث حداك الى أَخِيك الأوثق)
[ ١ / ٦٨ ]
٤٦ - قَوْلهم إِنَّمَا يُعَاتب الاديم ذُو الْبشرَة
مَعْنَاهُ إِنَّمَا يُرَاجع من تصلح مُرَاجعَته ويعاتب من الاخوان من لَا يحملهُ العتاب على اللجاج فِيمَا كره مِنْهُ وَعُوتِبَ من أَجله
وَأَصله أَن الْجلد اذا لم تصلحه الدبغة الاولى أُعِيد فِي الدّباغ إِن كَانَ ذَا قُوَّة ومسكة وَترك إِن كَانَ ضَعِيفا لِئَلَّا يزِيد ضعفا
وأصل الْبشرَة ظَاهر الْجلد والادمة بَاطِنه
وعَلى حسب ذَلِك يَقُول الشَّاعِر
(وَلَيْسَ عتاب النَّاس للمرء نَافِعًا إِذا لم يكن للمرء لب يعاتبه)
وَقد مدح العتاب وذم فالمدح قَوْلهم
(وَيبقى الود مَا بَقِي العتاب )
والذم قَوْلهم العتاب يبْعَث على التجني والتجني أَخُو المحاجة والمحاجة أُخْت الْعَدَاوَة والعداوة أم القطيعة
وَقَالَ آخر العتاب رَسُول الْفرْقَة وداعي القلى وَسبب السلوان وباعث الهجران
وَقَالَ بعض الاوائل سَبِيل من يَأْخُذ على أَيدي الاحداث أَلا يكدهم بالتوبيخ لِئَلَّا يضطروا إِلَى القحة
وَقَالَ آخر العتاب دَاعِيَة الاجتناب فَإِذا انبسطت المعاتبة انقبضت المصاحبة
[ ١ / ٦٩ ]
وَقَالَ غَيره حرك إخوانك بِبَعْض العتاب لِئَلَّا يستعذبوا أخلاقك واغض عَن بعض مَا تنكر لِئَلَّا يوحشهم إلحاحك وَهَذَا أقصد مَا قيل فِي هَذَا الْمَعْنى
وكتبت إِلَى بعض الاخوان العتاب مُقَدّمَة القطيعة وطليعة الْفرْقَة فتجنبه قبل أَن يجنبك حظك من السرُور بِرُؤْيَة أحبائك وانتقل عَنهُ قبل أَن ينْتَقل بك عَن مقرّ غبطتك بمشاهدة أودائك وَإِن لم تَجِد مِنْهُ بدا فاقتصد فِيهِ وَلَا تكْثر مِنْهُ فَإِن الْكثير من المحبوب مملول فَكيف من الْمَكْرُوه والاقتصاد فِي الْمَحْمُود ممدوح فَكيف المذموم
٤٧ - قَوْلهم أكلت يَوْم أكل الثور الاسود
يضْرب مثلا للرجل فقد ناصره فَلحقه الضيم من عدوه
وَهُوَ من أَمْثَال كليلة وتمثل بِهِ عَليّ ﵇ حِين اخْتلف عَلَيْهِ وعنى قتل عُثْمَان ﵁
وَأَصله فِيمَا ذكر صَاحب كليلة أَن ثورين أسود وأبيض كَانَا فِي بعض المروج فَكَانَ الاسد إِذا قصدهما تعاونا عَلَيْهِ فرداه فَخَلا يَوْمًا بالابيض وَقَالَ لَهُ إِن خليتني فَأكلت الاسود خلا لَك مرعاك وَأُعْطِيك عهدا أَلا أطور بك فَخَلَّاهُ والاسود فَأَكله ثمَّ عطف عَلَيْهِ فافترسه فَقَالَ (إِنَّمَا أكلت يَوْم أكل الثور الاسود) وتخاذل الْقَوْم فِيمَا بَينهم من أَمَارَات شؤمهم وَدَلَائِل شقائهم
[ ١ / ٧٠ ]
وَلما حضرت قيس بن عَاصِم الْوَفَاة أحضر بنيه فَقَالَ لَهُم ليأتني كل وَاحِد مِنْكُم بِعُود فَاجْتمع عِنْده عيدَان فجمعها وشدها وَقَالَ اكسروها فَلم يطيقوا ذَلِك ثمَّ فرقها فكسروها فَقَالَ هَذَا مثلكُمْ فِي اجتماعكم وتفرقكم ثمَّ أنشدهم لنَفسِهِ
(بصلاح ذَات الْبَين طول بقائكم إِن مد فِي عمري وَإِن لم يمدد)
(حَتَّى تلين جلودكم وقلوبكم لمسود مِنْكُم وَغير مسود)
(إِن القداح إِذا جمعن فأمها بِالْكَسْرِ ذُو حنق وبطش أيد)
(عزت فَلم تكسر وَإِن هِيَ بددت فالوهن والتكسير للمتبدد)
٤٨ - قَوْلهم أبْصر وسم قدحك
أَي تَأمل أَمرك
والقدح مَا يستقسم بِهِ وَهُوَ الزلم
ووسمه الْعَلامَة الَّتِي فِيهِ
يَقُول تَأمل ذَلِك لتعرف مَا لَك وَعَلَيْك
٤٩ - قَوْلهم إِن الشفيق بِسوء ظن مولع
وَذَلِكَ أَن المعني بالشَّيْء لَا يكَاد يظنّ بِهِ إِلَّا الْمَكْرُوه وَمن أمثالهم فِي الشفيق قَول الْقطَامِي
[ ١ / ٧١ ]
(ومعصية الشفيق عَلَيْك مِمَّا يزيدك مرّة مِنْهُ استماعا)
وَقَول وضاح الْيمن
(قد كنت أشْفق مِمَّا قد فجعت بِهِ إِن كَانَ يدْفع عَن ذِي اللوعة الشَّفق)
٥٠ - قَوْلهم أَخُوك من صدقك
يعْنى بِهِ صدق الْمَوَدَّة والنصيحة
وَله معنى آخر وَهُوَ أَن يصدقك عَن عيوبك لَان عُيُوب كل نفس تستتر عَنْهَا وَتظهر لغَيْرهَا
وَقلت
(عز الْكَمَال فَمَا يحظى بِهِ أحد فَكل خلق وَإِن لم يدر ذُو عَابَ)
وعَلى حسب هَذَا قَالُوا الْمَرْء مرْآة أَخِيه وَأخذ بَعضهم هَذَا الْكَلَام فَقَالَ أَنا كالمرآة ألْقى كل وَجه بمثاله
وَقَالَ بَعضهم لَيْسَ صديق الْمَرْء من لَا يصدقهُ وَيجوز أَيْضا أَن يكون مَعْنَاهُ إِنَّه يصدقك عَمَّا تستخبره إِيَّاه وَلَا يكذبك فِيمَا تسأله عَنهُ
٥١ - قَوْلهم أَتَاك رَيَّان بلبنه
يضْرب مثلا للرجل يعطيك لَا من جود وكرم وَلَكِن لِكَثْرَة مَا عِنْده
وَقَالَ الشَّاعِر
(مَا كل جود الْفَتى يدني من الْكَرم )
[ ١ / ٧٢ ]
وَنَحْوه وَإِن لم يكن مِنْهُ قَول إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس
(لَا تحمدن ابْن سهل إِن وجدت لَهُ فعلا جميلا وَلَا تعذل إِذا زرما)
(فَلَيْسَ يمْنَع إبْقَاء على نشب وَلَيْسَ يُعْطي الَّذِي يُعْطِيهِ معتزما)
(لَكِنَّهَا خطرات من وساوسه يُعْطي وَيمْنَع لَا بخلا وَلَا كرما)
٥٢ - قَوْلهم استكرمت فاربط
٥٣ - أقولهم اشْدُد يَديك بغرزه
يُقَال ذَلِك لمن أَفَادَ شَيْئا يغبط بِهِ وَأَصله فِي الْفرس الْكَرِيم يُصِيبهُ الانسان فيحتفظ بِهِ
والغرز ركاب الرحل واغترز الرجل إِذا وضع رجله فِي الغرز
وَفِي كَلَام لمعاوية اغترز فِي ركاب الْفِتْنَة حَتَّى اسْتَوَت على رجلهَا
٥٤ - قَوْلهم اطلب تظفر
٥٥ - وَقَوْلهمْ ألق دلوك فِي الدلاء
يضْرب مثلا فِي الْحَث على الِاكْتِسَاب وَترك التواني فِي طلب الرزق وَهُوَ من قَول أبي الاسود الدؤَلِي
[ ١ / ٧٣ ]
(وَمَا طلب الْمَعيشَة بالتمني وَلَكِن ألق دلوك فِي الدلاء)
(تجئك بملئها يَوْمًا وَيَوْما تَجِيء بحمأة وَقَلِيل مَاء)
وَقَالَ بَعضهم مَا أحب أَنِّي مكفي وَأَن لي مَا بَين شَرق إِلَى غرب قيل وَلم قَالَ كَرَاهَة عَادَة الْعَجز
وَقلت
(أَلا لَا يذم الدَّهْر من كَانَ عَاجِزا وَلَا يعذل الاقدار من كَانَ وانيا)
(فَمن لم تبلغه الْمَعَالِي نَفسه فَغير جدير أَن ينَال المعاليا)
٥٦ - قَوْلهم احلب حَلبًا لَك شطره
يضْرب مثلا للرجل يعين صَاحبه على أَمر لَهُ فِيهِ نصيب
والشطر وَكَذَلِكَ الشطير
وَقَالَ فضَالة بن شريك
(أنصف امرىء من نصف حَيّ يسبني لعمري لقد لَا قيت خطبا من الْخطب)
نصف أَمْرِي يَعْنِي أَنه أَعور وَكَانَ من بني الشطير وهم من كلب وَمثل هَذَا بديع من مَعَاني القدماء
وَأخذ ذُو الريا سِتِّينَ هَذَا فَكتب إِلَى ذِي اليمينين أخبرنَا أَبُو أَحْمد عَن الصولي عَن أبي العيناء قَالَ سَمِعت الْحسن بن سهل يَقُول كتب إِلَى الْمَأْمُون أَن طَاهِر بن الْحُسَيْن قَالَ
[ ١ / ٧٤ ]
(غضِبت على الدُّنْيَا فجفت ضروعها فَمَا النَّاس إِلَّا بَين راج وخائف)
(قتلت أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِنَّمَا بقيت عناءً بعده للخلائف)
(وَقد بقيت فِي أم رَأْسِي بَقِيَّة فإمَّا لحزم أَو لرأي مُخَالف)
فَاغْتَمَّ الْمَأْمُون فَرَآهُ الْفضل بن سهل كاسفًا فَقَالَ مَا بَال أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن زأرك أَسد فاقذف بِي فِي لهواته فَعرفهُ الْخَبَر وأقرأه الشّعْر
فَكتب الْفضل إِلَى طَاهِر قَرَأت كتابك يذكر عَنْك وساوس تكون عَلَيْك لَا لَك وَأما وَالله يَا نصف إِنْسَان لَئِن أفكرت لأهمن وَلَئِن هَمَمْت لافعلن وَلَئِن فعلت لأبرمن وَلَئِن أبرمت لاحكمن
وَبعث إِلَيْهِ بِالْكتاب فَكتب طَاهِر مَا كل قَول حق وَمَا كل إبلاغ صدق وَإِنَّمَا أَنا عبد استنصح فنصح إِن أمسك عني استزدت وَإِن اعتمدت بِإِحْسَان شكرت فمنزلتي كمنزلة الامة السَّوْدَاء إِن حمل عَلَيْهَا دندنت وَإِن رفهت أَشرت وَإِن عوقبت فباستحقاق وان عوفيت فبإحسان
٥٧ - قَوْلهم - أَنا غريرك من الامر
يضْرب مثلا للمعرفة بالشَّيْء
وَمَعْنَاهُ أَنا عَالم بالامر فسلني عَنهُ على غرَّة مني لمعرفته وعَلى غير استعداد مني لَهُ وَلَا روية فِيهِ وَأخرج الغرير مخرج خليط وعشير
[ ١ / ٧٥ ]
٥٨ - قَوْلهم أتعلمني بضب أَنا حرشته
يضْرب مثلا لمعْرِفَة الشَّيْء من وجوهه
وأصل الحرش الاثر بالشَّيْء وَهُوَ هَاهُنَا بِمَعْنى الاثارة وَهُوَ أَن تثير الضَّب من جُحْره فتستخرجه والمثل الْمَعْرُوف (هُوَ أجل من الحرش)
وَأَصله فِي رموزهم أَن الضَّب كَانَ ينعَت الحرش لحسوله وَهِي أَوْلَاده الْوَاحِد حسل وَيَقُول لَهُنَّ إِذا أحسستن بالحرش فاصبرن وَلَا تخرجن من جحرتكن فصيد الضَّب ذَات يَوْم فَوضع رَأسه على حجر وشدخ بِحجر آخر فَقُلْنَ لَهُ أَهَذا الحرش فَقَالَ هَذَا أجل من الحرش هَذَا الْمَوْت
٥٩ - قَوْلهم أعْط الْقوس باريها
أَي اسْتَعِنْ على عَمَلك بِمن يُحسنهُ وَهُوَ من قَول الْقَائِل
(يَا باري الْقوس بريًا لست تحكمه لَا نظلم الْقوس أعْط الْقوس باريها)
وظلمه لَهَا إفساده إِيَّاهَا
وأصل الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه
وَنَحْو الْمثل قَول الشَّاعِر
(فَخَل مَكَانا لم تكن لتسده عَزِيزًا على عبس وذبيان ذائده)
[ ١ / ٧٦ ]
وَقَالَ غَيره
(الان حِين تعاطى الْقوس باريها )
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (اسْتَعِينُوا على كل صناعَة بِأَهْلِهَا) وَقَالَ بعض الْخُلَفَاء لرجل مَا أطيب النَّقْل فَقَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (اسْتَعِينُوا على كل صناعَة بِأَهْلِهَا) وَلَا يُؤْخَذ علم هَذَا إِلَّا عَن أبي نواس فَإِنَّهُ أعرف أَهله بِهِ وأنشده قَوْله
(مَالِي فِي النَّاس كلهم مثل مائي خمر ونقلي الْقبل)
(يومي حَتَّى إِذا الْعُيُون هدت وحان نومي فمرقدي كفل)
وَقَرِيب من ذَلِك مَا أخبرنَا بِهِ أَبُو أَحْمد عَن ابْن دُرَيْد عَن الرياشي عَن ابْن سَلام قَالَ قَالَ بعض جلساء حَمَّاد الرِّوَايَة بَلغنِي أَن للحلقيين أرحامًا منكوسة فَقَالَ حَمَّاد لفتىً إِلَى جنبه اكْتُبْ هَذَا فَإِن أصح الحَدِيث مَا اخذ عَن اهله
٦٠ - قَوْلهم أفواهها مجاسها
٦١ - وَقَوْلهمْ أَرَاك بشر مَا أحار مشفر
يضْرب مثلا للامر يدل ظَاهره على بَاطِنه
وَذَلِكَ أَن الابل إِذا أَحْسَنت الاكل اكْتفي بذلك فِي معرفَة صِحَّتهَا وصلاحها عَن جسها
وَمثله مَا أنشدناه أَبُو أَحْمد عَن أبي بكر بن دُرَيْد عَن الرياشي عَن الْأَصْمَعِي
[ ١ / ٧٧ ]
(أطلس يخفي شخصه غباره فِي فَمه شفرته وناره)
(هُوَ الْخَبيث عينه فراره ممشاه ممشى الْكَلْب وازدجاره)
(بهم بني محَارب مزداره )
وَفِي الْمثل (إِن الْجواد عينه فراره) مَعْنَاهُ إِن معاينتك الْجواد تغنيك عَن فراره
والفرار بِالضَّمِّ وَالْكَسْر
وَقَوْلهمْ (أَرَاك بشر مَا أحار مشفر) أَي مَا أعتلفته الدَّوَابّ يتَبَيَّن فِي أجسامها
وَمثل الْمثل سَوَاء مَا رُوِيَ أَن بَعضهم قَالَ لاعرابي رَآهُ جيد الكدنة أرى عَلَيْك قَمِيصًا صفيقًا من نسج ضرسك فَقَالَ ذَاك عنوان نعْمَة الله عِنْدِي
٦٢ - قَوْلهم أنجد من رأى حضنًا
وَهُوَ فِي معنى الدّلَالَة على الشَّيْء
وَمَعْنَاهُ أَن من رأى حضنًا وَهُوَ جبل بِنَجْد فقد أَتَى نجدًا وَلَيْسَ بِهِ حَاجَة إِلَى السُّؤَال عَنهُ
وَيُقَال أنجد الرجل إِذا أَتَى نجدًا وأتهم إِذا أَتَى تهَامَة وأعرق إِذا أَتَى الْعرَاق وأشأم إِذا أَتَى الشَّام وأعمن إِذا أَتَى عمان وأيمن إِذا أَتَى الْيمن وأمنى إِذا أَتَى منى وبصر وكوف من الْبَصْرَة والكوفة
وأصل نجد الِارْتفَاع وَقيل للنجاد نجاد لانه يحشو الثِّيَاب حَتَّى ترْتَفع
[ ١ / ٧٨ ]
٦٣ - قَوْلهم أَن ترد المَاء بِمَاء أَكيس
٦٤ - وَقَوْلهمْ اشْتَرِ لنَفسك وللسوق
يضْرب مثلا للاخذ بالثقة وَالِاحْتِيَاط
يَقُول الْكيس أَن ترد المنهل ومعك فضل مَاء تزودته من منهل قبله
والكيس خلاف الْحمق
وَقَالَ عَليّ ﵁
(إِمَّا تراني كيسًا مكيسا بنيت بعد نَافِع مخيسا)
(سَوْطًا شَدِيدا وأميرًا كيسا )
وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ لمنصور بن الْمُعْتَمِر سل مَسْأَلَة الحمقى واحفظ حفظ الاكياس وَقَالَ زيد الْخَيل
(أقَاتل حَتَّى لَا أرى لي مُقَاتِلًا وأنجو إِذا لم ينج إِلَّا المكيس)
وَكَانَت تَمِيم يدعونَ الْغدر كيسَان قَالَ النمر بن تولب
(إِذا مَا دعوا كيسَان كَانَت كهولهم إِلَى الْغدر أدنى من شبابهم المرد)
[ ١ / ٧٩ ]
وَقَالَ بَعضهم أصل الْيَاء فِي الْكيس وَاو وَهُوَ مثل الطّيب يُقَال كوسى وطولى وَلَيْسَ كَذَلِك وَقَالَ بَعضهم
(قد ورد المَاء بِمَاء قيس وَفِي بني أم الْبَنِينَ كيس)
(على الْمَتَاع مَا غبا غبيس )
يُقَال (لَا أفعل ذَلِك مَا غبا غبيس) أَي لَا أَفعلهُ أبدا يُقَال غبا يغبو وغبي يغبا إِذا غَابَ عَنهُ الذِّهْن
وَقَالَ غَيره
(رزقت بالحمق فَالْزَمْ مَا رزقت بِهِ مَا يفعل الأحمق المرزوق بالكيس)
وَقَالَ جران الْعود وَبِهَذَا الْبَيْت سمى جران الْعود
(عَمَدت لعود فانتحيت جرانه وللكيس أدنى فِي الامور وأنجح)
وَقَوْلهمْ (اشْتَرِ لنَفسك وللسوق) أَي اشْتَرِ مَا إِن أمسكته انتفعت بِهِ وَإِن لم ترده نفق عَنْك فِي البيع وروى عَن عمر إِنَّه قَالَ إِذا اشْتريت جملا فاشتره عَظِيما فَإِن أخطأك نَفعه لم يخطئك سوق
[ ١ / ٨٠ ]
٦٥ - قَوْلهم آخرهَا أقلهَا شربًا
يحث بِهِ على التَّقَدُّم فِي الامر وَأَصله فِي سقِي الابل وَذَلِكَ أَن الْمُتَأَخر عَن الْورْد رُبمَا جَاءَ وَقد مضى النَّاس بِعَفْو المَاء وصادف مِنْهُ نفادًا وَلَا يكون تَأْخِير الْورْد عِنْدهم إِلَّا من ذل أَو عجز
وَمن ذَلِك قَول النَّجَاشِيّ
(إِذا الله عادى أهل لؤم ودقة فعادى بني العجلان رَهْط ابْن مقبل)
(قَبيلَة لَا يغدرون بِذِمَّة ولايظلمون النَّاس حَبَّة خَرْدَل)
(ولايردون المَاء الا عَشِيَّة إِذا صدر الوراد عَن كل منهل)
وَقَالَ آخر يصف إبِلا رأى أهل المَاء سماتها فعرفوا شرف أَرْبَابهَا فخلى الْورْد لَهَا
(قد سقيت آبالهم بالنَّار وَالنَّار قد تشفي من الاوار)
وَالنَّار السمة سميت بذلك لانها بالنَّار تكون سماتها
وَقَالَ بعض اللُّصُوص وَقد سَاق إبِلا إِلَى سوق ليبيعها
(تَسْأَلنِي الباعة أَيْن نارها اذا زعزعوها فَسَمت أبصارها)
(كل نجار إبل نجارها وكل دَار لاناس دارها)
(وكل نَار الْعَالمين نارها )
[ ١ / ٨١ ]
وَقَالَ الشَّاعِر فِي الْحَث على التَّقَدُّم فِي الامور
(إِذا ضيعت أول كل أَمر أَبَت أعجازه إِلَّا التواء)
(وَإِن سومت أَمرك كل وغد ضَعِيف كَانَ امركما سَوَاء)
(وَإِن داويت دينا بالتناسي وبالليان أَخْطَأت الدَّوَاء)
وَقلت
(ركُوب لأعناق الْأُمُور وَلم يكن يدب على أعجازها متقفرا)
(إِذا أدبر الْمَطْلُوب عَنْك فخله فَإِن عناء أَن تحاول مُدبرا)
وَمِمَّا يجْرِي مَعَ ذَلِك قَول برج بن مسْهر
«مَتى كَانَ أَمر الْحَيّ يوسي بحندج وَقيس بن جُزْء شَرّ دهرك آخِره)
وَجَاء فِي تَفْسِير هَذَا الْمثل قَول آخر قَالَ الْأَصْمَعِي يُرَاد بِهِ أَن أقل الْحَاجة مَا بَقِي
وَأَصله أَن رجلا سقى لرجل إبِلا فَبَقيت مِنْهَا بَقِيَّة فخشى أَن يَتْرُكهَا وَلَا يسقيها فَقَالَ (آخرهَا أقلهَا شربا) أَي بَقِيَّة الْعَمَل أقل
وَالشرب النَّصِيب من المَاء
وَالشرب اسْم يُقَال مقَام الْمصدر
٦٦ - قَوْلهم أَمر مبكياتك لَا أَمر مضحكاتك
يَقُول اتبع أَمر من يخوفك عواقب إساءتك لتحذرها فتنجو وَلَا تتبع أَمر من يُؤمنك الْمخوف فيورطك
وَمثل ذَلِك قَول الْحسن إِن من يخوفك حَتَّى تلقى الْأَمْن أشْفق عَلَيْك مِمَّن يُؤمنك حَتَّى تلقى الْخَوْف
وَفِي خِلَافه قَول الاول
[ ١ / ٨٢ ]
(تخوفني صروف الدَّهْر سلمى وَكم من خَائِف مَا لَا يكون)
وَقَالَ غَيره أَكثر الْخَوْف باطله وَفِيمَا أوحى الله تَعَالَى إِلَى بعض الانبياء إِنِّي أخوفك لأقومك
وَقلت فِي نَحوه
(تؤدبه الايام فِيمَا يضرّهُ وَكم ضَرَر للمرء فِيهِ مَنَافِع)
وَقلت
(يَا نفس صبرا على مَا كَانَ من ضَرَر فَرب مَنْفَعَة تجنى من الضَّرَر)
٦٧ - قَوْلهم إِذا أردْت المحاجزة فَقبل المناجزة
٦٨ - وَقَوْلهمْ إِن الموصين بَنو سهوان
يضْرب الاول مثلا فِي تَعْجِيل الْفِرَار مِمَّن لَا طَاقَة لَك بِهِ
والمحاجزة من قَوْلهم حجزت بَين الشَّيْئَيْنِ
والمناجزة سرعَة الْقِتَال
والمثلان لدويد بن زيد بن نهد فِي وَصيته لِبَنِيهِ عِنْد مَوته قَالَ لَهُم يَا بني أوصيكم بِالنَّاسِ شرا لَا ترحموا لَهُم عِبْرَة وَلَا تقيلوا لَهُم عَثْرَة قصروا الاعنة وطولوا الاسنة واطعنوا شزرًا واضربوا هبرًا وَإِذا أردتم المحاجزة فَقبل المناجزة والمرء يعجز لَا المحالة بالجد لَا بالكد التجلد وَلَا التبلد الْمنية وَلَا الدنية لَا تأسوا على فَائت وَإِن عز فَقده وَلَا تحنوا إِلَى ظاعن وَإِن ألف
[ ١ / ٨٣ ]
قربه وَلَا تطمعوا فتطبعوا وَلَا تهنوا فتخرعوا وَلَا يكن لكم مثل السوء (إِن الموصين بَنو سهوان)
ثمَّ قَالَ
(الْيَوْم يبْنى لدويد بَيته يارب نهب صَالح حويته)
(وَرب قرن بَطل أرديته وَرب غيل حسن لويته)
(ومعصم مخضب ثنيته لَو كَانَ للدهر بلَى أبليته)
(أَو كَانَ قَرْني وَاحِدًا كفيته )
وَقَالَ
(ألْقى على الدَّهْر رجلا ويدا والدهر مَا أصلح يَوْمًا أفسدا)
(يفْسد مَا أصلحه الْيَوْم غَدا )
الطعْن الشزر على أحد الْجَانِبَيْنِ
وَالنَّظَر الشزر بمؤخر الْعين
والهبر من قَوْلهم هبرت اللَّحْم إِذا قطعته قطعا كبارًا وَسيف هَبَّار
والمحالة الْحِيلَة وَالْجد الْحَظ والطبع الدنس وَأَصله الصدأ الَّذِي يركب الْحَدِيد
والوهن الضعْف والخرع اللين
وَقَوْلهمْ (إِن الموصين بنهو سهوان) الموصون جمع موصى وَهُوَ الَّذِي توصيه بالشَّيْء مرّة بعد أخري وَمَعْنَاهُ توصيهم بالشَّيْء وتؤكد عَلَيْهِم ثمَّ يسهون عَمَّا أوصوا ويتركونه ويحتجون بالسهو
وَقيل يضْرب مثلا للرجل الموثوق بِهِ وَمَعْنَاهُ أَن الَّذين يَحْتَاجُونَ إِلَى
[ ١ / ٨٤ ]
الوصاة لحوائج إخْوَانهمْ إِنَّمَا هم الَّذين يسهون عَنْهَا لقلَّة عنايتهم بهَا وَأَنت بحاجة أَخِيك معنى لَا تحْتَاج إِلَى وصاتك بهَا قَالَ الشَّاعِر
(وَأكْثر نسياني لما لَا يهمني وَإِنِّي لما أَعنِي بِهِ لذكور)
٦٩ - قَوْلهم أعندي أَنْت أم فِي العكم وأعندي أَنْت أم فِي الربق
يضْرب مثلا للرجل الْقَلِيل الْفَهم
والعكم الْحمل والعكم شده
والربق جمع ربقة وَهِي حَبل تشد بِهِ الْبَهِيمَة
وَأما قَوْلهم (أمعنا أَنْت أم فِي الْجَيْش) فَمَعْنَاه أعلينا انت ام لنا
٧٠ - قَوْلهم أفرخ روعك
أَي زَالَ مَا كنت تخَاف مِنْهُ وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي أول مَا قَالَه مُعَاوِيَة وَذَلِكَ خطا
وَأول من قَالَه النَّبِي ﷺ أخبرنَا أَبُو أَحْمد عَن ابْن الْأَنْبَارِي عَن أبي الْعَبَّاس قَالَ ولى مُعَاوِيَة زيادًا الْبَصْرَة وَاسْتعْمل الْمُغيرَة بن شُعْبَة على الْكُوفَة فَلم يلبث أَن مَاتَ الْمُغيرَة فتخوف زِيَاد أَن يسْتَعْمل مَكَانَهُ عبد الله بن عَامر فَكتب إِلَيْهِ يُشِير عَلَيْهِ بِاسْتِعْمَال الضَّحَّاك بن قيس وَكتب إِلَيْهِ مُعَاوِيَة أفرخ روعك قد ضممناها إِلَيْك فَقَالَ زِيَاد (النبع يقرع بعضه بَعْضًا) فَذَهَبت كلمتاهما مثلين
والروع الْفَزع وَهَذَا وهم على مَا ذَكرْنَاهُ وَالصَّحِيح مَا أخبرنَا بِهِ أَبُو أَحْمد قَالَ حَدثنَا عبد الْوَهَّاب بن عِيسَى قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة الْأنمَاطِي قَالَ
[ ١ / ٨٥ ]
حَدثنَا خلف بن خَليفَة عَن أبي يزِيد عَن الشّعبِيّ عَن عُرْوَة بن مُضرس قَالَ انْتَهَيْت إِلَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ يجمع قبل أَن يُصَلِّي الْغَدَاة فَقلت يَا نَبِي الله قد طويت الجبلين وَلَقِيت شدَّة
فَقَالَ (أفرخ روعك من أدْرك إفاضتنا هَذِه فقد أدْرك) يَعْنِي الْحَج
أفرخ روعك أَي زَالَ مَا كنت ترتاع لَهُ وَتخَاف وَأَصله خُرُوج الفرخ من الْبَيْضَة وانكشاف الْغم عَنهُ
قَالَ ذُو الرمة
(جذلان قد أفرخت عَن روعة الكرب )
والروع فِي بَيت ذِي الرمة مضموم الرَّاء وَهُوَ الْخلد
٧١ - قَوْلهم أَخذنَا فِي الدوس
قَالَ الْأَصْمَعِي يُرِيد تَسْوِيَة الخديعة وتزيينها من قَوْلك داس السَّيْف يدوسه إِذا صقله وَالْحجر الَّذِي بِهِ يصقل بِهِ مدوس
وأخذنا فِي التزكين أَي التَّشْبِيه وزكن عَلَيْهِ وزكم إِذا شبه وَكَذَلِكَ الظَّن وَمَا يضمر الْإِنْسَان يجْرِي هَذَا المجرى وَقد زكن الرجل وزكن بِالتَّشْدِيدِ
وَأنْشد
(يَا أيهذا الكامش المزكن أعلن بِمَا تخفي فَإِنِّي معلن)
وَقَالَ آخر
(زكنت من أَمرهم مثل الَّذِي زكنوا )
[ ١ / ٨٦ ]
٧٢ - قَوْلهم احذر الصّبيان لَا تصبك بأعقائها
يُقَال ذَلِك فِي التخدير من صُحْبَة من يعيبك من الوضعاء والأدنياء
وصحبة الدنيء تضع الشّرف وتقصر الهمة وتخمد الذّكر وتفسد الجاه وَمثل الشريف يخالط الدنيء مثل الْمسك تخلطه بالرماد فَيَأْتِي على جَمِيع محاسنه وَيهْلك سَائِر مفاخره وَقلت فِي شرِيف خالط قوما أدنياء
(أَرَاك تلفقت فِي جيفة فَلم يجد أَنَّك من عنبر)
والأعقاء جمع عقي وَهُوَ الَّذِي يخرج من الصَّبِي سَاعَة يُولد
والعقي بِالْفَتْح الْمصدر
وَفِي هَذَا الْمَعْنى قَوْلهم صديق السوء كالقين إِن لم يحرقك بناره يؤذك بدخانه
وَقَرِيب من هَذَا الْمَعْنى قَول بَعضهم لرجل لَا تشرب النَّبِيذ مَعَ من تفتضح بِهِ واشربه مَعَ من يفتضح بك
٧٣ - قَوْلهم أَعور عَيْنك وَالْحجر
يضْرب مثلا للتمادى فِي الْمَكْرُوه والمشفي مِنْهُ على الهلكة فَيُقَال لَهُ أبق على نَفسك من أَن يصيبك بتماديك مَا يُصِيب الْأَعْوَر إِذا فقئت عينه الصَّحِيحَة فَيبقى بِلَا بصر وكما أَن الْأَعْوَر أَحَق بالحذر على عينه فَإنَّك أَحَق بمراجعة الْحسنى لمقاربتك العطب
[ ١ / ٨٧ ]
وَرُوِيَ أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب ذهبت إِحْدَى عَيْنَيْهِ ثمَّ أصَاب الْأُخْرَى حجر فَقَالَ أمسينا وَأمسى الْملك لله
وَقَالَ الْأَصْمَعِي أصل هَذَا الْمثل أَن غرابًا وَقع على دبرة نَاقَة فكره صَاحبهَا أَن يرميه فتثور النَّاقة وَكره أَن يتْركهُ فيدمي الدبرة فَجعل يُشِير إِلَيْهِ بِالْحجرِ وَيَقُول (أَعور عَيْنك وَالْحجر)
وَيُقَال للغراب الْأَعْوَر لحدة بَصَره كَمَا قيل للحبشي أَبُو الْبَيْضَاء وللأبيض أَبُو الجون وللملدوغ السَّلِيم ثمَّ اسْتعْمل الْمثل فِي الْمَعْنى الَّذِي تقدم وَالْحجر وَالْعين منصوبان على الإغراء
٧٤ - قَوْلهم اتخذ اللَّيْل جملا
يضْرب مثلا للرجل يجد فِي طلب الْحَاجة يُقَال شمر ذيلا وادرع لَيْلًا
هَكَذَا قَالَ بَعضهم وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَاهُ ركب اللَّيْل فِي حَاجته وَلم ينم حَتَّى نالها
وَهُوَ من أَمْثَال أَكْثَم بن صَيْفِي وَأَخذه أَبُو تَمام فَقَالَ
(جعل الدجى جملا وودع رَاضِيا بالهون يتَّخذ الْقعُود قعُودا)
وَقَالَ أَكثر أَيْضا (ادرعوا اللَّيْل فَإِن اللَّيْل أخْفى للويل) فَأَخذه الشَّاعِر فَقَالَ
(لَا تلق إِلَّا بلَيْل من تواصله فالشمس نمامة وَاللَّيْل قواد)
[ ١ / ٨٨ ]
وَقلت
(وَإِنَّمَا النجح فِي ليل ترادفه إِذا تأوب أَو صبح تواكبه)
(وساهر اللَّيْل فِي الْحَاجَات نائمه وواهب المَال عِنْد الْمجد كاسبه)
وَقيل من كثر نَومه اشْتَدَّ فقره والصبحة مبخرة معْجزَة مجفرة والصبحة نوم الْغَدَاة وَقَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي
(وَمَا طَالب الْحَاجَات فِي كل وجهة من النَّاس إِلَّا من أجد وشمرا)
(فَلَا ترض من عَيْش بِدُونِ وَلَا تنم وَكَيف ينَام اللَّيْل من بَات مُعسرا)
وَقَالَ رجل لبقراط كَيفَ جمعت هَذَا الْعلم الْكثير قَالَ إِنِّي أنفدت من الزَّيْت مِثْلَمَا شربت من المَاء
المجفرة المصدة عَن النِّكَاح يُقَال جفر الْفَحْل إِذا انْصَرف عَن الْإِبِل وَلم يضْربهَا
٧٥ - قَوْلهم أجر الْأُمُور على أذلالها
يضْرب مثلا للرفق بِالْأَمر وَحسن التَّدْبِير لَهُ وَمَعْنَاهُ أجرهَا على وجوهها ومجاريها
وَوَاحِد الأذلال ذل وَهُوَ ضد الصعوبة
وَالْمعْنَى أَنَّك إِذا أجريت الْأَمر على وَجهه لم يصعب عَلَيْك اطراده
وَنَحْوه قَول الله تَعَالَى ﴿وَأتوا الْبيُوت من أَبْوَابهَا﴾ وَنَحْوه قَول قيس بن الخطيم
(إِذا مَا أتيت الْعِزّ من غير بَابه ضللت وَإِن تقصد من الْبَاب تهتد)
[ ١ / ٨٩ ]
٧٦ - قَوْلهم ارْض من المركوب بالتعلق
يضْرب مثلا للرضا بِدُونِ الْحَاجة أَي ارْض من الْأَمر بِدُونِ تَمَامه وَمن الْعَيْش بِدُونِ الكفاف يحثه على القناعة
وَأَصله فِي الرّكُوب يُقَال للرجل تعلق بعقبة تركبها والعقبة أَن يركب قَلِيلا ثمَّ ينزل فيركب صَاحبه وَقد اعتقب الْقَوْم رواحلهم
وَمن أَجود مَا جَاءَ فِي القناعة وَالرِّضَا بِدُونِ الْحَاجة قَول أبي الْعَتَاهِيَة
(أَنْت مُحْتَاج فَقير أبدا دون أَن ترْضى بِأَدْنَى مَا لديك)
وذم بَعضهم القناعة فَقَالَ هِيَ خلق الْبَهَائِم إِنَّهَا إِذا وجدت أكلت وَإِن لم تَجِد باتت على خسف وَأنْشد
(وَلَا يُقيم على ضيم يسام بِهِ إِلَّا الأذلان عير الْحَيّ والوتد)
(هَذَا على الْخَسْف مربوط برمتِهِ وَذَا يشج فَلَا يرثى لَهُ أحد)
وَقلت فِي هَذَا النَّحْو
(سأستعطف الْأَيَّام حَتَّى تردني إِلَى جَانب مِنْهَا يلين ويسهل)
(وأقنع لَا أَن القناعة لي هوى وَلَكِن صون الْعرض بِالْحرِّ أجمل)
[ ١ / ٩٠ ]
٧٧ - قَوْلهم اصنعه صَنْعَة من طب لمن حب
يُقَال ذَلِك لمن يلْتَمس مِنْهُ النيقة فِي الشَّيْء أَي اصنعه صَنْعَة حاذق لمن يُحِبهُ
وطببت يارجل وطببت أَي حذقت
وَحب مثل أحب وَجعلُوا الْفَاعِل من أحب فَقَالُوا هُوَ محب وَالْمَفْعُول بِهِ من حب فَقَالُوا هُوَ مَحْبُوب
هَذَا هُوَ الْأَكْثَر وَرُبمَا قَالُوا محب كَمَا قَالَ عنترة
(وَلَقَد نزلت فَلَا تظني غَيره منى بِمَنْزِلَة الْمُحب المكرم)
وَقَالَ الفرزدق
(وَقد علمُوا أَنِّي أطب وَأعرف )
وفحل طب إِذا كَانَ بَصيرًا بالضراب لَا يدع حَائِلا وَلَا يقرب لاقحًا
والطب السحر والمطبوب المسحور والطب أَيْضا الدَّاء
قَالَ الشَّاعِر
(وَمَا إِن صبنا جبن وَلَكِن منايانًا ودولة آخرينا)
وَأنْشد أَبُو تَمام
(وَمَا إِن طبها إِلَّا اللغوب )
أَي مَا بهَا دَاء الا الإعياء
[ ١ / ٩١ ]
٧٨ - قَوْلهم أتبع الْفرس لجامها
يضْرب مثلا للرجل قضى الْحَاجة وَلم يُتمهَا
يَقُول جدت بالفرس واللجام أيسر خطبًا وَلَا غناء بالفرس دونه فَإِذا منعته فكأنك لم تَجِد بالفرس
والمثل لعمر بن ثَعْلَبَة من كلب وَكَانَ ضرار بن عَمْرو الضَّبِّيّ أغار على كلب فساق فِي الْغَنِيمَة سلمى بنت وَائِل وَكَانَت أمة لعَمْرو بن ثَعْلَبَة وَهِي أم النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَمَعَهَا أمهَا وأختاها فَسَأَلَهُ عَمْرو ردهن فردهن غير سلمى وَكَانَت أَعْجَبته فَقَالَ عَمْرو (أتبع الْفرس لجامها) فَردهَا فسارت الْكَلِمَة مثلا
وَأَخذه البحتري فَقَالَ يصف فرسا
(ترى أحجاله يصعدن فِيهِ صعُود الْبَرْق فِي الْغَيْم الجهام)
(وَمَا حسن بِأَن تهديه فَذا سليب السرج منزوع اللجام)
(فأتمم مَا مننت بِهِ وأنعم فَمَا الْمَعْرُوف إِلَّا بالتمام)
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر
(والطرف أجلب زائر لمؤونة مالم تزره بسرجه ولجامه)
وَأخذ هَذَا الْمَعْنى من أبي العيناء
[ ١ / ٩٢ ]
٧٩ - قَوْلهم أوردهَا سعد وَسعد مُشْتَمل
يضْرب مثلا لإدراك الْحَاجة بِلَا تَعب وَلَا مشقة يَعْنِي أَنه أورد إبِله شَرِيعَة المَاء فَشَرِبت واشتمل هُوَ بكسائه ونام وَلم يوردها بِئْرا فَيحْتَاج إِلَى الاستقاء لَهَا
وَهُوَ مثل قَوْلهم (أَهْون السَّقْي التشريع) أَي إِ يُرَاد الْإِبِل الشَّرِيعَة هَكَذَا فسره بَعضهم وَالصَّحِيح أَنه يضْرب مثلا للرجل يقصر فِي الْأَمر ايثارا للراحة على الْمَشَقَّة وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله
(مَا هَكَذَا تورد يَا سعد الْإِبِل )
أَي مَا هَكَذَا يكون الْقيام فِي الْأُمُور
والمثل لمَالِك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَرَأى أَخَاهُ سَعْدا أورد إبِله وَلم يحسن الْقيام عَلَيْهَا فَقَالَ ذَلِك وَكَانَ مَالك آبل أهل زَمَانه على حمقه وَسَنذكر قصَّته على التَّمام بعد إِن شَاءَ الله
وَخرج قوم فِي خلَافَة عَليّ ﵇ سفرا فَقتلُوا بَعضهم فَلَمَّا رجعُوا طالبهم عَليّ ﵁ وَأمر شريحًا بِالنّظرِ فِي أَمرهم فَحكم بِإِقَامَة الْبَيِّنَة فَقَالَ عَليّ ﵇
(أوردهَا سعد وَسعد مُشْتَمل مَا هَكَذَا تورد يَا سعد الْإِبِل)
أَرَادَ أَنه قصر وَلم يستقص كتقصير صَاحب الْإِبِل فِي تَركهَا واشتماله ولومه
ثمَّ فرق بَينهم وسألهم وَاحِدًا وَاحِدًا فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فَلم يزل يبْحَث حَتَّى أقرُّوا فَقَتلهُمْ وَذَلِكَ أول مَا فرق بَين الْخُصُوم
[ ١ / ٩٣ ]
٨٠ - قَوْلهم إلاده فلاده
فسر على وُجُوه فَقَالَ بَعضهم يضْرب مثلا للرجل يطْلب شَيْئا فَإِذا مَنعه طلب غَيره
وَقَالَ الْأَصْمَعِي لَا أَدْرِي مَا أَصله وَقَالَ غَيره أَصله أَن بعض الْكُهَّان تنافر إِلَيْهِ رجلَانِ فامتحناه فَقَالَا لَهُ فِي أَي شَيْء جئْنَاك قَالَ فِي كَذَا قَالَا لَا فَأَعَادَ النّظر وَقَالَ إلاده فلاده أَي إِن لم يكن هَذَا فَلَيْسَ غَيره ثمَّ أخبرهما وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَاهُ إِن لم يكن ذَلِك الْآن لم يكن أبدا يغريه بِهِ وَأنْشد قَول رؤبة
(وَقَول إلاده فلاده )
أَي إِن لم يكن هَذَا الْآن لم يكن بعد
وَقَالَ الْخَلِيل يُقَال إِن قَول رؤبة (إلاده فلاده) فَارسي حكى صَوت ظئره وَكَانَت الْعَرَب تَقول إِذا رأى الرجل ثَأْره إِلَّا ده فَلَا ده أَي إِن لم تثأر فَلَا تثأر أبدا
٨١ - قَوْلهم اسْقِ أَخَاك النمري
يضْرب مثلا لكل من طلب الشَّيْء مرَارًا
وَأَصله أَن كَعْب بن مامة الْإِيَادِي خرج فِي ركب فِي حمارة القيظ فَلَمَّا كَانُوا بالدهناء عطشوا فَجعلُوا يقسمون المَاء على الْحَصَاة فَشرب الْقَوْم حصصهم فَلَمَّا بلغ الشّرْب كَعْبًا
[ ١ / ٩٤ ]
نظر إِلَيْهِ شمر بن مَالك النمري فَقَالَ كَعْب للساقي (اسْقِ أَخَاك النمري) فَسَارُوا ثمَّ نزلُوا فاقتسموا المَاء فَلَمَّا بلغ الشّرْب كَعْبًا نظر إِلَيْهِ النمري فَأمر لَهُ بِنَصِيبِهِ فأدركه الْمَوْت فاستكن تَحت شَجَرَة وَقد قربوا من المَاء فَقيل لَهُ (رد كَعْب إِنَّك وَارِد) فَذَهَبت مثلا وَمَات فَقَالَ مامة أَبوهُ يرثيه
(أوفى على المَاء كَعْب ثمَّ قيل لَهُ رد كَعْب إِنَّك وَارِد فَمَا وردا)
(مَا كَانَ من سوقة أسْقى على ظمأ خمرًا بِمَاء إِذا ناجودها بردا)
(من ابْن مامة كَعْب ثمَّ عي بِهِ زو الْمنية إِلَّا حرَّة وقدى)
وَهَذَا أسخى النَّاس لِأَنَّهُ جاد بِمَا فِيهِ حَيَاته على حسب قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(يجود بِالنَّفسِ إِذْ ضن الْجواد بهَا والجود بِالنَّفسِ أقْصَى غَايَة الْجُود)
وزو الْمنية قدرهَا
وَكَانَ كَعْب إِذا جاوره رجل فَمَاتَ وداه وَإِذا مَاتَ لَهُ بعير أَو شَاة أخلف عَلَيْهِ
وقدى فعلى من الْوقُود والحرة حرارة الْجوف من الْعَطش
٨٢ - قَوْلهم أخلف رويعيا مظنه
يضْرب مثلا فِي الْحَاجة تلتمس فيحول دونهَا حَائِل
[ ١ / ٩٥ ]
وَأَصله أَن رَاعيا قد عرف مَكَانا معشبًا فقصده فصادف عارضًا يمنعهُ من رعيه
والرويعي تَصْغِير الرَّاعِي وَمثله قَوْلهم (قد علقت دلوك دلو أُخْرَى) أَي عرض فِي أَمرك عَارض وَنَحْوه قَول يزِيد بن مُعَاوِيَة
(باعت على بيعك أم مِسْكين)
وَله حَدِيث نذكرهُ
وَمثله قَوْلهم
(وَالْأَمر يحدث بعده الْأَمر)
قَالَ الشَّاعِر فِي إخلاف الظَّن
(ظَنَنْت بِهِ ظنا فقصر دونه فيا رب مظنون بِهِ الْخَيْر يخلف)
(وَمَا النَّاس بِالنَّاسِ الَّذين عرفتهم وَمَا الدَّار بِالدَّار الَّتِي كنت تعرف)
(وَمَا كل من تهواه يهواك قلبه وَمَا كل من أنصفته لَك ينصف)
٨٣ - قَوْلهم أسائر الْيَوْم وَقد زَالَ الظّهْر
يضْرب مثلا للْحَاجة يوءس مِنْهَا وَيرجع بالخيبة عَنْهَا أَي تطمع فِيهَا وَقد تبين لَك الْيَأْس من نيلها
وَمَعْنَاهُ أسائر الْيَوْم يُقَال هَذَا ضَارب زيد غَدا بِمَعْنى ضَارب زيد غَدا
وَفِي الْقُرْآن ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ بِمَعْنى (دائقة الْمَوْت) وَفِي خلاف هَذَا الْمَعْنى قَول الشَّاعِر
[ ١ / ٩٦ ]
(أجارتنا إِن القداح كواذب وَأكْثر أَسبَاب النجاح مَعَ الياس)
وَمن أمثالهم فِي الْيَأْس قَول الشَّاعِر
(وأجمعت يأسًا لَا لبانة بعده ولليأس أدنى للعفاف من الطمع)
وَقَول الحطيئة
(وَلَا ترى طاردا للْحرّ كالياس )
٨٤ - قَوْلهم آخر الدَّاء الكي
قَالَ أَبُو بكر الْمثل السائر (آخر الدَّاء الكي) ورد بعض أهل اللُّغَة هَذَا وَقَالَ إِنَّمَا هُوَ (آخر الدَّوَاء الكي)
يضْرب مثلا لما يصلح بالشدة وَلَا ينجع فِيهِ اللين
وَفِي مثل (من أبعد أدوائها تكوى الْإِبِل)
٨٥ - قَوْلهم إِذا نَام ظالع الْكلاب
يضْرب مثلا لتأخير الْحَاجة ثمَّ قَضَائهَا فِي غير وَقتهَا وَذَلِكَ أَن الظالع من الْكلاب لَا يقدر أَن يعاظل مَعَ صحاحها لضَعْفه فَهُوَ يُؤَخر ذَلِك وينتظر فرَاغ آخرهَا فَلَا ينَام حَتَّى إِذا سفد كلهَا سفد هُوَ
[ ١ / ٩٧ ]
والظالع الغامز من شَيْء يُصِيب رجله
وَأَصله فِي المائل لَان الغامز إِذا غمز مَال إِلَى جَانب وَقَالَ النَّابِغَة
(وتترك خصما ظَالِما وَهُوَ ظالع )
أَي مائلا عَن الْحق
٨٦ - قَوْلهم أرسل حكيمًا وَلَا توصه
الْمثل للزبير بن عبد الْمطلب فِي أَبْيَات لَهُ مَعْرُوفَة أَولهَا
(إِذا كنت فِي حَاجَة مُرْسلا فَأرْسل حكيمًا وَلَا توصه)
(وَإِن بَاب أَمر عَلَيْك التوى فَشَاور لبيبًا وَلَا تعصه)
(وَلَا تنطق الدَّهْر فِي مجْلِس حَدِيثا إِذا أَنْت لم تحصه)
(وَنَصّ الحَدِيث إِلَى أَهله فَإِن الْوَثِيقَة فِي نَصه)
(وَذُو الْحق لَا تنتقص حَقه فَإِن القطيعة فِي نَقصه)
فَهَذَا هُوَ قَول الزبير
وَقَالَ غَيره إِذا أَرْسلتهُ وَلم توصه وَلم تعرفه مَا فِي نَفسك وَمَا تحْتَاج إِلَيْهِ من حوائجك وكلفته أَن يبلغ مرادك فِيهَا فقد سمته علم الْغَيْب
وَالصَّحِيح أَن يُقَال أرسل حكيمًا وأوصه كَمَا قَالَ الشَّاعِر
[ ١ / ٩٨ ]
(إِذا أرْسلت فِي أَمر رَسُولا فأفهمه وأرسله حكيما)
وَقَالَت الْحُكَمَاء الرَّسُول دَلِيل على عقل مرسله
وَمن أَجود مَا قيل فِي صفة الرَّسُول قَول عَمْرو بن أبي ربيعَة
(فأتتها طبة عَالِمَة تخلط الْجد مرَارًا باللعب)
(ترفع الصَّوْت إِذا لَا نت لَهَا وتراخى عِنْد سورات الْغَضَب)
وَسمع ابْن أبي عَتيق هَذَا الشّعْر فَقَالَ نَحن مُنْذُ قتل عُثْمَان ﵁ فِي طلب من هَذَا صفته لنوليه الْخلَافَة ولسنا نجده
وَقَالَ غَيره
(ترفق فِي رَسُولك يَا أَمِيري فَإِنِّي من رَسُولك فِي غرور)
(أحملهُ رسَالَاتي فينسى ويبلغك الْقَلِيل من الْكثير)
(إِذا كَانَ الرَّسُول كَذَا بليدًا تَكَسَّرَتْ الْحَوَائِج فِي الصُّدُور)
(فَأرْسل من إِ ذَا لحظته عَيْني حكى لَك طرفه مَا فِي ضميرى)
٨٧ - قَوْلهم أرغوا لَهَا حوارها تقر
يضْرب مثلا لإغاثة الملهوف بِقَضَاء حَاجته ليسكن والناقة إِذا سَمِعت
[ ١ / ٩٩ ]
رُغَاء حوارها سكنت
ويروى هَذَا الْمثل على وَجه آخر وَهُوَ (حرك لَهَا حوارها تحن) وَمَعْنَاهُ أَن تذكر الرجل بعض أشجانه فيهتاج
والمثل لمعاوية ﵁ أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عَن القعدي عَن أبي جَعْفَر عَن الْمَدَائِنِي قَالَ كتب مُعَاوِيَة إِلَى عَليّ ﵁ كتابا فِي تَسْلِيمه قتلة عُثْمَان ﵁ إِلَيْهِ ليبايعه على الْخلَافَة وأنفذه مَعَ أبي مُسلم الْخَولَانِيّ فَلَمَّا قَرَأَ عَليّ الْكتاب قَالَ من حوله كلنا قتلنَا عُثْمَان فَقَالَ أَبُو مُسلم أرى قوما لَيْسَ لَك مَعَهم أَمر وَلَو أردْت دفعهم إِلَيْنَا لمنعوك فورد على مُعَاوِيَة وَقَالَ إِن الْقَوْم قد أقرّوا بقتل ابْن عمك فاطلب بثأرك فَصَعدَ الْمِنْبَر ودعا بقميص عُثْمَان فنشره فَبكى النَّاس فَقَالَ مُعَاوِيَة (حرك لَهَا حوارها تحنّ) وَبَايَعَهُ الْقَوْم على الطّلب بِدَم عُثْمَان
فَكتب إِلَى عَليّ ﵁ (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) ثمَّ أدرج الْكتاب وَبعث بِهِ إِلَيْهِ مَعَ رجل من بني عبس وعنوانه (من مُعَاوِيَة إِلَى عَليّ) ففك عَليّ ﵇ الْكتاب فَلم ير فِيهِ شَيْئا فَقَالَ للرجل هَل أَمرك بتبليغ رِسَالَة قَالَ لَا وَلَكِن أخْبرك أَنِّي خلّفت بِالشَّام خمسين ألفا قد اخضلت لحاهم تَحت قَمِيص عُثْمَان قد رَفَعُوهُ على الرماح وعاهدوا الله أَلا يكفّوا حَتَّى يموتوا أَو يقتلُوا قتلته يتواصون بذلك ليلهم ونهارهم وَتركُوا (تعس الشَّيْطَان) وَيَقُولُونَ (تعس قَاتل عُثْمَان)
قَالَ يُرِيدُونَ مَاذَا قَالَ خيط رقبتك قَالَ تربت يداك فَقَالَ صلَة بن
[ ١ / ١٠٠ ]
زفر الْعَبْسِي أَو قبيصَة بن ضبيعة بئس وَالله الْوَافِد تخوفنا ببكاء أهل الشَّام على قَمِيص عُثْمَان فوَاللَّه مَا هُوَ بقميص يُوسُف وَلَا حزن يَعْقُوب وَلَئِن بكوا عَلَيْهِ بِالشَّام لقد خذلوه بالحجاز
ثمَّ رَحل عَليّ ﵁ إِلَى الشَّام فَكَانَت وقْعَة صفّين
٨٨ - قَوْلهم أحشفا وَسُوء كيلة
٨٩ - وَقَوْلهمْ أكسفًا وإمساكًا
يضْرب مثلا لجمعك على الرجل ضَرْبَيْنِ من الخسران ونوعين من النُّقْصَان
والكيلة ضرب من الْكَيْل مثل الْقعدَة والجلسة والحشف ردئ التَّمْر
يَقُول تُعْطِي الحشف وتسيء الْكَيْل وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
(إِن كنت لَا تلطفيني فاقبلي لطفي لَا تجمعي لي سوء الْكَيْل والحشفا)
والعامة تَقول حشفا وَسُوء كيل
وَالصَّوَاب كيلة بِالْكَسْرِ لأَنهم أَنْكَرُوا نوعا من الْكَيْل سَيِّئًا
والكيلة النَّوْع من الْكَيْل ونصبوا حشفًا بِفعل مُضْمر يُرِيدُونَ أتجمع حشفًا وعطفوا الكيلة عَلَيْهِ
وَقَوْلهمْ (أكسفا وإمساكًا) أَصله أَن يلقاك بعبوس مَعَ بخل والبشر الْحسن إِحْدَى العطيتين
وَقيل الْبشر علم من أَعْلَام النجح وَأول من مدح بالبشر عِنْد السُّؤَال زُهَيْر فِي قَوْله
[ ١ / ١٠١ ]
(ترَاهُ إِذا مَا جِئْته متهللا كَأَنَّك تعطيه الَّذِي أَنْت سائله)
وَقَالَ غَيره من الْمُحدثين
(إِذا مَا أَتَاهُ السائلون توقدت عَلَيْهِم مصابيه الطلاوة والبشر)
(لَهُ فِي بنى الْحَاجَات أيد كَأَنَّهَا مواقع مَاء المزن فِي الْبَلَد القفر)
وَقلت
(وَقد يُونُس الزوار مِنْك إِذا الْتَقَوْا سخاء عَلَيْهِ للطلاقة شَاهد)
(بَدَائِع أَفعَال تناهى جمَالهَا فهن لأعناق اللَّيَالِي قلائد)
(مشهرة فِي الْعَالمين كَأَنَّمَا على صفحات اللَّيْل مِنْهَا فراقد)
ولبعضهم على خلاف شعر زُهَيْر قَالَ
(ترَاهُ إِذا مَا جِئْته متعبسا كَأَنَّهُ بالمنقاش تنتف شَاربه)
وَقَالَ مُحَمَّد بن حَازِم الْبَاهِلِيّ فِي خلاف ذَلِك
(وَلَا يقنع الراجين أهل ومرحب )
وَنَحْوه قَول جحظة
(قَائِل إِن شدوت أَحْسَنت زِدْنِي وبأحسنت لَا يُبَاع الدَّقِيق)
٩٠ - قَوْلهم أغدة كَغُدَّة الْبَعِير وَمَوْت فِي بَيت سلوليه
يضْرب مثلا لِاجْتِمَاع نَوْعَيْنِ من الشَّرّ وَهُوَ نَحْو الأول
والمثل لعامر بن الطُّفَيْل وَقد وَفد على النَّبِي ﷺ وَمَعَهُ
[ ١ / ١٠٢ ]
أَرْبَد أَخُو لبيد فَقَالَ أسلم على أَن يكون لَك الْمدر ولى الْوَبر وَأَن تجْعَل لي الْأَمر بعْدك
فَقَالَ النَّبِي ﷺ (لَا وَلَا وبرة) فَخرج وَقَالَ لأَمْلَأَنهَا عَلَيْك خيلا جردا ورجالا مردا فَدَعَا النَّبِي ﷺ عَلَيْهِمَا فَأخذت أَرْبَد صَاعِقَة فَمَاتَ وَضربت عَامِرًا الغدة وَهِي طاعون الْإِبِل فَمَال إِلَى بَيت سلوليه وَجعل يَقُول (أغدة كَغُدَّة الْبَعِير وَمَوْت فِي بَيت سَلُولِيَّة) وسلول من أذلّ الْعَرَب وَالْمعْنَى أَنه جمع لَهُ ضَرْبَان من الذلة
وَقَالَ الشَّاعِر يذكر ذلة سلول
(إِلَى الله أَشْكُو أنني بت طَاهِرا فجَاء سلولي فَبَال على رجْلي)
(فَقلت اقطعوها بَارك الله فِيكُم فَإِنِّي كريم غير مدخلها رحلي)
٩١ - قَوْلهم أغيرة وجبنا
يضْرب مثلا للرجل يجْتَمع فِيهِ عيبان وَأَصله أَن رجلا تخلف على قتال عدوه وَترك الْحَيّ يُقَاتلُون ثمَّ رأى امْرَأَته تنظر إِلَى الْقِتَال فضربها فَقَالَت (أغيرة وجبنًا) فذمت هَذِه الْمَرْأَة الْغيرَة وَهِي من أَحْمد أَخْلَاق الرِّجَال
وَقَالَ جرير يمدح الْحجَّاج
(أم من يغار على النِّسَاء حفيظة إِذْ لَا يثقن بغيرة الْأزْوَاج)
[ ١ / ١٠٣ ]
وَقَالَ أَبُو نواس
(وَمن دون عورات النِّسَاء غيور )
قَالَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فِي المعتصم وَقد نَالَتْ الرّوم طرفا من أَطْرَاف الْمُسلمين
(يَا غيرَة الله قد عَايَنت فانتقمي تِلْكَ النِّسَاء وَمَا مِنْهُنَّ يرتكب)
(فَهَب الرِّجَال على أجرامها قتلت مَا بَال أطفالها بِالذبْحِ تنتحب)
وَهُوَ أول من قَالَ (يَا غيرَة الله) فَخرج المعتصم من وقته إِلَى الرّوم فَكَانَ فتح عمورية
وَرَأى رجل مَعَ امْرَأَته رجلا فَقتله فَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ أقتلته قَالَ نعم قَالَ أَحْسَنت وَمن يعد فعد
وَقَرِيب من معنى الْمثل قَول الشَّاعِر
(جهلا علينا وجبنًا عَن عَدوكُمْ لبئست الخلتان الْجَهْل والجبن)
٩٢ - قَوْلهم إِذا ادعيت الْبَاطِل أنجح بك
يضْرب مثلا للرجل يَدعِي الْبَاطِل فيدال مِنْهُ
وَأَصله أَن امْرَأَة من الْعَرَب كَانَت تَحت شيخ فرأت شبَابًا ينتعلون من قيام فتمنت أَن تكون تَحت أحدهم فَقَالَت (حبذا المنتعلون من قيام) فَقَالَ زَوجهَا أَنا أنتعل قَائِما فَلَمَّا رام ذَلِك ضرط فَقَالَت الْمَرْأَة (إِذا ادعيت الْبَاطِل أنجح بك) أَي أنجح بك الْبَاطِل خصمك
[ ١ / ١٠٤ ]
٩٣ - قَوْلهم إِنَّك لَا تجني من الشوك الْعِنَب
الْمثل لأكثم بن صَيْفِي وَمَعْنَاهُ إِذا ظلمت فاحذر الِانْتِصَار وَإِذا أَسَأْت فثق بِسوء الْجَزَاء
وَأَخذه الشَّاعِر فَقَالَ
(إِذا وترت امْرأ فاحذر عداوته من يزرع الشوك لَا يحصد بِهِ عنبًا)
٩٤ - قَوْلهم اخبر تقله
اخبر لَفظه لفظ الْأَمر وَمَعْنَاهُ الْخَبَر يَقُول إِذا خبرتهم قليتهم والمثل لأبي الدَّرْدَاء فِيمَا زعم بَعضهم وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَيْضا
وَشَرحه ابْن الرُّومِي فَقَالَ
(دعتني إِلَى فضل معروفكم وُجُوه مناظرها معجبه)
(فأخلفتم مَا توسمته وَقل حميد على التجربة)
(وَكنت حسبت فَلَمَّا حسبت عفى الْحساب على المحسبه)
(ظلمتكم لَا تطيب الْعُرُوق إِلَّا وأعراقها طيبه)
(فَهَل تعذروني كعذريكم بِأَن أصولكم المذنبه)
وَالْهَاء فِي تقله مثلهَا فِي قَوْلهم يَا زيد امشه وَيَا امْرُؤ استوه
وَتدْخل لبَيَان الْحَرَكَة
والقلى البغض قليته أبغضته
وَفِي الْقُرْآن ﴿إِنِّي لعملكم من القالين﴾
[ ١ / ١٠٥ ]
وَقَالَ زُهَيْر
(لعمرك والأمور مغيرات وَفِي طول المعاشرة التقالي)
(لقد باليت مظعن أم أوفى وَلَكِن أم أوفى مَا تبالي)
٩٥ - قَوْلهم أَنا تئق وصاحبي مئق فَكيف نتفق
التئق السَّرِيع إِلَى الشَّرّ والمئق السَّرِيع الْبكاء
يضْرب مثلا لسوء الْمُوَافقَة فِي الْأَخْلَاق
وَقَالُوا التئق الممتلىء غَضبا يُقَال أتأقت الْإِنَاء إِذا ملأته
والمئق الْقَلِيل الِاحْتِمَال الجزوع من أدنى مَكْرُوه
وَأَصله أَن رجلَيْنِ كَانَا فِي سفر فَسَاءَتْ أخلاقهما فَقَالَ أَحدهمَا ذَلِك وَالسّفر يُورث ضيق الْأَخْلَاق
وَقَالُوا لَا تعرف أَخَاك حَتَّى تغضبه أَو تُسَافِر مَعَه
وَسمي السّفر سفرا لِأَنَّهُ يسفر عَن الْأَخْلَاق أَي يكْشف عَنْهَا وَسميت المكنسة مسفرة لِأَنَّهَا تسفر التُّرَاب عَن وَجه الأَرْض فتنكشف كَمَا تسفر الْمَرْأَة نقابها عَن وَجههَا
وَقَالُوا الْحَرِيص وَالْمُسَافر مريضان لَا يعادان
وَقَالَ بَعضهم يمدح رجلا
(أَبْلَج بسام وَإِن طَال السّفر)
وَقَالَ عَليّ ﵁ السّفر ميزَان الْقَوْم
[ ١ / ١٠٦ ]
٩٦ - قَوْلهم أعطي العَبْد كُرَاعًا فَطلب ذِرَاعا
يضْرب مثلا للرجل الشره يعْطى الشَّيْء فَيَأْخذهُ وَيطْلب أَكثر مِنْهُ
والمثل لَام عَمْرو بن عدي جَارِيَة مَالك وَعقيل نَدْمَانِي جذيمة وَذَلِكَ أَن عَمْرو بن عدي ابْن أُخْت جذيمة فقد زَمَانا ثمَّ ظفر بِهِ مَالك وَعقيل فَقدما لَهُ طَعَاما فَأَكله واستزاد فَقَالَت أم عَمْرو (أعطي العَبْد كُرَاعًا فَطلب ذِرَاعا) ثمَّ جلس مَعَهُمَا على شراب فَجعلت تسقيهما وتدعه فَقَالَ عَمْرو
(تصد الكأس عَنَّا أم عَمْرو وَكَانَ الكأس مجْراهَا اليمينا)
(وَمَا شَرّ الثَّلَاثَة أم عَمْرو بصاحبك الَّذِي لَا تصبحينًا)
ثمَّ عرفاه فقد مَا بِهِ على جذيمة فاستجلسهما فنادماه وَلم ينادمه أحد قبلهمَا وَكَانَ يزْعم أَنه لَيْسَ فِي الأَرْض من يصلح لمنادمته ذَهَابًا بِنَفسِهِ فَكَانَ ينادم الفرقدين يشرب قدحًا وَيصب لكل كَوْكَب مِنْهُمَا قدحًا حَتَّى نادمه مَالك وَعقيل فَقَالَ متمم بن نُوَيْرَة
(وَكُنَّا كندماني جذيمة حقبة من الدهرحتى قيل لن يتصدعا)
(فَلَمَّا تفرقنا كَأَنِّي ومالكًا لطول اجْتِمَاع لم نبت لَيْلَة مَعًا)
يَعْنِي كُنَّا كالفرقدين لَا نفترق
وَقَالَ غَيره
[ ١ / ١٠٧ ]
(تَقول أرَاهُ بعد عُرْوَة لاهيًا وَذَلِكَ رزء لَو علمت جليل)
(فَلَا تحسبي أَنِّي تناسيت عَهده وَلَكِن صبري يَا أميم جميل)
(ألم تعلمي أَن قد تفرق قبلنَا خَلِيلًا صفاء مَالك وَعقيل)
٩٧ - قَوْلهم إِنَّك لَا تَشْكُو إِلَى مصمت
يضْرب مثلا لقلَّة اهتمام الرجل بشأن صَاحبه وَأَصله قَول الشَّاعِر يُخَاطب جمله
(ِإنك لَا تَشْكُو إِلَى مصمت فاصبر على الْحمل الثقيل أَو مت)
وَنَحْوه قَول الراجز
(يشكو إِلَى جملي طول السرى يَا جملي لَيْسَ إِلَيّ المشتكى)
(الدرهمان كلفاني مَا ترى شدّ الجواليق وجذبًا بالبرى)
(صبرا قَلِيلا فكلانا مبتلى )
والمصمت المشكي المعتب وَأَصله من الصمت وَهُوَ أَنَّك إِذا شكوته أعتبك فتصمت عَن الشكاية
٩٨ - قَوْلهم استنت الفصال حَتَّى القرعى
يضْرب مثلا للرجل يفعل مَا لَيْسَ لَهُ بِأَهْل وَأَصله أَن الفصال إِذا استنت
[ ١ / ١٠٨ ]
صحاحها نظرت إِلَيْهَا القرعى فاستنت مَعهَا فَسَقَطت من ضعفها والاستنان هَاهُنَا الْعَدو والقرع بثر يخرج بالفصال فتجر على السباخ فتبرأ
يُقَال قرعت الفصيل إِذا فعلت بِهِ ذَلِك كَمَا يُقَال قردته إِذا نزعت عَنهُ القردان
وَالْفرس تَقول فِي معنى هَذَا الْمثل رَأَتْ فَأْرَة خيلا تنعل فَرفعت رجلهَا
وَمِمَّا هُوَ فِي معنى هَذَا الْمثل من الشّعْر قَول بشار
(فيأيها الطَّالِب المبتغي نُجُوم السَّمَاء بسعي أُمَم)
(سَمِعت بمكرمة ابْن الْعَلَاء فأنشأت تطلبها لست ثمَّ)
وَقَول أبي تَمام
(هَيْهَات مِنْك غُبَار ذَاك الموكب )
٩٩ - قَوْلهم إِن هلك عير فَعير فِي الرِّبَاط
يضْرب مثلا للشَّيْء يقدر على الْعِوَض مِنْهُ فيستخف بفقده
والرباط الْحَبل الَّذِي ترْبط بِهِ الدَّابَّة وَسميت الْخَيل رِبَاطًا لِأَنَّهَا ترْبط بِإِزَاءِ الْعَدو فِي الثغر ويربط الْعَدو بإزائها خيله يعد كل لصَاحبه وَفِي الْقُرْآن ﴿وَمن رِبَاط الْخَيل﴾
وَقلت فِي هَذَا الْمَعْنى
(وَمن يَك ممدوحًا بنظم يصوغه فَإنَّك ممدوح بك النّظم والنثر)
(فَإِن يَك بعض الأكرمين يعقني فَإنَّك مد الْبَحْر إِن أخلف الْقطر)
[ ١ / ١٠٩ ]
وَنَحْو الْمثل قَول كثير
(هَل وصل عزة إِلَّا وصل غانية فِي وصل غانية من وَصلهَا بدل)
١٠٠ - قَوْلهم اخْتَلَط المرعى بالهمل
١٠١ - وَاخْتَلَطَ الخائر بالزباد
١٠٢ - وَاخْتَلَطَ الحابل بالنابل
كل ذَلِك يضْرب مثلا فِي اخْتِلَاط الْأَمر على الْقَوْم حَتَّى لَا يعرفوا وَجهه
والهمل الْمُهْملَة الَّتِي لَا راعي مَعهَا
و(اخْتَلَط الخاثر بالزباد) شَبيه بقَوْلهمْ (لَا يدْرِي أيخثر أم يذيب) وَأَصله الزّبد يذاب فَيفْسد وَلَا يدْرِي أيجعل سمنًا وَيتْرك زبدًا وَمِنْه قَول بشر
(فكنتم كذات الْقدر لم تدر إِذْ غلت أتنزلها مذمومة أم تذيبها)
والحابل صَاحب الحبالة وَهِي شبكة الصَّائِد
والنابل صَاحب النبل وَذَلِكَ أَن يجْتَمع القناص فيختلط أَصْحَاب النبال بأصحاب الحبائل فَلَا يصاد شَيْء وَإِنَّمَا يصاد فِي الِانْفِرَاد
١٠٣ - قَوْلهم أحشك وتروثني
يضْرب مثلا لسوء الْجَزَاء
وَهُوَ لرجل يُخَاطب فرسه يَقُول أجز لَهُ
[ ١ / ١١٠ ]
الْحَشِيش وأعلفه إِيَّاه وَهُوَ يروث عَلَيْهِ
يُقَال حش الْفرس إِذا علفه الْحَشِيش وَحش النَّار إِذا طرح عَلَيْهَا الْحَشِيش لتشتعل وَحش الْوَلَد فِي الْبَطن إِذا يبس
والحش الْبُسْتَان لُغَة مَدَنِيَّة ثمَّ سمى الكنيف حَشا لَان أهل الْمَدِينَة كَانُوا يقضون حوائجهم فِي الْبَسَاتِين والحشيش الْيَابِس من النَّبَات وَلَا يُقَال للرطب حشيش إِنَّمَا يُقَال لَهُ الرطب والكلأ والخلى مَقْصُور
وَمن أمثالهم فِي سوء الْجَزَاء قَول عبد الرَّحْمَن بن الحكم
(عَدوك يخْشَى صولتي إِن لَقيته وَأَنت عدوي لَيْسَ ذَاك بمستوى)
وَقَالَ معبد بن مُسلم
(لددتهم النَّصِيحَة كل لد فمجوا النصح ثمَّ ثنوا فقاءوا)
(فَكيف بهم وَإِن أَحْسَنت قَالُوا أَسَأْت وَإِن غفرت لَهُم أساءوا)
١٠٤ - قَوْلهم أجع كلبك يتبعك
يضْرب مثلا للئيم تذله فيطيعك
وَمثله قَول الآخر
(إكرامك الأحمق مِمَّا يُفْسِدهُ إدناؤك الأحمق مِمَّا يبعده)
(وقربه أَهْون شَيْء تفقده )
وَقلت
(داريتكم حينا فأبطرتكم وَلَيْسَ للعير سوى الضَّرْب)
وَقَالَ البحتري
(وَلَو أخفت لئيم الْقَوْم جنبني أذاته وصديق الْكَلْب ضاربه)
[ ١ / ١١١ ]
وَحبس الْمَنْصُور أرزاق الْجند وَقَالَ (أجع كلبك يتبعك) فَقيل لَهُ رُبمَا أجعته فتبع غَيْرك فوقر فِي نَفسه وَأخرج المَال وَأَعْطَاهُمْ
١٠٥ - قَوْلهم أَسَاءَ رعيًا فسقى
يضْرب مثلا للرجل يفْسد الْأَمر ثمَّ يُرِيد إِصْلَاحه فيزيده فَسَادًا
وَأَصله أَن يسىء الرَّاعِي رعي الْإِبِل نَهَاره حَتَّى إِذا أَرَادَ إراحتها إِلَى أَهلهَا كره أَن يظْهر لَهُم سوء أَثَره عَلَيْهَا فيسقيها المَاء حَتَّى تمتلىء أجوافها فيزيدها ذَلِك ضَرَرا
وَيَقُولُونَ (رعى فأقصب) وَذَاكَ أَنه إِذا أَسَاءَ رعيها وَلم يشبعها من الْكلأ لم تشرب وَإِنَّمَا الشّرْب على الْعلف
يُقَال بعير قاصب إِذا امْتنع من الشّرْب وَصَاحبه مقصب وَقَالَ الْأَصْمَعِي (أَسَاءَ رعيًا فسقى مقصبًا) يضْرب مثلا للرجل لَا يحكم الْعَمَل لصعوبته عَلَيْهِ فيميل إِلَى مَا هُوَ اهون
١٠٦ - قَوْلهم أجناؤها أبناؤها
يضْرب مثلا للرجل يعْمل الشَّيْء بِغَيْر رُؤْيَة وَلَا نظر فيتعنى فِيهِ ثمَّ يحْتَاج إِلَى نقضه
والأجناء جمع جَان وَالْأَبْنَاء جمع بَان وَهَذَا جمع قَلِيل وَمثله شَاهد وأشهاد وَصَاحب وَأَصْحَاب وَيجوز أَن يكون الْأَصْحَاب جمع صحب يجمع الصاحب صحبًا ثمَّ يجمع الصحب أصحابًا
[ ١ / ١١٢ ]
وَأَصله أَن بِنْتا لبَعض مُلُوك الْيمن أَرَادَت إنْشَاء بِنَاء كرهه أَبوهَا فَنَهَاهَا عَنهُ ثمَّ خرج فِي وَجه فَأَشَارَ عَلَيْهَا قوم بإنشائه فأنشأته فَلَمَّا رَآهُ الْملك ألزمهم هَدمه وَقَالَ (أجناؤها أبناؤها) وجعلهم البناة لإشارتهم بِالْبِنَاءِ
وَنَحْو الْمثل وَلَيْسَ مِنْهُ بِعَيْنِه
(وَمن لَا يُمكن رجله مطمئنةً ليثبتها فِي مستوى الأَرْض يزلق)
وَقَالَ بَعضهم دع الرَّأْي يغب فَإِن غبوبه يكْشف لكم عَن فصه
١٠٧ - قَوْلهم إِن ضج فزده وقرا
يضْرب مثلا للشدة على الْبَخِيل ولإذلال الرجل وَالْحمل عَلَيْهِ إِذا دخله الإباء والعزة وَمثله (إِن أعيا فزده نوطًا وَإِن جرجر فزده ثقلا) يَقُول إِذا بخل فألحح عَلَيْهِ حَتَّى تستخرج مِنْهُ
وَمثله (اعصبه عصب السلمة) والسلمة شَجَرَة مفترشة الأغصان فَإِذا أَرَادوا قطعهَا عصبوا أَغْصَانهَا أَي شدوها حَتَّى يصلوا إِلَى أَصْلهَا فيقطعوه وَقَالَ الْحجَّاج لأعصبنكم عصب السلمة
والعصب الشد عصب رَأسه إِذا شده والعصابة للرأس خَاصَّة والعصاب لسَائِر الْجَسَد
والجرجرة صَوت الْبَعِير إِذا ضجر
والنوط كل مَا علق على الْبَعِير وَغَيره وَالْجمع الأنواط ونطته نوطًا إِذا علقته وَهُوَ مَنُوط ونوط إِذا سمي بِالْمَصْدَرِ
وَيُقَال هُوَ منَاط الثريا أَي بِحَيْثُ لَا يدْرك
والنوطة أَيْضا بوتقة الصَّائِغ
[ ١ / ١١٣ ]
وَنَحْو الْمثل قَول طهْمَان
(خليلي إِنِّي الْيَوْم شَاك إلَيْكُمَا وَهل ينفع الشكوى إِلَى من يزيدها)
(وكائن ترى من ذِي هوى حيل دونه ومتبع إلْف نظرة لَا يُعِيدهَا)
١٠٨ - قَوْلهم إِن الجبان حتفه من فَوْقه
الْمثل لعَمْرو بن مامة حِين أَرَادَ جعيد قَتله فَقَالَ
(لقد عرفت الْمَوْت قبل ذوقه إِن الجبان حتفه من فَوْقه)
(كل امرىءٍ مقاتلٌ عَن طوقه والثور يحمي جلده بروقه)
يَقُول لَيْسَ يُنجي الجبان حذره من الْمنية وَنَحْوه قَول عنترة
(بكرت تخوفني الحتوف كأنني أَصبَحت عَن عرض الحتوف بمعزل)
(فأجبتها إِن الْمنية منهل لابد أَن أسْقى بِذَاكَ المنهل)
وَقَالَ المتنبي
(وَإِذا لم يكن من الْمَوْت بُد فَمن الْعَجز أَن تكون جَبَانًا)
وَقلت
(لَا تجبنن فكم جبان محجم قد مَاتَ موت الباسل المتوثب)
(وليمنح الْأَعْدَاء صلبا صلبا وَلَيْسَ للجلى بقلب قلب)
(وليغد فِي تَعب يرح فِي رَاحَة إِن الْأُمُور مريحها فِي المتعب)
[ ١ / ١١٤ ]
وَقَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي لَا ينفع مِمَّا هُوَ وَاقع التوقي
وَنَحْو هَذَا قَول المتنبي
(يَمُوت راعي الضَّأْن فِي جَهله موتَة جالينوس فِي طبه)
وَسَيَجِيءُ خبر عَمْرو بن مامة على التَّمام فِي الْبَاب الثَّالِث وَالْعِشْرين إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَحده
١٠٩ - قَوْلهم أفلت وانحص الذَّنب
١١٠ - وأفلت بجريعة الذقن
يضْرب مثلا للرجل ينجو من الهلكة بعد الإشفاء عَلَيْهَا
والمثل لمعاوية ابْن أبي سُفْيَان وَذَلِكَ أَنه أرسل رجلا من غَسَّان إِلَى الرّوم وَجعل لَهُ ثَلَاث ديات على أَن يُنَادي بِالْأَذَانِ عِنْد بَاب ملكهم فَفعل فَوَثَبَ عَلَيْهِ البطارقة ليقتلوه فَمَنعهُمْ الْملك وَقَالَ إِنَّمَا أَرَادَ مرسله أَن نَقْتُلهُ فَيقْتل كل مستأمن منا عِنْده ويهدم كل بيعَة لنا قبله ثمَّ أكْرمه وجهزه فَلَمَّا رَآهُ مُعَاوِيَة قَالَ (أفلت وانحص الذَّنب) فَقَالَ كلا إِنَّه لبهلبه ثمَّ حَدثهُ الحَدِيث فَقَالَ لقد أصَاب مَا أردْت
وَغير بَعضهم لفظ هَذَا الْمثل فَقَالَ
(حَتَّى نجوت وَمَا عَلَيْك قَمِيص )
وَفِي مثل آخر (أفلت وَله حصاص) والحصاص الْعَدو الشَّديد
[ ١ / ١١٥ ]
وَقيل هُوَ الضراط
والهلب شعر الذَّنب وَغَيره والانحصاص سُقُوط الشّعْر حَتَّى ينجرد مَوْضِعه
وَقَوْلهمْ (أفلت بجريعة الذقن) أَي أفلت من الهلكة بعد أَن قرب مِنْهَا كقرب الجرعة من الذقن
وَقيل مَعْنَاهُ أفلت وَنَفسه فِي شدقة وَلَا يُقَال انفلت عِنْد الْبَصرِيين وَالصَّوَاب عِنْدهم أفلت كَمَا يُقَال أقلع السَّحَاب وأقشع قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(وأفلتهن علْبَاء جريضا وَلَو أدركنه صفر الوطاب)
١١١ - قَوْلهم أوسعتهم سبًا وأودوا بِالْإِبِلِ
يضْرب مثلا للرجل يتهدد عدوه وَلَيْسَ على عدوه مِنْهُ ضَرَر
والمثل لكعب بن زُهَيْر قَالَه لِأَبِيهِ زُهَيْر وَكَانَ الْحَارِث بن وَرْقَاء الصَّيْدَاوِيُّ من بني أسيد أغار على إبل زُهَيْر فَذهب بهَا وبراعيها يسَار فَجعل زُهَيْر يهجوه ويتهدده فِي مثل قَوْله
(يَا حَار لَا أرمين مِنْكُم بداهية لم يلقها سوقة قبلي وَلَا ملك)
(ارْدُدْ يسارا وَلَا تعنف عَليّ وَلَا تمعك بعرضك إِن الغادر المعك)
(تعلمنها لعمر الله ذَا قسما واقدر بذرعك وَانْظُر أَيْن تنسلك)
(لَئِن حللت بجو من بني أَسد فِي دين عَمْرو وحالت بَيْننَا فدك)
[ ١ / ١١٦ ]
(ليأتنك مني منطق قذع بَاقٍ كَمَا دنس الْقبْطِيَّة الودك)
فَلَمَّا أَكثر من هجائهم وهم لَا يكترثون قَالَ لَهُ ابْنه كَعْب (أوسعهتم سبًا وأودوا بِالْإِبِلِ) أَي لَيْسَ عَلَيْهِم من هجائك إيَّاهُم كَبِير ضَرَر عِنْد أنفسهم وَقد أودوا بإبلك فأضروا بك
١١٢ - قَوْلهم ارق على ظلعك واقدر بذرعك
يُقَال للرجل يُجَاوز طوره فِي الْأَمر وَمَعْنَاهُ ارْفُقْ بِنَفْسِك فَإنَّك ظالع لَا تحملهَا على مَا لَا تطِيق وَذَلِكَ أَن الظالع لَا يُكَلف مَا يكلفه الصَّحِيح
وَا (ارق) من قَوْلهم رقيت فِي السّلم والدرجة والجبل والظالع إِذا رقى تمهل وَلم يستعجل
وَقَوْلهمْ (اقدر بذرعك) أَي تكلّف مَا تطِيق
والذرع من قَوْلهم ضَاقَ بِهِ ذرعى وَأَصله من قَوْلك ذرعت الشَّيْء إِذا قدرته بذراعك ذرعًا وَهُوَ فِي مَذْهَب قَول الْفرس مد رجلك حَيْثُ تنَال ثَوْبك
وَنَحْوه قَول الشَّاعِر
(فاعمد لما تعلو فَمَا فِي الَّذِي لَا تَسْتَطِيع من الْأُمُور يدان)
وَقَالَ عَمْرو بن معدي كرب
(إِذا لم تستطع شَيْئا فَدَعْهُ وجاوزه الى مَا تَسْتَطِيع)
[ ١ / ١١٧ ]
١١٣ - قَوْلهم إِذا جَاءَ الْحِين حَار الْعين
الْحِين الْأَجَل وَيُقَال لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ هوش
وحار تحير
وَقَالَ ناظم كتاب كليلة
(مَا لَقِي النَّاس من الْآجَال كَأَنَّهَا مصيدة الآمال)
وَلم يَقُولُوا هَاهُنَا حارت الْعين لتقدم الْفِعْل الْفَاعِل ولان الِاسْم الْمُؤَنَّث الَّذِي لَا علم فِيهِ للتأنيث وَلَيْسَ تأنيثه حَقِيقِيًّا رُبمَا ذكر مثل الْعين وَالْأُذن وَالسَّمَاء وَالْأَرْض وَقد قَالَ الشَّاعِر
(وَالْعين بالإثمد الحاري مَكْحُول )
وَلم يقل مكحولة
وَيُقَال فِي هَذَا الْمَعْنى (إِذا جَاءَ الْقدر عشي الْبَصَر) وَقَالَ نَافِع بن الْأَزْرَق لِابْنِ عَبَّاس تَقول إِن الهدهد إِذا نقر الأَرْض عرف مَسَافَة مَا بَينه وَبَين المَاء فَكيف لَا يبصر شعيرَة الفخ حَتَّى يصاد فَقَالَ ابْن عَبَّاس إِذا جَاءَ الْقدر عشي الْبَصَر
وَمثله قَول أَكْثَم بن صَيْفِي (من مأمنه يُؤْتى الحذر)
وَقَالَ الآخر
(وَكَيف توقي ظهر مَا أَنْت رَاكِبه )
أَي كَيفَ تنجو مِمَّا أَنْت حَاصِل فِيهِ
[ ١ / ١١٨ ]
وَقَالَ أَوْس بن حَارِثَة لِابْنِهِ إِنَّمَا تعز من ترى ويعزك من لَا ترى
وَقلت
(وَقد يعرض الْمَحْذُور من حَيْثُ يرتجى ويمكنك المرجو من حَيْثُ يتقى)
وَقيل لَا ينفع سهولة الْمطلب مَعَ وعورة الْقدر وَلَا يُغني الحذر إِذا حم الْقدر وَإِذا حم الْقدر دم الْبَصَر وَإِذا أبرم الْقدر حسن الظفر وَإِذا حَان الْقَضَاء ضَاقَ الْقَضَاء
وَقَالَ الشَّاعِر
(ذهب الفضاء بحيلة الْمُحْتَال )
وَمعنى قَوْله (دم الْبَصَر) أَي سد كَأَنَّهُ طلي بِشَيْء من قَوْلك دممت الْقدر إِذا طليتها بالطحال
١١٤ - قَوْلهم أتتك بحائن رِجْلَاهُ
يضْرب مثلا للرجل يسْعَى إِلَى الْمَكْرُوه حَتَّى يَقع فِيهِ
والمثل لِلْحَارِثِ بن جبلة الغساني وَكَانَ المنذربن الْمُنْذر قَالَ لحرملة بن عسلة اهج الْحَارِث ابْن جبلة فَقَالَ إِن غَسَّان أخوالي وَلَا يحسن بِي هجاؤهم
فتهدده فَقَالَ
(ألم تَرَ أَنِّي بلغت المشيبا لَدَى دَار قومِي عَفا كسوبا)
(وَأَن الْإِلَه تنصفته بألا أعق وَألا أحوبا)
[ ١ / ١١٩ ]
(وَألا أكاثر ذَا نعْمَة وَألا أرد أمرأً مستثيبا)
(وغسان قومِي هم مَا هم فَهَل ينسينهم ان اعيبا)
(فوزع بهَا بعض من يعتريك فَإِن لَهَا من معد كليبا)
فَانْتدبَ ابْن العيف فَقَالَ
(لاهم إِن الْحَارِث بن جبله زنى على أَبِيه ثمَّ قَتله)
(وَركب الشادخة المحجله فَأَي شَيْء سىء لَا فعله)
قَوْله زنى على أَبِيه أَي ضيق عَلَيْهِ وَأَصله زنأ بِالْهَمْز فَترك همزه وَهِي لُغَة
ثمَّ خرج ابْن العيف فِي جَيش الْمُنْذر لقِتَال الْحَارِث فَالْتَقوا بِعَين أباغ فَقتل الْمُنْذر وَأسر ابْن العيف فجيء بِهِ الْحَارِث فَقَالَ (أتتك بحائن رِجْلَاهُ) فأرسلها مثلا ثمَّ قَالَ لَهُ اختر إِحْدَى ثَلَاث إِمَّا أَن أطرحك من طمار وَهُوَ حصن دمشق وَإِمَّا أَن يَضْرِبك الدلامص سيافي ضَرْبَة بِالسَّيْفِ فَإِن نجوت نجوت وَإِن هَلَكت هَلَكت وَإِمَّا أَن أطرحك بَين يَدي الْأسد
فَاخْتَارَ ضَرْبَة الدلامص فَضَربهُ فدق مَنْكِبه فعولج فبرىء وَصَارَ بِهِ خبل والخبل الاسترخاء
والحائن الَّذِي حَان أَجله أَي دنا وَأتي الْحَارِث بحرملة فَحكمه فَاخْتَارَ قينتين كَانَتَا لَهُ فَأعْطَاهُ إيَّاهُمَا فَانْطَلق بهما وَنزل منزلا يشرب هُوَ وَرجل من النمر يُقَال لَهُ كَعْب فَلَمَّا سكر النمري قَالَ لَهُ قل لهَذِهِ الْحَمْرَاء تقبلني فَضَربهُ بِالسَّيْفِ وَقَالَ
(يَا كَعْب إِنَّك لَو قصرت على حسن الندام وَقلة الجرم)
[ ١ / ١٢٠ ]
(وَسَمَاع مدجنة تعللنا حَتَّى نؤوب تناوم الْعَجم)
(لوجدت فِينَا مَا تحاول من طيب الشَّرَاب وَلَذَّة الطّعْم)
(وغدوت والنمري يحسبه عَم السماك وَصَاحب النَّجْم)
(جَسَد بِهِ نضح الدِّمَاء كَمَا قنأت أنامل قاطف الْكَرم)
(وَالْخمر لَيست من أَخِيك إِذا جعلت تخون بآمن الْحلم)
وَنَحْو الْمثل قَول الشَّاعِر
(الْحِين مجلوب إِلَيْهِ الحائن )
وَقَول الآخر
(أتيح لَهُ الْقُلُوب من بطن قرقرى وَقد يجلب الشَّرّ الْبعيد الجوالب)
١١٥ - قَوْلهم إِن الشقي وَافد البراجم
الْمثل لعَمْرو بن هِنْد وَكَانَ سُوَيْد بن ربيعَة التَّمِيمِي قتل أَخا لَهُ وهرب فَقتل عَمْرو تِسْعَة من وَلَده وَحلف ليقْتلن مائَة من قومه فَقتل ثَمَانِيَة وَتِسْعين رجلا مِنْهُم إحراقًا بالنَّار فَرَأى رجل من البراجم وهم من تَمِيم الدُّخان يرْتَفع فَقَالَ إِن الْملك يطعم النَّاس فقصده فَلَمَّا دنا قَالَ لَهُ عَمْرو مِمَّن أَنْت قَالَ من البراجم قَالَ (إِن الشقي وَافد البراجم) وَأمر بِهِ فألقي فِي النَّار ثمَّ
[ ١ / ١٢١ ]
أُتِي بالحمراء بنت ضَمرَة فأحرقها وتحلل من يَمِينه فَلهَذَا ولقصة المشقر عيرت بَنو تَمِيم بحب الطَّعَام فَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
(إِذا مَا مَاتَ ميت من تَمِيم فسرك أَن يعِيش فجيء بزاد)
وَقَالَ آخر
(أَلا أبلغ لديك بني تَمِيم بِآيَة مَا يحبونَ الطعاما)
وَالْعرب تذم الشهوان الرغيب وَلِهَذَا قَالَ أعشى باهلة يمدح الْمُنْتَشِر بقلة الْأكل
(تكفيه حزة فلذ إِن ألم بهَا من الشواء ويروي شربه الْغمر)
وَقَالَ النَّبِي ﷺ (الرغب شُؤْم) يَعْنِي كَثْرَة الْأكل وَشدَّة النهم وَقَالَ الشَّاعِر
(لاتحسبن كل موقد يقرى )
[ ١ / ١٢٢ ]
١١٦ - قَوْلهم إِذا مَا القارظ الْعَنزي آبًا
يضْرب مثلا للْغَائِب لَا يُرْجَى إيابه
والقارظ الَّذِي يجتني الْقرظ
وهما قارظان الأول مِنْهُمَا يذكر بن عنزة وَكَانَ من حَدِيثه أَن خُزَيْمَة بن نهد عشق ابْنَته فَاطِمَة بنت يذكر فَقَالَ
(إِذا الجوزاء أردفت الثريا ظَنَنْت بآل فَاطِمَة الظنونا)
(ظَنَنْت بهَا وَظن الْمَرْء حوب وَإِن أوفى وَإِن سكن الحجونا)
(وحالت دون ذَلِك من هموم هموم تخرج الدَّاء الدفينا)
وَلم يعلم أَنه قَتله حَتَّى قَالَ يشبب بفاطمة
(فتاة كَأَن رضاب الْعصير بفيها يعل بِهِ الزنجيل)
(قتلت أَبَاهَا على حبها فتبخل إِن بخلت أَو تنيل)
وَقَوله أردفت أَي ردفت يَقُول إِذا رَأَيْت الجوزاء والثريا استبهم على مَوضِع نزولهم فَظَنَنْت بهم الظنون لأَنهم يرتحلون من مَوضِع إِلَى مَوضِع لقلَّة مِيَاههمْ فِي الصَّيف فَمرَّة أَقُول إِنَّهُم بمَكَان كَذَا وَأُخْرَى أَقُول بل هم بِغَيْرِهِ
وشبيه بِهَذَا قَول الآخر يذكر امْرَأَة فارقته
(وزالت زَوَال الشَّمْس عَن مستقرها فَمن مخبري فِي أَي أَرض غُرُوبهَا)
[ ١ / ١٢٣ ]
فَذهب يذكر وَخُزَيْمَة يجتنيان الْقرظ فمرا ببئر فِيهَا نحل فدلى خُزَيْمَة يذكر فِيهَا بِحَبل ليشتار الْعَسَل ثمَّ رفع الْحَبل وَقَالَ لَا أخرجك حَتَّى تزَوجنِي ابْنَتك فَاطِمَة فَقَالَ أَعلَى هَذِه الْحَال وأبى أَن يفعل فَتَركه وَانْصَرف فَمَاتَ وَوَقع الشَّرّ بَين قضاعة وَرَبِيعَة
وَالْآخر رهم بن عَامر الْعَنزي ذهب يطْلب الْقرظ فَلم يرجع وَلم يعرف لَهُ خبر وذكرهما أَبُو ذُؤَيْب فَقَالَ
(وَحَتَّى يؤوب القارظان كِلَاهُمَا وينشر فِي الْقَتْلَى كُلَيْب لِوَائِل)
وَقَالَ بشر
(فرجى الْخَيْر وانتظري إيابي إِذا مَا القارظ الْعَنزي آبا)
١١٧ - قَوْلهم احس وذق
يضْرب مثلا للشماتة بالجاني وَمَعْنَاهُ أَنَّك قد جنيت الشَّرّ على نَفسك فالق مَا فِيهِ من البلية وَهُوَ من قَول الراجز
(أيا يزِيد يَا بن عَمْرو بن الصَّعق قد كنت حذرتك آل المصطلق)
(وَقلت يَا هَذَا أطعني وَانْطَلق إِنَّك إِن كلفتني مَا لم أطق)
(ساءك مَا سرك مني من خلق دُونك مَا استحسنته فاحس وذق)
وَمر أَبُو سُفْيَان على حَمْزَة صَرِيعًا يَوْم أحد فَقَالَ ذُقْ عُقُق
مَعْنَاهُ يَا عُقُق وعقق يتَكَلَّم بِهِ فِي النداء وَلَا يُقَال رجل عُقُق وَهُوَ فعل من
[ ١ / ١٢٤ ]
العقوق
وَنَحْوه قَالَ الله تَعَالَى ﴿ليذوق وبال أمره﴾
وَقَالَ ابْن المفرغ
(فذق كَالَّذي قد ذاق مِنْك معاشر لعبت بهم إِذا أَنْت بِالنَّاسِ تلعب)
وَقَالَ غَيره
(فَذُوقُوا كَمَا ذقنا غَدَاة محجر من الغيظ فِي أكبادنا والتحوب)
وَنَحْوه قَول ابْن الرُّومِي
(أحوجه الله إِلَى مثله يَوْمًا لكَي يجزى بأفعاله)
١١٨ - قَوْلهم أشئت عقيل إِلَى عقلك
يضْرب مثلا للرجل ينْفَرد بِرَأْيهِ فَيَقَع فِي مَكْرُوه
وَعقيل تَصْغِير عَاقل مرخمًا وأشئت وأجئت وألجئت سَوَاء أشاءه يشيئه إِذا أَلْجَأَهُ وَأما شاءه يشاءه فَإِذا طر بِهِ قَالَ الشَّاعِر
(مر الحمول فَمَا شأونك نقرة وَلَقَد أَرَاك تشَاء بالأظعان)
وشآه يشآه إِذا سبقه والشأو السَّبق يُقَال لَا يدْرك شأوه أَي غَايَته فِي السَّبق
وَقَالَ الشَّاعِر فِي الْمَعْنى الأول
(وَإِنِّي قد يَشَاء إِلَيّ يَوْمًا فَلَا أنسى الْبلَاء وَلَا أضيع)
[ ١ / ١٢٥ ]
وَيُرَاد بِالْمثلِ الْحَث على الْمُشَاورَة ومجانبة الاستبداد
وَلكُل شَيْء مَادَّة ومادة الْعقل التجربة والمشورة
وَقد أحسن الشَّاعِر فِي قَوْله
(خليلي لَيْسَ الرَّأْي فِي صدر وَاحِد أشيرا عَليّ الْيَوْم مَا تريان)
وَقَالَت الرّوم نَحن لَا نملك من يستشير وَقَالَت الْفرس نَحن لَا نملك من لَا يستشير
١١٩ - قَوْلهم أَتَى أَبَد على لبد
والأبد الدَّهْر وَيُقَال لَا أفعل ذَاك أَبَد الأبيد والأبيد تبع لِلْأَبَد يضْرب مثلا للشىء الْقَدِيم ولبد النسْر السَّابِع من نسور لُقْمَان بن عَاد وَكَانَ يَأْخُذ النسْر صَغِيرا فِيمَا زَعَمُوا فيربيه حَتَّى يكبر فَإِذا مَاتَ أَخذ نسرًا آخر حَتَّى اسْتكْمل عمر سَبْعَة أنسر وَكَانَ لبد سابعًا
وَيُقَال إِن النسْر يعِيش أَرْبَعمِائَة سنة
قَالُوا وَكَانَ لما ضعف بَصَره يُمَيّز بَين الذّكر والأ نثى من ولد الذَّر ويبصر أثر الذّرة السَّوْدَاء فِي اللَّيْلَة الْمظْلمَة على الصَّفَا وَهَذَا من أكاذيبهم قَالَ النَّابِغَة
(أخنى عَلَيْهَا الَّذِي أخنى على لبد )
وَجمع الْأَبَد آباد وَشَيْء مؤبد دَائِم
[ ١ / ١٢٦ ]
وَقَالَ صَاحب الْمَقْصُورَة
(أودى بلقمان وَقد نَالَ المنى فِي الْعُمر حَتَّى ذاق مِنْهُ مَا اشْتهى)
(أعطي أَعمار نسور سَبْعَة يُفْضِي إِلَى نسر إِذا نسر خلا)
أَي مضى
والخالي الْمَاضِي
وَكَانَ معَاذ بن مُسلم طعن فِي خمسين وَمِائَة سنة فصحب بني أُميَّة فِي بعض دولتهم ثمَّ صحب بني الْعَبَّاس فَقَالَ الشَّاعِر
(إِن معَاذ بن سَالم رجل لَيْسَ لميقات عمره أمد)
(قد شَاب رَأس الزَّمَان واكتهل الدَّهْر وأثواب عمره جدد)
(قل لِمعَاذ إِذا مَرَرْت بِهِ قد ضج من طول عمرك الْأَبَد)
(يَا بكر حَوَّاء كم تعيش وَكم تسحب ذيل الْحَيَاة يالبد)
(قد أَصبَحت دَار أَدَم خربَتْ وَأَنت فِيهَا كَأَنَّك الوتد)
(تسال غربانها إِذا حجلت كَيفَ يكون الصداع والرمد)
(مصححًا كالظليم ترفل فِي برديك مثل السعير تتقد)
(صاحبت نوحًا وَردت بغلة ذِي القرنين شَيخا لولدك الْوَلَد)
(فارحل وَدعنَا فَإِن غايتك الْمَوْت وَإِن شدّ ركنك الْجلد)
[ ١ / ١٢٧ ]
١٢٠ - قَوْلهم إِحْدَى لياليك فهيسى هيسى
وَبعده
(لَا تطمعي عِنْدِي فِي التَّعْرِيس)
يضْرب مثلا للرجل ينزل بِهِ الْأَمر الصعب فَيحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّعَب
والهيس هَاهُنَا الْجد فِي السّير هاس يهيس هيسًا
والتعريس النُّزُول فِي وَجه السحر يَقُول هَذَا وَقت جدك وانكماشك فجد وانكمش وَمثله قَول الآخر
(هَذَا أَوَان الشد فاشتدي زيم)
وَقَول الآخر
(هَذَا أواني وَأَوَان المعلوب )
يَعْنِي سَيْفه
١٢١ - قَوْلهم
(إِن الحماة أولعت بالكنه وأولعت كنتها بالظنه)
يضْرب مثلا للْقَوْم بَينهم مُعَاملَة وخلطة لَا غنى بهم عَنْهَا وَلَا تزَال المشارة تقع فِيمَا بَينهم
والكنة امْرَأَة الْأَخ يُقَال لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ هم يبور وَهِي الحماة أَيْضا
والظنة التُّهْمَة وَرجل ظنين مُتَّهم
وَقَالَ عبد الحميد الْكَاتِب النَّاس أخياف مُخْتَلفُونَ وأطوار متباينون فَمنهمْ علق مضنة لَا يُبَاع وغل مَظَنَّة لَا يبْتَاع وظننت بِالرجلِ اتهمته
[ ١ / ١٢٨ ]
١٢٢ - قَوْلهم اسع بجد أَو دع
يَقُول إِن طلبت فاطلب بجد وَإِلَّا فدع فَإِنَّهُ لَا يُغني عَنْك الكد مَعَ عدم الْجد
وَالْجد الْحَظ من الْخَيْر يَجعله الله للْعَبد وَمِنْه قَول الشَّاعِر
(تقلبت إِن كل التقلب نافعي وبالجد يسْعَى الْمَرْء لَا بالتقلب)
وَنَحْوه قَول الْحَارِث بن حلزة
(فعش بجد لَا يَضرك النوك مَا أَعْطَيْت جدا)
(فضعي قناعك إِن رَأَيْت الدَّهْر قد أفنى معدا)
أَي ضعي قناعك فقد ذهب من يستحي مِنْهُ
وروى بَعضهم أَنه رأى العتابي على حمَار خير من مائَة دِينَار وَبِيَدِهِ جزرة يأكلها فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا فَقَالَ إِذا ذهب من ترجوه فَالنَّاس أقل من النَّقْد وَقلت فِي نَحْو ذَلِك
(غضبوا عَلَيْك فخلهم من لَا يعلك فَلَا يهلكا)
وَقَالَ الآخر
(عش بجد وَلَا يضرنك نوك إِنَّمَا عَيْش من ترى بالجدود)
وَقلت
(إِذا قُمْت فِي أَمر وَجدك قَاعد فلست لعمر الله فِيهِ بقائم)
[ ١ / ١٢٩ ]
١٢٣ - قَوْلهم أضرطًا وَأَنت الْأَعْلَى
يضْرب مثلا للرجل يجْتَمع لَهُ أَسبَاب الْغَلَبَة والقهر وَهُوَ مغلوب مقهور
والمثل لسليك بن سلكة التَّمِيمِي وَذَلِكَ أَنه افْتقر مرّة فَخرج على رجلَيْهِ رَجَاء أَن يُصِيب غرَّة إِنْسَان فَيذْهب بِمَالِه فَبينا هُوَ نَائِم فِي لَيْلَة مُقْمِرَة جثم عَلَيْهِ رجل وَقَالَ لَهُ استأسر فَقَالَ لَهُ سليك (اللَّيْل طَوِيل وَأَنت مقمر) فَذَهَبت مثلا ثمَّ ضمه سليك ضمة ضرط مِنْهَا وَهُوَ فَوْقه فَقَالَ (أضرطًا وَأَنت الْأَعْلَى) فَذَهَبت مثلا وَإِذا الرجل فِي مثل حَاله فاصطحبا وانضاف إِلَيْهِمَا آخر حَاله كحالهما فَمروا بالجوف وَهُوَ وَاد فرأوه ملآن من النعم فَأنى سليك الرعاء فَسَأَلَهُمْ عَن الْحَيّ فَإِذا هم خلوف بعيد مكانهم فَقَالَ أَلا أغنيكم قَالُوا بلَى فَرفع عقيرته وَقَالَ
(يَا صَاحِبي أَلا لاحى فِي الْوَادي إِلَّا عبيد وآم بَين أذواد)
(أتنظران قَلِيلا ريث غفلتهم أم تعدوان فَإِن الرّيح للعادي)
وطردوا الْإِبِل فَذَهَبُوا بهَا
وَالرِّيح الْقُوَّة وَالْغَلَبَة وَفِي الْقُرْآن ﴿وَتذهب ريحكم﴾ أَي قوتكم
[ ١ / ١٣٠ ]
١٢٤ - قَوْلهم آكل لحمي وَلَا أَدَعهُ لآكل
يضْرب مثلا للرجل يُصِيب نَفسه وعشيرته بالمكروه ويأبى أَن يصيبهم بِهِ غَيره
والمثل للعيار بن عبد الله الضَّبِّيّ وَكَانَ وَفد إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر فأنشده
(لاأذبح النازي الشبوب وَلَا أسلخ يَوْم المقامة العنقا)
(لَا آكل القت فِي الشتَاء وَلَا أخيط ثوبي إِذا هُوَ انخرقا)
القت حب أسود من ثَمَر العشب تطبخه الْعَرَب وتأكله فِي الجدب فَقَالَ لَهُ ضرار بن عَمْرو بعد ذَلِك لَو ذبحت لنا هَذَا التيس لتيس عِنْدهم وسلخته لشكرناك فَفعل فَأخْبر ضرار النُّعْمَان بذلك فأحضرره وأنشدوا الْبَيْت فَضَحِك مِنْهُ
وَكَانَ ضرار بن عَمْرو أعرج فَعمد الْعيار الى خلته فلبسها وَخرج يتعارج حَتَّى إِذا صَار إزاء النُّعْمَان قعد يتغوط فَغَضب النُّعْمَان على ضرار وَمنعه حُضُور طَعَامه حَتَّى حلف انه مَا فعل وَلَكِن الْعيار كاده فارتفع بَينهمَا الْكَلَام حَتَّى تشاتما ثمَّ وَقع بَين ضرار وَبَين أبي مرحب الْيَرْبُوعي
[ ١ / ١٣١ ]
كَلَام فنال أَبُو مرحب من ضرار فَرد عَلَيْهِ الْعيار فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان أتذب عَن ضرار وَقد فعل مَا فعل وَقلت فِيهِ مَا قلت فَقَالَ (آكل لحمي وَلَا أَدَعهُ لآكل) فأرسلها مثلا فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان (لَا تعدم من ابْن عَم نصرا) وَقيل لرجل مَا تَقول فِي ابْن الْعم فَقَالَ عَدوك وعدو عَدوك
وَنَحْو الْمثل قَول الممزق
(فَإِن كنت مَأْكُولا فَكُن خير آكل وَإِلَّا فأدركني وَلما أمزق)
١٢٥ - قَوْلهم استه أضيق
يُقَال ذَلِك للرجل يخبر عَنهُ بِالْأَمر الْجَلِيل لَا يبلغهُ قدره وَلَا يكون لَهُ عَلَيْهِ قدره
والمثل لمهلهل قَالَه حِين اخبر ان جاساسا قتل كليبًا وَكَانَ كُلَيْب سيد ربيعَة وأعز أهل زَمَانه فَكَانَ النَّاس لَا يسقون وَلَا يرعون الا مَا فضل عَن كُلَيْب وَكَانَ يَقُول أجرت وَحش أَرض كَذَا فَلَا يصاد فَقيل (أعز من كُلَيْب) فوردت نَاقَة لخالة جساس بن مرّة مَعَ إبل كُلَيْب وَكَانَت عطشى فأسرعت إِلَى المَاء فَرَمَاهَا كُلَيْب فِي ضرْعهَا فَركب جساس حَتَّى أَتَى كليبًا وَقَتله ثمَّ رَجَعَ فَمر على مهلهل وَهَمَّام بن مرّة أخي جساس وهما يضربان بِالْقداحِ وَقيل يشربان فَقَالَ همام لقد جَاءَ جساس بسوءة وَالله مَا رَأَيْت فَخذه خَارِجَة قبل الْيَوْم قطّ فَلَمَّا دنا من همام أخبرهُ الْخَبَر فَتغير وَجهه فَقَالَ مهلهل
[ ١ / ١٣٢ ]
ماشأنك وَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا لَا يكاتم صَاحبه فَقَالَ إِنَّه ذكر أَنه قتل أَخَاك كليبًا فَقَالَ (استه أضيق) ثمَّ عرف صِحَة الْخَبَر فَدَعَا قومه إِلَى الطّلب بدمه فنشبت الْحَرْب بَين بكر وتغلب واعتزلها الْحَارِث بن عباد حَتَّى قتل مهلهل ابْنه بجيرا وَقَالَ هَذَا بشسع كُلَيْب فَقَالَ الْحَارِث
(قربًا مربط النعامة مني لقحت حَرْب وَائِل عَن حِيَال)
(قربًا مربط النعامة مني إِن قتل الْكَرِيم بالشسع غالي)
(قرباها فَإِن كفى رهن أَن تَزُول الْجبَال قبل الرِّجَال)
(لم اكن من جناتها علم الله وَإِنِّي بحرها الْيَوْم صالي)
فَقَاتلهُمْ وَأسر مهلهلًا والْحَارث بن عباد مَا يعرفهُ فَقَالَ وَالله لتدلني على مهلهل أَو لَأَضرِبَن عُنُقك فَقَالَ لَهُ فَإِذا دللتك عَلَيْهِ فَأَنا آمن قَالَ نعم فتوثق مِنْهُ ثمَّ قَالَ أَنا مهلهل فَقَالَ أولى لَك وخلاه وَقَالَ
(لهف نَفسِي على عدي وَقد أشعر للحرب واحتوته اليدان)
(فَارس يضْرب الكتيبة بِالسَّيْفِ وتسمو أَمَامه العينان)
(لَيْت شعري هَل أظفرن بِأُخْرَى مثلهَا مرّة بِغَيْر أَمَان)
وَكَانَت الْحَرْب بَينهم أَرْبَعِينَ سنة حَتَّى قتل جساس وَأَخُوهُ همام بن مرّة قَتله نَاشِرَة وَكَانَ غُلَاما مَنْبُوذًا يذكر أَنه من بني تغلب فالتقطه همام فَلَمَّا الْتَقَوْا يَوْم القصيبات جعل همام يُقَاتل فَإِذا عَطش جَاءَ إِلَى قربَة يشرب مِنْهَا وَيَضَع عنزته فَوجدَ نَاشِرَة مِنْهُ غَفلَة فَشد عَلَيْهِ بالعنزة فَقتله فَقَالَ شَاعِرهمْ
[ ١ / ١٣٣ ]
(لقد عيل الْأَيْتَام طعنة ناشره أناشر لازالت يَمِينك آشره)
أَي مأشورة مَقْطُوعَة بِالْمِنْشَارِ ثمَّ لحق مهلهل بِالْيمن فَهَلَك بهَا وَقبل بل رَجَعَ إِلَى الجزيرة ثمَّ هلك
١٢٦ - قَوْلهم آخر الْبَز على القلوص
يُقَال ذَلِك عِنْد آخر الْعَهْد بالشَّيْء وَعند انْقِطَاع أَثَره وَذَهَاب أمره
وَأَصله أَن كثيف بن زُهَيْر التغلبي أغار على بكر بن وَائِل فَأسرهُ مِنْهُم مَالك ابْن كومة وَعَمْرو بن زبان فتنازعا فِيهِ كل يدعى أسره ثمَّ حكموه فَقَالَ لَوْلَا مَالك ألفيت فِي أَهلِي وَلَوْلَا عَمْرو لم أوسر أَي كِلَاهُمَا أسرني
فَغَضب عَمْرو فَلَطَمَهُ وَتَركه مَالك فِي يَده فَانْصَرف عَمْرو بِهِ وَأخذ مِنْهُ الْفِدْيَة وخلاه فَقَالَ كثيف اللَّهُمَّ إِن لم تصب بني زبان بقارعة قبل الْحول لم أصل لَك أبدا فَخرج بَنو زبان وهم سَبْعَة فِي طلب إبل لَهُم وَمَعَهُمْ رجل من غفيلة يُقَال لَو خوتعة فَلَمَّا وَقَعُوا قَرِيبا من أَرض بني تغلب انْطلق خوتعة إِلَى كثيف فَعرفهُ خبرهم فَخرج حَتَّى لحقهم فَقَالَ لَهُ عَمْرو إِن فِي وَجْهي وَفَاء من وَجهك فَخذ لطمتك مني وَلَا تشب الْحَرْب بَين بني أَبِيك وَقد أطفأها الله فَأبى وَضرب أَعْنَاقهم وَجعل رُءُوسهم فِي جوالق وعلقه فِي عنق نَاقَة لَهُم يُقَال لَهَا الدهيم فَلَمَّا رَآهَا أبوهم قَالَ اظن بني أَصَابُوا بِبَعْض نعام ثمَّ أَهْوى بِيَدِهِ فِي الجوالق فَإِذا رُءُوس بنيه فَقَالَ (آخر الْبَز على القلوص) أَي هم آخر
[ ١ / ١٣٤ ]
الْمَتَاع وَهَذَا آخر عَهدهم فَذَهَبت مثلا
وَقَالَ النَّاس (أثقل من حمل الدهيم) و(أشأم من خوتعة)
والبز مَتَاع الْبَيْت من الثِّيَاب خَاصَّة وَقَالَ الراجز
(أحسن بَيت أهرًا وبزًا )
يُقَال بَيت حسن الظهرة والأهرة إِذا كَانَ حسن الْهَيْئَة وَالْمَتَاع
١٢٧ - قَوْلهم إيت فقد أَنى لَك
أَي قرب هلاكك أَنى يأني إِذا قرب
وَأَصله أَن زبان جعل لله على نَفسه أَلا يحرم دم غفيلي أبدا حَتَّى يدلوه كَمَا دلوا عَلَيْهِ فَمَكثَ سِنِين فَبَيْنَمَا هُوَ جَالس بِفنَاء بَيته عشَاء إِذا هُوَ بِرَاكِب فَقَالَ من أَنْت فَقَالَ رجل من غفيلة فَقَالَ لَهُ (إبت فقد أَنى لَك) فَقَالَ لَهُ الغفيلي هَل لَك فِي أَرْبَعِينَ أهل بَيت من بني زُهَيْر منتدين فِي مَوضِع كَذَا فَنَادَى فِي أَوْلَاد ثَعْلَبَة فَاجْتمعُوا ثمَّ سَار حَتَّى إِذا كَانَ قَرِيبا مِنْهُم بعث مَالك بن كومة طَلِيعَة فَقَالَ مَالك فَنمت على فرسي فَمَا شَعرت حَتَّى عبت فرسي فِي مقراة بَين الْبيُوت فكبحتها فتأخرت على عقبيها فَسمِعت جَارِيَة تَقول لأَبِيهَا يَا أبه أتمشي الْخَيل على اعقابها قَالَ وماذاك يَا بنية قَالَت لقد رَأَيْت فرسا تمشي على أعقابها قَالَ نامي يَا بنية فَإِنِّي أبْغض الفتاة أَن تكون كلوء الْعين
[ ١ / ١٣٥ ]
بِاللَّيْلِ وَرجع مَالك إِلَى الزبان فَأَغَارَ عَلَيْهِم فَقتل مِنْهُم نيفًا وَأَرْبَعين رجلا وَأصَاب فيهم جيرانًا لَهُم من بني يشْكر فَقَالَ مرقش أَخُو بني قيس بن ثَعْلَبَة
(أَتَانِي لِسَان بني عَامر فَجلت أَحَادِيثهم عَن بصر)
(فَلم يشْعر الْقَوْم حَتَّى رَأَوْا بريق القوانس فَوق الْغرَر)
(ففرقنهم ثمَّ جمعنهم وأصدرنهم قبل حِين الصَّدْر)
(فيارب شلو تخطرفنه كريم لَدَى مزحف أَو مكر)
(وَآخر شاص ترى جلده كقشر القتادة غب الْمَطَر)
(وكائن بجمران من مزعف وَمن خاضع خَدّه منعفر)
وَقَالَ الزبان يعْتَذر إِلَى بني يشْكر من أَبْيَات
(وَلم نقتلكم بِدَم وَلَكِن رماح الْقَوْم تخطىء اَوْ تصيب)
١٢٨ - قَوْلهم إِن الشقي ترى لَهُ أعلامًا
جَاءَ بِهِ الْأَصْمَعِي فِي الْأَمْثَال وَمَعْنَاهُ أَن عَلَامَات شقاء الشقي بادية عَلَيْهِ وَالْفرس تَقول الديوث يعرف من بعيد وَمِمَّا بسبيل ذَلِك قَوْلهم
(وعَلى الْمُرِيب شَوَاهِد لَا تدفع )
وَقَول الآخر
(إِن الْأُمُور إِذا دنت لزوالها فعلامة الإدبار فِيهَا تظهر)
[ ١ / ١٣٦ ]
وَمن أمثالهم فِي الشَّقَاء قَوْلهم
(إِن الشقي بِكُل حَبل يخنق )
وَقَوْلهمْ
(إِن الشَّقَاء على الأشقين مصبوب )
وَقَوْلهمْ
(وبالأشقين مَا حل الْعقَاب )
١٢٩ - قَوْلهم استي أخبثي
يضْرب مثلا لوضع الأحمق الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه
وَأَصله أَن سعد بن زيد مَنَاة زوج أَخَاهُ مَالِكًا وَكَانَ يحمق النوار بنت جلّ بن عدي بن زيد مَنَاة فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة هدائها وقف بِهِ سعد على بَاب خبائها فَقَالَ لَهُ (لج مَال ولجت الرَّجْم) فَذَهَبت مثلا وَالرَّجم الْقَبْر فَدخل وَقعد حجرَة وَقَالَ لامْرَأَته لمن هَذَا الْبرد لبرد كَانَ عَلَيْهَا فَقَالَت هُوَ لَك بِمَا فِيهِ فَقَالَ أما مَا فِيهِ فَلَا أريده وَأما الْبرد فهاتيه ثمَّ قَالَت لَهُ ضع شملتك قَالَ ظَهْري أحفظ لَهَا فَقَالَت فضع الْعَصَا قَالَ يَدي أحرز لَهَا قَالَت فاخلع نعليك
[ ١ / ١٣٧ ]
قَالَ رجلاي أَحَق بهما فَقَامَتْ إِلَيْهِ فشم رَائِحَة الطّيب فَوَثَبَ عَلَيْهَا فنال مِنْهَا فَجَاءَتْهُ بِطيب ليعاودها فَجعله فِي استه فَقَالَت لَهُ طيب مفرقك فَقَالَ (استي أخبثي) فَبَاتَ عِنْدهَا ليلته فَلَمَّا أصبح حركه بَطْنه فأحدث عِنْدهَا وَقَالَ لَهَا (بقطيه بطبك) فَذَهَبت مثلا وسنفسره وَانْصَرف الى إبِله وَلم يعد إِلَيْهَا
١٣٠ - قَوْلهم است الْبَائِن أعلم
يضْرب مثلا للرجل يفعل الْفِعْل على علم وَيَأْتِي الْأَمر على بَصِيرَة
وَأَصله أَن إبِلا لأبي طماح عَمْرو بن قعين شَردت فَوَقَعت فِي بِلَاد بني عَوْف بن سعد فَركب منقذ بن الطماح فَأَنَاخَ إِلَى كسر بَيت عَظِيم وَفِيه شَاب جميل مضاجع لربة الْبَيْت قد غلبته عينه قَالَ فَلم ألبث أَن رَاح الشَّاء ثمَّ الْإِبِل وَمَعَهَا رجل على فرس فصهل الْفرس فارتاحت الْخَيل وَقَامَت العبيد فَعرفت أَنه رب الْبَيْت وَأَن الْفَتى الْمضَاجِع للْمَرْأَة لَيْسَ مِنْهَا فِي شَيْء فَدخلت الْبَيْت فاحتملت الْفَتى وأخرجته من وَرَاء الْبَيْت فَاسْتَيْقَظَ وَقَالَ قد أَنْعَمت عَليّ فَمن أَنْت قلت منقذ بن الطماح قَالَ فِي الْإِبِل جِئْت قلت نعم قَالَ أدْركْت فامكث ليلتك هَذِه عِنْد صَاحب رحلك فَإِذا أَصبَحت فَائت ذَلِك الْعلم الَّذِي ترى فقف عَلَيْهِ وناد يَا صَبَاحَاه فَإِذا اجْتمع النَّاس فَإِنِّي سآتيك على فرس ذنُوب بَين بردين مترجلًا فَأَعْرض لَك الْفرس فثب
[ ١ / ١٣٨ ]
خَلْفي وناد ياحار ياحار الْمَخَاض فَإِذا هُوَ الْحَارِث بن ظَالِم فَفعلت مَا قَالَ وحولت رحلي إِلَيْهِ فَمَكثت أَيَّامًا لَا يصنع شَيْئا ثمَّ قَالَ لي سبني تغْضب عشيرتي قلت لَا أفعل قَالَ فَقل قولا لَا يعذرني بِهِ قومِي فَمَكثت حَتَّى وَردت النعم وَجعلت أَسْقِي وأرتجز وَكَانَ فِي إبلي نَاقَة يُقَال لَهَا اللفاع فَقلت
(إِنِّي سَمِعت رنة اللفاع فِي النعم الْمقسم الأوزاع)
(لَا تؤكلي الْعَام وَلَا تضاعي ذَلِك راعيك وَنعم الرَّاعِي)
(منتطقًا بصارم قطاع يشقى بِهِ مجامع الصداع)
فاخترط الْحَارِث سَيْفه قَالَ
(هَل يخْرجن ذودك ضرب تشذيب وَنسب فِي الْحَيّ غير مأشوب)
(هَذَا أواني وَأَوَان المعلوب )
يَعْنِي سَيْفه
ثمَّ نَادَى فِي الْحَيّ من كَانَ عِنْده من هَذِه الْإِبِل شَيْء فَلَا يصدره فَردَّتْ كلهَا إِلَّا اللفاع فَانْطَلق وَانْطَلَقت مَعَه نطوف عَلَيْهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ رجلَيْنِ يحتلبانها فَقَالَ الْحَارِث خليا عَنْهَا فَلَيْسَتْ لَكمَا فَقَالَ المستعلي بل هِيَ لنا فضرط الْبَائِن والبائن الَّذِي يحلب من الشق الْأَيْمن والمستعلي الَّذِي يحلب من الشق الْأَيْسَر فَقَالَ الْحَارِث (است الْبَائِن أعلم) فَأرْسلت مثلا وَردت إِلَى منقذ فَانْصَرف بهَا
[ ١ / ١٣٩ ]
١٣١ - قَوْلهم أَصمّ عَمَّا سَاءَهُ سميع
يضْرب مثلا للرجل يتغافل عَمَّا يكره وَمن أَجود مَا قيل فِي هَذَا الْمَعْنى قَول بشار
(قل مَا بدا لَك من زور وَمن كذب حلمي أَصمّ وأذني غير صماء)
وَقيل الْعَاقِل الفطن المتغافل
وَقلت
(تغافل فَلَيْسَ السرو إِلَّا التغافل وَلَيْسَ سُقُوط الْقدر إِلَّا التعاقل)
(وَلَا تتجاهل إِن منيت بجاهل فَلَيْسَ فَسَاد الجاه إِلَّا التجاهل)
(وَلَا تتطاول إِن تطاول أَحمَق فرأس حماقات الرِّجَال التطاول)
وَقَالَ الْأَحْنَف وجدت الْحلم أنْصر لي من الرِّجَال
وَقَالَ الْحجَّاج لِابْنِ الْقرْيَة مَا الْأَدَب قَالَ تجرع الغصة حَتَّى تنَال الفرصة
وَقَالَ خَالِد بن صَفْوَان شهِدت عَمْرو بن عبيد وَرجل يشتمه فَقَالَ آجرك الله على مَا ذكرت من صَوَاب وَغفر لَك مَا ذكرت من خطأ فَمَا حسدت أحدا حسدي عمرا على هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ
وَقَالَ غَيره أَغضّ على القذى وَإِلَّا فَإنَّك لَا ترْضى أبدا
وَقلت فِي مَعْنَاهُ
(وَإنَّك إِن أذيت بِكُل سوء فَلَيْسَ بمنقض أبدا أذاكا)
[ ١ / ١٤٠ ]
١٣٢ - قَوْلهم است الْمَرْأَة أَحَق بالمحمر
الْمثل للأحنف بن قيس أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عبد الْوَهَّاب بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنَا الْعَقدي قَالَ حَدثنَا أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن الْحَارِث عَن الْمَدَائِنِي عَن مشيخة بني محَارب عَن عبد الرَّحْمَن بن سكن عَن أَبِيه أَن الْأَحْنَف لم تتَعَلَّق عَلَيْهِ إِلَّا سِتّ خِصَال قَوْله فِي أَمر الزبير لما أَتَاهُ الْحمانِي فَقَالَ هَذَا الزبير قد مر آنِفا فَقَالَ مَا أصنع بِهِ قد جمع بَين غارين فَقتل بَعضهم بَعْضًا ثمَّ يُرِيد أَن ينجو إِلَى أَهله فَتَبِعَهُ ابْن جرموز فَقتله فَقَالَ النَّاس قَتله الْأَحْنَف
وَقَالَ حِين أَتَاهُ كتاب الْحسن بن عَليّ ﵄ يستنصره قد بلونا حسنا وَآل أبي حسن فَلم نجد لَهُم إيالةً فِي الْملك وَلَا صِيَانة لِلْمَالِ وَلَا مكيدةً فِي الْحَرْب وَلم يجبهُ
وَقَوله أَيَّام أبي مَسْعُود للْمَرْأَة الَّتِي أَتَتْهُ بمجمرة فَقَالَت تجمر فَقَالَ (است الْمَرْأَة أَحَق بالمجمر) وَقَوله للمتات بن يزِيد اسْكُتْ يَا أويدر وَكَانَ آدر
وَقَوله للقطري بن الْفُجَاءَة إِن أَبَا نعَامَة إِن أَشَارَ على الْقَوْم فَرَكبُوا البغال وحثوا الْخَيل وَأَصْبحُوا بِبَلَد وأمسوا بِغَيْرِهِ فأقمن أَن يطول أَمرهم فَأخذ قطري بن الْفُجَاءَة بقوله
وَأَتَاهُ رجل فَلَطَمَهُ فَقَالَ وَلم لطمتني قَالَ جعل لي جعل على أَن ألطم سيد بني تَمِيم قَالَ فَإنَّك أَخْطَأت سيد بني تَمِيم سيد بني تَمِيم جَارِيَة بن قدامَة فلطم الرجل جَارِيَة فَقطع يَده فَقَالَ النَّاس إِنَّمَا قطع يَده الْأَحْنَف
[ ١ / ١٤١ ]
أخبرنَا أَبُو أَحْمد قَالَ أخبرنَا المبرمان قَالَ حَدثنَا جَعْفَر بن القتبي عَن القتبي قَالَ أول خَليفَة أَخذ الْجَار بالجار وَالْوَلِيّ بالولي سُلَيْمَان بن عبد الْملك قَالَ فَدخل عَلَيْهِ فَتى ظريف وعَلى رَأس سُلَيْمَان جَارِيَة حسناء قَائِمَة فَجعل الْفَتى يديم النّظر إِلَيْهَا فَقَالَ سُلَيْمَان هَات سَبْعَة أَمْثَال قيلت فِي الاست وَهِي لَك فَقَالَ الْفَتى (است لم تعود المجمر) قَالَ وَاحِد قَالَ (استي أخبثي) قَالَ اثْنَان قَالَ (است الْمَسْئُول أضيق) قَالَ ثَلَاثَة قَالَ (است الْبَائِن أعلم) قَالَ أَرْبَعَة قَالَ (من الله عَلَيْك واستك) قَالَ خَمْسَة قَالَ (الْحر يُعْطي وَالْعَبْد تيجع استه) قَالَ سِتَّة قَالَ (لَا ماءك أبقيت وَلَا حرك أنقيت) قَالَ لَيْسَ هَذَا من ذَاك قَالَ الْفَتى أخذت الْجَار بالجار كَمَا يفعل أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ خُذْهَا لابارك الله لَك فِيهَا
١٣٣ - قَوْلهم أريها السها وتريني الْقَمَر
يضْرب مثلا لمن تخاطبه فيبعد فِي الْجَواب
الْمثل لِابْنِ ألغز وَكَانَ عَظِيم الذّكر فَإِذا وَاقع امْرَأَة ذهب عقلهَا فأنكرت امْرَأَة ذَلِك وَقَالَت سأجرب فَلَمَّا وَاقعهَا قَالَ لَهَا أَيْن السها وَهُوَ كَوْكَب صَغِير فِي بَنَات نعش قَالَت هَا هُوَ ذَا وأشارت إِلَى الْقَمَر فَضَحِك وَقَالَ (أريها السها
[ ١ / ١٤٢ ]
وتريني الْقَمَر) فَلَمَّا كَانَ أَيَّام الْحجَّاج شكي إِلَيْهِ خراب السوَاد فَحرم لُحُوم الْبَقر ليكْثر الْحَرْث فَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
(شَكَوْنَا إِلَيْهِ خراب السوَاد فَحرم فلينا لُحُوم الْبَقر)
(فَكَانَ كَمَا قيل من قبلنَا أريها السها وتريني الْقَمَر)
ويتمثل بِهِ فِي الْخَطَأ
١٤٣ - قَوْلهم أرتعن أجلى أَنى شِئْت
يضْرب مثلا للرجل يحمد فِي أَحْوَاله كلهَا وللرجل أَنى جِئْته وجدت عندم مَا تريده
والمثل لحنيف الحناتم وَكَانَ بَصيرًا بِالْإِبِلِ ومراعيها فَسئلَ أَي بِلَاد أفضل مرعىً قَالَ خياشيم الخزن والصمان قيل ثمَّ مَاذَا قَالَ (أرتعن أجلى أَنى شِئْت) أَي ارع بأجلى كَيفَ شِئْت
وَأجلى مَوضِع مَعْرُوف
وَيُقَال رتعت الْإِبِل أَي رعت وأرتعتها أَنا
ويروى (أرها أجلى أَنى شَاءَت)
وَفِي معنى الْمثل قَول زُهَيْر فِي هرم
(إِلَى هرم صَارَت ثَلَاثًا من اللوى فَنعم مسير الواثق الْمُتَعَمد)
(سَوَاء عَلَيْهِ أَي حِين أَتَيْته أساعة نحس ينقى ام بِأَسْعَد)
[ ١ / ١٤٣ ]
١٣٥ - قَوْلهم أَبى أَبى اللبأ
يضْرب مثلا للَّذي يهار بِخَير وَلم يصل إِلَيْهِ
ويهار يغبط قالته جَارِيَة كَانَ لَهَا أَب شيخ كَبِير وَأَخ وَهُوَ قيم الْحَيّ وَكَانَ أَخُوهَا يخلفها على أَبِيهَا لتغاره الطَّعَام وَتقوم عَلَيْهِ وَكَانَ قد فرض لَهُ من طَعَامه اللبأ فَكَانَت الْجَارِيَة تستأثر بِهِ على أَبِيهَا فتأكله وتجفوه فنحل جِسْمه فَلَمَّا رَآهُ ابْنه أنكر سوء حَاله فعاتب أُخْته وَقَالَ مَا بَال اللبأ ينْحل عَلَيْهِ الْجِسْم فَقَالَت (أَبى أبي اللبأ) وأمخطت فِي أذن الشَّيْخ فَقَالَ بني لَا أنطاه أَي لَا أعطَاهُ
وأمخطت وَقعت
١٣٦ - قَوْلهم إِذا حككت قرحَة أدميتها
يضْرب مثلا للرجل الْمُصِيب بالظنون فَإِذا ظن فَكَأَنَّهُ رأى
والمثل لعَمْرو بن الْعَاصِ قَالَه حِين قتل عُثْمَان ﵁ وَكَانَ مِمَّن اعتزل الْفِتْنَة فِيهِ وَقَالَ إِنَّه سيقتل وَذَلِكَ حِين أَبى أَن يخلع نَفسه وأبى النَّاس أَن يَلِي عَلَيْهِم فَلَمَّا قتل قَالَ (إِذا حككت قرحَة أدميتها) أَي إِذا ظَنَنْت الظَّن أصبت كَأَنِّي بلغت مُنْتَهى الرَّأْي وَهُوَ على مَذْهَب قَول أَوْس بن حجر
(الألمعي الَّذِي يظنّ بك الظَّن كَأَن قد رأى وَقد سمعا)
[ ١ / ١٤٤ ]
وَنَحْو قَول الآخر
(ألمعي الظنون متقد الذِّهْن أعانته فطنة وذكاء)
(مخلط مزيل معن مفن كل دَاء لَهُ لَدَيْهِ دَوَاء)
وَقلت
(بَصِير لَهُ دون العواقب فكرة تكشف عَن رَأْي وَرَاء العواقب)
وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ إِذا أَنا لم أعلم مالم أر فَلَا علمت مَا رَأَيْت
وَقَالَ آخر
(ألوت بإصبعها وَقَالَت إِنَّمَا يَكْفِيك مِمَّا لَا ترى مَا قد ترى)
١٣٧ - قَوْلهم است لم تعود المجمر
يضْرب مثلا للرجل يَأْتِي مَا لَا يَلِيق بِهِ وَلَا يُبَالِي
والمثل لحاتم الطَّائِي وَحَدِيثه أَن ماوية بنت عفزر كَانَت ملكةً لَا تتَزَوَّج إِلَّا من أَرَادَت فَبعثت غلمانًا لَهَا ليأتوها بأوسم من يجدونه بِالْحيرَةِ فجاءوها بحاتم فَقَالَت لَهُ استقدم إِلَى الْفراش فَقَالَ لَا حَتَّى يحضر صاحبان لي قَالَت فاستدخل المجمر قَالَ (است لم تعود المجمر) فسقته خمرًا فَجعل يهريقها بِالْبَابِ وَهِي لَا ترَاهُ تَحت اللَّيْل فَلَمَّا أعياها أمره أَمرته أَن ينْطَلق فيأتيها بصاحبيه فَقَالَ لَهما أتكونان عَبْدَيْنِ لابنَة عفزر ترعيان لَهَا أحب إلَيْكُمَا أم تقتلكما
[ ١ / ١٤٥ ]
قَالَا كل هَذَا نَقصه وَبَعض الشَّرّ أَهْون من بعض أَي نتبع أَثَره إِن أَقَمْنَا بِالْحيرَةِ فَقَالَ النَّجَاء فَمَضَوْا وَقَالَ
(أيا أخوينا من جديلة إِنَّمَا تسامان خسفًا مستبينًا فبكرا)
(وَإِنِّي لمزجاء الْمطِي على الوجى وَمَا أَنا من خلانك ابْنة عفزرا)
(رأتني كأشلاء اللجام وَلنْ ترى أَخا الْحَرْب إِلَّا ساهم الْوَجْه أغبرا)
(أَخُو الْحَرْب إِن عضت بِهِ الْحَرْب عضها وَإِن شمرت عَن سَاقهَا الْحَرْب شمرا)
ثمَّ اشتاقها فجَاء يخطبها هُوَ وَزيد الْخَيل وَأَوْس بن حَارِثَة بن لأم فَقَالَت لَهُم ليصف كل إِنْسَان مِنْكُم نَفسه فَقَالَ زيد انا زيد الْخَيل تَفْخَر بِي طىء على الْعَرَب ولي مرباع كل غنيمَة وغزوت ثَلَاثًا وَسبعين غَزْوَة وَلم تثكل فِيهَا طائية ولدا وَلم تفجع فِيهَا بحليل وَلم أخب فِي شَيْء مِنْهَا ثمَّ إِنِّي لم أرد سَائِلًا وَلم ألاج جَاهِلا وَلم أنطق بَاطِلا وَلم أَبَت على وغم
فَقَالَ أَوْس أول مَا أخذت من لحيتي قَامَت سعدى فالتقطت كل شَعْرَة سَقَطت مِنْهَا فأعتقت بهَا نسمَة من معد
فَقَالَ حَاتِم أنهبت مَالِي ثَلَاث عشرَة مرّة وَأحلت لي طىء أموالها آخذ مَا شِئْت وأدع مَا شِئْت
قَالَت هاتوا بذلك شعرًا فَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُم قصيدةً يمدح بهَا نَفسه فَقَالَت أما أَنْت يَا زيد فَرجل قد وترت الْعَرَب فمقام الْحرَّة مَعَك قَلِيل وَأما أَنْت يَا اوس فَرجل
[ ١ / ١٤٦ ]
ذُو ضرائر وَالدُّخُول عَلَيْهِنَّ شَدِيد وَأما أَنْت يَا حَاتِم فَرجل قريب المنتسب كريم المنصب وَقد تَزَوَّجتك ورضيتك
فَتَزَوجهَا
وَقيل إِن حاتمًا جاءها وَعِنْدهَا النَّابِغَة الذبياني وَرجل من النبيت يخطبانها فَأَهْدَتْ إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم جزورًا فنحروها فَلبِست ثيابًا رثَّة وَجَاءَت تستطعمهم فَأَعْطَاهَا النَّابِغَة ذَنْب الْجَزُور والنبيتي عِظَام ظهرهَا وحاتم سنامها فَلَمَّا اجْتَمعُوا عِنْدهَا أمرت بِإِخْرَاج مَا أعطوها وَوَضَعته بَين أَيْديهم فَلَمَّا رأى النَّابِغَة والنبيتي ذَلِك خجلا وانصرفا فَتزوّجت حاتما
١٣٨ - قَوْلهم أنضج أَخُوك ثمَّ رمد
يضْرب مثلا للرجل يصلح الْأَمر ثمَّ يُفْسِدهُ
وَأَصله أَن ينضج الرجل اللَّحْم ثمَّ يطرحه فِي الرماد فيفسده
وَنَحْوه قَول دُرَيْد
(يفْسد مَا اصحله الْيَوْم غَدا )
١٣٩ - قَوْلهم استراح من لَا عقل لَهُ
والمثل لعَمْرو بن الْعَاصِ قَالَه لوَلَده فِي كَلَام يَقُول فِيهِ (وَال عَادل خير من مطر وابل وَأسد حطوم خير من وَال ظلوم ووال ظلوم خير من فتْنَة تدوم عَثْرَة الرجل عَظِيم يجْبر وعثرة اللِّسَان لَا تبقي وَلَا تذر) وَقَالَ (استراح من لَا عقل لَهُ) مَعْنَاهُ أَن الْعَاقِل كثير الهموم والتفكر فِي الْأُمُور
[ ١ / ١٤٧ ]
وَلَا يكَاد يتهنأ بِشَيْء والأحمق لَا يفكر فِي شَيْء فيهتم
وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى ذهب الْقَائِل
(الصعو يصفر آمنا ولأجله حبس الهزار لِأَنَّهُ يترنم)
(لَو كنت أَجْهَل مَا علمت لسرني جهلي كَمَا قد سَاءَنِي مَا أعلم)
وَقَالَ المتنبي
(ذُو الْعقل يشقى فِي النَّعيم بعقله وأخو الْجَهَالَة فِي الشقاوة ينعم)
وَقلت
(أواصل الْهم فِي ضيق وَفِي سَعَة كَأَن بيني وَبَين الْهم أرحاما)
(إِن الَّذِي عظمت فِي النَّاس همته رأى السرُور جوىً والوفر إعداما)
وَقيل لِلْحسنِ مَا لنا نرَاك واجمًا فَقَالَ غمي مكتسب من عَقْلِي وَلَو كنت جَاهِلا لَكُنْت فِي دعة من عيشي
وَيَقُولُونَ هم الدُّنْيَا على الْعَاقِل
وَقيل معنى الْمثل استراح الصَّبِي الَّذِي لَا عقل لَهُ فَهُوَ لَا يفكر فِي شَيْء من مُسْتَقْبل الْعَيْش
وَرَأى الْحسن صبيانًا يَلْعَبُونَ فَقَالَ مذ فارقناكم لم نر يَوْمًا طيبا
وَقَالَ الشَّاعِر فِي معنى الأول
(ألف الهموم وساده وتجنبت كسلان يصبح فِي الْمَنَام ثقيلا)
وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(وَهل يعمن إِلَّا سعيد مخلد قَلِيل الهموم مَا يبيت بأوجال)
[ ١ / ١٤٨ ]
قيل أَرَادَ الصَّبِي
والمخلد المقرط
والخلدة القرط
وَفِي الْقُرْآن ﴿ولدان مخلدون﴾ قَالُوا مقرطون وَلَو أَرَادَ الخلود لم يخص الْولدَان وَقيل أَرَادَ الأحمق
والمخلد الَّذِي شاخ وَبَقِي سَواد شعره يُقَال رجل مخلد إِذا كبر وَلم يشب وَجعله أسود الشّعْر لِأَنَّهُ لَا يهتم بالشَّيْء أصلا لِأَن الشيب مِمَّا يهم الأحمق والعاقل جَمِيعًا فَإِذا بَقِي سَواد شعره كَانَ أقل لهمه
١٤٠ - قَوْلهم احفظي بَيْتك مِمَّن لَا تنشدين
أَي مِمَّن لَا تعرفينه فتنشدينه أَي تطلبينه
والنشدان الطّلب والناشد الطَّالِب
والمنشد الْمُعَرّف
وَقَوْلهمْ أنْشدك الله أَي أحلفك بِاللَّه لتصدقني عَمَّا أطلبه مِنْك
١٤١ - قَوْلهم ألصق الْحس بالأس
وَمَعْنَاهُ ألصق الشَّرّ بأوصل الأعادي تذْهب فروعهم بذهاب الأَصْل
والحس الْقَتْل المستأصل والأس الأَصْل وَهُوَ مثل الأس وَفِي الْقُرْآن ﴿إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ﴾ أَي تقتلونهم
وأحسست الشَّيْء أحسه إِذا وجدته
وَفِي الْقُرْآن ﴿هَل تحس مِنْهُم من أحد﴾
[ ١ / ١٤٩ ]
١٤٢ - قَوْلهم إِن أضاخًا منهل مورود
يضْرب مثلا للرجل المغشي الْكثير الْخَيْر
وأضاخ مَوضِع مَعْرُوف
١٤٣ - قَوْلهم أطرقي أم عَامر
يضْرب مثلا للرجل يتَكَلَّم كثيرا وَلَا يجوز كَلَامه
وَأم عَامر الضبع
١٤٤ - قَوْلهم إِحْدَى حظيات لُقْمَان
١٤٥ - وَقَوْلهمْ أضرطًا آخر الْيَوْم
يُقَال الأول للشَّيْء يستهان بِهِ وَهُوَ مخوف
والحظيات تَصْغِير الحظوات
والحظوة سهم لَا نصل لَهُ
وَأَصله أَن عَمْرو بن تقن طلق امْرَأَته فَتَزَوجهَا لُقْمَان بن عَاد فَسَمعَهَا تَقول مرّة بعد أُخْرَى لَا فَتى إِلَّا عَمْرو فَقَالَ لُقْمَان وَالله لأقتلن عمرا فتكمن لَهُ فِي أَعلَى شَجَرَة على مَاء فجَاء عَمْرو ليسقي إبِله فَرَمَاهُ لُقْمَان فِي ظَهره فَقَالَ حسن إِحْدَى حظيات لُقْمَان فانتزعها ثمَّ أنزلهُ من فَوق الشَّجَرَة وَأَرَادَ أَن يعرفهُ ضعفه وقصوره عَنهُ فَقَالَ لَهُ استق فَلَمَّا نَزغ دلوًا ضرط فَقَالَ عَمْرو (أضرطًا آخر الْيَوْم) فَصَارَ مثلا للرجل يخْتم
[ ١ / ١٥٠ ]
أمره بشر عمله وَأَرَادَ عَمْرو قَتله فَضَحِك لُقْمَان وَقَالَ كَانَت فُلَانَة تحذرنيك فآبى قَالَ فَإِنِّي أهبك لَهَا فَلَا تعد
فَدخل لُقْمَان عَلَيْهَا وهم يَقُول لَا فَتى إِلَّا عَمْرو فَقَالَت أَلقيته قَالَ نعم ووهبني لَك
قَالَت أحسن إِذا أَسَأْت وَاحْذَرْ غب الْإِسَاءَة بعد الْإِحْسَان أَي احذر ان تسيء إِلَيْهِ بعْدهَا وَنَحْو الْمثل قَول وَعلة
(وَالشَّيْء تحقره وَقد ينمى )
١٤٦ - قَوْلهم اقلب قلاب
يُقَال ذَلِك للشَّيْء يذكر أَنَّك أردته فَتَقول اقلبه فَإِنِّي أردْت خِلَافه وَهُوَ نَحْو قَول الْعَامَّة اقلبه حَتَّى يَسْتَوِي
وَأَصله أَن زُهَيْر بن جناب وَفد على بعض الْمُلُوك وَمَعَهُ أَخُوهُ عدي بن جناب وَكَانَ عدي يحمق فَلَمَّا دخلا على الْملك شكا الْملك إِلَى زُهَيْر عِلّة نَالَتْ أمه فَقَالَ عدي اطلب لَهَا كمرة حارة فَغَضب الْملك وَأمر بقتْله فَقَالَ لَهُ زُهَيْر إِنَّمَا أَرَادَ الكمأة فَقَالَ (اقلب قلاب) أَي إِنَّمَا أردْت كمرة الرِّجَال
فَعرف حمقه وَأَظنهُ خلى سَبيله
وقلاب فعال من الْقلب مثل نزال
[ ١ / ١٥١ ]
١٤٧ - قَوْلهم أم فرشت فأنامت
يضْرب مثلا للرجل يُبَالغ فِي الْبر بالقوم والعطف عَلَيْهِم حَتَّى كَأَنَّهُ أم فرشت لابنها فَنَامَ وَسكن وَمِنْه قَول الشَّاعِر
(وَكنت لَهُ عَمَّا لطيفًا ووالدًا رءوفًا وَأما مهدت فأنامت)
أخبرنَا أَبُو أَحْمد عَن الْجَوْهَرِي عَن أبي زيد عَن ابْن عَائِشَة قَالَ سَمِعت بعض أَصْحَابنَا يذكر أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ لما تشاغل بِأَهْل الرِّدَّة واستبطأته الْأَنْصَار فَقَالَ كلفتموني أَخْلَاق رَسُول الله ﷺ فوَاللَّه مَا ذَلِك عِنْدِي وَلَا عِنْد أحد وَلَكِنِّي وَالله مَا أُوتى من مَوَدَّة لكم وَلَا حسن رَأْي فِيكُم وَكَيف لَا نحبكم فوَاللَّه مَا وجدت لنا وَلكم مثلا إِلَّا مَا قَالَ الطُّفَيْل الغنوي لبني جَعْفَر
(جزى الله عَنَّا جَعْفَر حِين أشرفت بِنَا نعلنا فِي الواطئين فزلت)
(همو خلطونا بالنفوس وألجئوا إِلَى حجرات أدفأت وأكنت)
(أَبَوا أَن يملونا وَلَو أَن أمنا تلاقي الَّذِي يلقون منا لملت)
(فذو المَال موفور وكل معصب إِلَى حجرات أدفأت وأظلت)
١٤٨ - قَوْلهم - إِنَّك من طير الله فانطقي
يضْرب مثلا للرجل يدْخل فِي الْأَمر لَا يدْخل فِيهِ مثله
وَأَصله فِيمَا زعم أَن الطير صاحت فصاحت الرخم فَقيل لَهَا ذَلِك يهزأ بهَا
[ ١ / ١٥٢ ]
١٤٩ - قَوْلهم إِن وجدت لشفرة محزا
١٥٠ - وَقَوْلهمْ إِن وجدت إِلَيْهِ فاكرش
أَي إِن وجدت إِلَيْهِ سَبِيلا وَأَصله أَن قوما طبخوا شَاة فِي كرشها فَضَاقَ فَم الكرش عَن بعض عظامها فَقيل للطباخ أخرجهَا فَقَالَ إِن وجدت الى ذَلِك فاكرش
أخبرنَا أَبُو أَحْمد قَالَ أخبرنَا المبرمان عَن أبي جَعْفَر عَن القتبي قَالَ دخل النُّعْمَان بن زرْعَة على الْحجَّاج حن أَرَادَ النَّاس على الْكفْر فَقَالَ أَمن أهل الرس والرهمسة أم من أهل النَّجْوَى والشكوى أم من أهل المحاشد والمخاطب والمراتب قَالَ أصلح الله الْأَمِير بل من شَرّ من كُله فَقَالَ وَالله لَو وجدت إِلَى دمك فاكرش لشربت الْبَطْحَاء مِنْك
والرس هَاهُنَا التَّعْرِيض بالشتم رس بالشتم إِذا أَتَى مِنْهُ بِالْبَعْضِ من غير إفصاح يُقَال بَلغنِي رس من خبر وذرء من خبر إِذا بلغك مِنْهُ طرف
والرهمسة نَحْو ذَلِك أَرَادَ أَنَّك مِمَّن يَشْتمنِي ورائي أم من أهل النَّجْوَى أَي السرَار بِالتَّدْبِيرِ عَليّ والشكوى أَي مِمَّن يشكو أمرا ويقدح فِينَا
وَنَحْوه قَول حُذَيْفَة إِن الْفِتْنَة تنْتج بالنجوى وتلقح بالشكوى
وَمن أهل المحاشد أَي مِمَّن يحشد عَليّ أَي يجمع
والمخاطب والمراتب أَي يخْطب فِي ذَلِك عِنْد من يطْلب عِنْده الْمرتبَة وَالْقدر
وَقَالَ الأموى يُقَال لقِيت من فلَان فاكرش إِذا لقِيت مِنْهُ
[ ١ / ١٥٣ ]
الْمَكْرُوه كُله لِأَن الكرش إِذا فتحت خرج من فمها مَا فِيهَا وانشد ثَعْلَب
(لَو رأى فاكرش لبلهصا )
أَي لَو وجد سَبِيلا الى الْهَرَب لهرب
١٥١ - قَوْلهم أسمع جعجعةً وَلَا أرى طحنًا
مَعْنَاهُ أسمع جلبةً وَلَا أرى عملا
والجعجعة هَاهُنَا الصَّوْت
وَفِي مَوضِع آخر الإلجاء إِلَى الْمضيق
يُقَال جعجع بِهِ إِذا أَلْجَأَهُ إِلَى الْمضيق قَالَ اَوْ قبيس بن الأسلت
(من يذقْ الْحَرْب يجد طعمها مرا وتتركه بجعجاع)
والطحن بِالْكَسْرِ الدَّقِيق وبالفتح الْمصدر من طحن طحنا
١٥٢ - قَوْلهم إِذا قطعن علما بدا علم
مَعْنَاهُ إِذا فَرغْنَا من أَمر مُتْعب جَاءَ امرآخر مثله
وَالْعلم هَاهُنَا الطربال الْمَنْصُوب فِي الطَّرِيق يهتدى بِهِ وَمن هَذَا سمي آيَات الْأَنْبِيَاء ﵈ أعلامًا للاستدلال بهَا وَالْعلم الْجَبَل أَيْضا وَفِي الْقُرْآن ﴿وَله الْجوَار الْمُنْشَآت فِي الْبَحْر كالأعلام﴾ يَعْنِي الْجبَال قَالَت الخنساء
[ ١ / ١٥٤ ]
(كَأَنَّهُ علم فِي رَأسه نَار)
وَمن الأول قَوْلهم هَذِه أَعْلَام الشَّيْء أَي دلائله وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ لعلم للساعة﴾
١٥٣ - قَوْلهم أسعد أم سعيد
أَي هُوَ مِمَّا يكره أَو مِمَّا يحب وَهُوَ مثل قَول الْعَامَّة آس أم حلفاء
وَأَصله أَن سَعْدا وسعيدًا بني ضبة خرجا فِي وَجه فَرجع سعد وفقد سعيد فَكَانَ ضبة إِذا رأى شَخْصَيْنِ من بعيد قَالَ (أسعد أم سعيد) وَسَنذكر حَدِيثه فِي الْبَاب السَّادِس
١٥٤ - قَوْلهم أبدح ودبيح
يَقُولُونَ جَاءَ بأبدح ودبيح إِذا جَاءَ بِالْبَاطِلِ وَلم يعرف أَصله
١٥٥ - قَوْلهم أسمحت قرونته وقرينته
أَي نَفسه وأسمحت أَي أطاعت وانقادت يَقُول تابعته نَفسه على الْأَمر وَقد يُقَال أصحبت قرونته بِمَعْنى أسمحت والإسماح الانقياد والسماح
[ ١ / ١٥٥ ]
والسماحة الْجُود وَقد سمح وَهُوَ سمح وَلَا يُقَال سامح وَهُوَ الأَصْل وأصحبت الرجل إِذا تَبعته منقادًا لَهُ وأصحبته إِذا حفظته وَفِي الْقُرْآن ﴿وَلَا هم منا يصحبون﴾ وَقَالَ الشَّاعِر
(وصاحبي من دواعي الشَّرّ مصطحب )
أَي مَحْفُوظ
١٥٦ - قَوْلهم أصيد الْقُنْفُذ أم لقطَة
يُقَال ذَلِك لِلْأَمْرِ لَا يدرى من أَي الصِّنْفَيْنِ هُوَ واللقطة مَا التقطته فَاحْتَجت إِلَى تَعْرِيفه وَمن أمثالهم فِي الْقُنْفُذ قَوْلهم (بَات بليلة أنقد) إِذا لم ينم ليلته وَبَات يسري
والأنقد الْقُنْفُذ لِأَن الْقُنْفُذ لَا ينَام اللَّيْل
قَالَ الشَّاعِر
(كقنفذ الرمل لَا تخفى مدارجه خب إِذا نَام ليل النَّاس لم ينم)
وَيُشبه بِهِ النمام لخبثه واضطرابه فِي ليله قَالَ عَبدة بن الطَّبِيب
(قوم إِذا دمس الظلام عَلَيْهِم حدجوا قنافذ بالنميمة تمزع)
[ ١ / ١٥٦ ]
١٥٧ - قَوْلهم أبعد الوهي ترقعين وَأَنت مبصرة
يضْرب مثلا للرجل يَأْتِي الْخَطَأ على بَصِيرَة وتمثل بِهِ عَليّ ﵁
أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عَن الْعَقدي عَن ابْن جَعْفَر عَن الْمَدَائِنِي عَن جمَاعَة ذكرهم قَالُوا قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ لمعاوية فِي بعض أَيَّام صفّين أَلا أَدْعُو عليا إِلَى المبارزة قَالَ لَا تفعل فَإِنَّهُ مَا بارزه أحد إِلَّا قَتله فبرز لَهُ رجل يُقَال لَهُ عُرْوَة من أهل دمشق فَقَالَ يَا أَبَا حسن قد كره مُعَاوِيَة وَعَمْرو مبارزتك فَهَلُمَّ فَقَالَ لقنبر دونكه فبرز لَهُ قنبر فَقتله فَقَالَ عَليّ أما إِنَّه لقد أصبح من النادمين
وبارز عبد الرَّحْمَن بن مُحرز الْكِنْدِيّ رجلا من أهل الشَّام فَقتله عبد الرَّحْمَن وَنزل فسلبه وَإِذا الْمَقْتُول حبشِي فَقَالَ إِنَّا لله لمن عرضت نَفسِي وَحلف لَا يبارز أحدا حَتَّى يعرفهُ
وَقتل قيس بن جلان الْكِنْدِيّ رجلا من عك فَقَالَ
(لقد علمت عك بصفين أننا إِذا الْتَقت الخيلان قطعتها شزرا)
(ونحمل رايات الْحُقُوق بِحَقِّهَا فنوردها بيضًا ونصدرها حمرا)
فَقَالَ عنمة بن زُهَيْر الْأنْصَارِيّ لعَلي ﵁ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ سَمِعت عَمْرو بن الْعَاصِ يَقُول
(أضربكم وَلَا أرى أَبَا حسن كفى بِهَذَا حزنا من الْحزن)
[ ١ / ١٥٧ ]
فَقَالَ عَليّ لقد ترك مَكَاني وَهُوَ يعرفهُ وَلكنه كَمَا قَالَ الأول (أبعد الوهي ترقعين وانت مبصرة)
١٥٨ - قَوْلهم أَو مرنًا مَا أُخْرَى
يُرَاد بِهِ أَو يكون الْأَمر على خلاف ذَلِك
وَهُوَ مثل أَن يَقُول لَك الرجل لأغيظنك أَنا وَقد يُقَال أَو مرسًا مَا أُخْرَى
وَلَعَلَّه من قَوْلهم مرن على الشَّيْء إِذا اسْتمرّ عَلَيْهِ فَيكون مَعْنَاهُ أَو تستمر على أَمر آخر ومرن الثَّوْب إِذا لَان والمرن الْأَدِيم المدلوك الملين
والمرس أَيْضا الرجل الشَّديد المراس
والمرس الْحَبل
١٥٩ - قَوْلهم إِن تنفري فقد رَأَيْت نَفرا
مَعْنَاهُ إِن تفزعي فقد رَأَيْت مَا يفزعك
والنفر هَاهُنَا النفور يُقَال نفر عَن الشَّيْء نفارًا ونفورًا فَأَما النَّفر فَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي قَوْلهم نفر الْجرْح نَفرا إِذا ترامي إِلَى فَسَاد
وَنَفر الرجل نَفرا إِذا خرج فِي وَجه وَفِي الْقُرْآن ﴿مَا لكم إِذا قيل لكم انفروا فِي سَبِيل الله اثاقلتم إِلَى الأَرْض﴾ ونافرة الرجل بَنو عَمه
والنفر مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة
[ ١ / ١٥٨ ]
١٦٠ - قَوْلهم انْقَطع السلى فِي الْبَطن وَانْقطع قوي من قلوية
يضْرب مثلا لِلْأَمْرِ يتَفَاوَت والسلى للحوار بِمَنْزِلَة المشيمة للصَّبِيّ وَإِذا انْقَطع فِي الْبَطن هَلَكت النَّاقة فَأَما الحولاء فجلدة فِيهَا مَاء أصفر يَبْرق كَأَنَّهَا مرْآة تسْقط مَعَ الْوَلَد فَإِذا وصف الأَرْض بِالْخصْبِ قيل كَأَنَّهَا حولاء وتركتهم فِي مثل حولاء أَي فِي خصب وسعة قَالَ الشَّاعِر
(على حولاء يطفو السخد فِيهَا فراها الشيذمان عَن الْجَنِين) والسخد بَوْل الحوار فِي بطن أمه والشيذمان الْقيم على الشئ
١٦١ - قَوْلهم اسمح يسمح لَك
أَي سهل يسهل عَلَيْك
١٦٢ - قَوْلهم أعرض ثوب الملبس
هَكَذَا قرأناه عَن الْأَصْمَعِي وقرأناه عَن أبي عُبَيْدَة عرض ثوب الملبس يضْرب مثلا للرجل يُقَال لَهُ مِمَّن أَنْت فَيَقُول من مُضر أَو ربيعَة وَمَا أشبه ذَلِك أَي عممت وَلم تخص وَذكرت مطلبًا عريضا لَا يخاط بِهِ وَمثله قَوْلهم (أَعرَضت القرفة) وَهُوَ أَن يُقَال لَك من سرقك فَتَقول رجل من
[ ١ / ١٥٩ ]
أهل خُرَاسَان أَو من أهل الْعرَاق والقرفة من قَوْلهم قرفته بِكَذَا إِذا رميته بِهِ وقذفته وَأكْثر مَا يكون الْقَذْف فِي الزِّنَا والقرف فِي السّرقَة
وَيُقَال فلَان قرفتي أَي الَّذِي أَتَّهِمهُ أَنه سرقني وقرفت الشَّيْء واقترفته أَيْضا إِذا كسبته
وَفِي الْقُرْآن ﴿بِمَا كَانُوا يقترفون﴾ أَي يكتسبون وقرفت القرحة إِذا قشرت جلدهَا من وَجههَا وقرف كل شَيْء قشره
١٦٣ - قَوْلهم اوهيت وهيا فارقعه
١٦٤ - وَقَوْلهمْ اتَّسع الْخرق على الراقع
يُقَال ذَلِك للرجل أفسد الشَّيْء فَيُؤْمَر بإصلاحه
والوهي هَاهُنَا الْخرق فِي الشَّيْء وَهِي يهي إِذا انخرق وَأَصله الضعْف يُقَال وَهِي الشَّيْء وهوواه إِذا ضعف ورقعت الْخرق رقعًا وَأَنا راقع وَمن أمثالهم (اتَّسع الْخرق على الراقع) مَعْنَاهُ قد زَاد الْفساد حَتَّى فَاتَ التلافي وَهُوَ من قَول ابْن حمام الزدى
(كَالثَّوْبِ إِن أنهج فِيهِ البلى أعيا على ذِي الْحِيلَة الصَّانِع)
(كُنَّا نداريها وَقد مزقت واتسع الْخرق على الراقع)
[ ١ / ١٦٠ ]
١٦٥ - قَوْلهم أَهْون هَالك عَجُوز فِي عَام سنة
١٦٦ - وَقَوْلهمْ أَهْون مظلوم سقاء مروب
يضْرب الأول مثلا للشَّيْء يستخف بفقده والأخير للشَّيْء لَا يحفل بضياعه
وَقيل يضْرب للرجل الذَّلِيل المستضعف والترويب أَن تجْعَل الروبة فِي اللَّبن والروبة الخميرة ثمَّ يمخض وَقيل هُوَ أَن يلف السقاء حَتَّى يبلغ
وظلمه إِذا شربه قبل إِدْرَاكه قَالَ الشَّاعِر
(وقائلة ظلمت لكم سقائي وَهل يخفى على العكد الظليم)
والعكدة أصل اللِّسَان
وَقَالَ أَبُو زيد المروب قبل اسْتِخْرَاج الزّبد والرائب بعد استخراجه وَرُبمَا قَالُوا (أَهْون مظلوم عَجُوز معقومة) والمعقومة الَّتِي لَا تَلد وَهِي معقومة وعقيم وَقد عقمت
وأصل الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه وَمِنْه قَوْله (ظلامون للجزر) أَي ينحرونها من غير عِلّة وَقيل يعقرونها وَإِنَّمَا حَقّهَا أَن تنحر وَيُقَال فلَان شَاعِر فَيُقَال وَمَا ظلمه أَي مَا مَنعه عَن ذَلِك
[ ١ / ١٦١ ]
١٦٧ - قَوْلهم أعذر من أنذر
أَي أَقَامَ الْعذر من خوف قبل الْفِعْل
وَيُقَال أعذر الرجل إِذا بلغ أقْصَى الْعذر وَعذر إِذا قصر وَإِذا اعتذر وَلم يَأْتِ بِعُذْر
وَفِي الْقُرْآن ﴿وَجَاء المعذرون من الْأَعْرَاب﴾
وَقَوْلهمْ من عذيري من فلَان أَي من يعذرني مِنْهُ والعذير مصدر بِمَنْزِلَة النكير فَأَما قَول النَّبِي ﷺ (لن يهْلك النَّاس حَتَّى يعذروا) فَإِنَّهُ من قَوْلهم أعذر الرجل إِذا كثرت ذنُوبه وعيوبه
وَقيل حَتَّى يعذروا من يعذبهم أَي يقيموا لَهُ عذرا وَأما قَوْلهم تعذر عَليّ الْأَمر فَمَعْنَاه ضَاقَ عَليّ وَسميت الْعَذْرَاء عذراء لضيقها وَيُقَال اعتذر الرجل إِذا أَتَى بِعُذْر وَاعْتذر إِذا لم يَأْتِ بِعُذْر وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا تعتذروا لن نؤمن لكم﴾ وَأما قَول لبيد
(وَمن يبك حولا كَامِلا فقد اعتذر )
فَمَعْنَاه فقد اتى بِعُذْر
[ ١ / ١٦٢ ]
١٦٨ - قَوْلهم آثرا مَا
١٦٩ - وَقَوْلهمْ أول صوك وبوك
يُقَال افْعَل ذَاك أول صوك وبوك أَي أول كل شَيْء
وافعله آثراما وأثرًا مَا وآثر ذِي أثير كل ذَلِك إِذا أَمر بِتَقْدِيم الْعَمَل على غَيره وأنشدوا
(وَقَالُوا مَا تشَاء فَقلت ألهو إِلَى الإصباح آثر ذِي أثير)
قَالَ الْمفضل افعله آثرًا مَا أَي افعله مؤثرًا لَهُ على غَيره
وَقَالَ الْأَصْمَعِي أَي افعله عَازِمًا عَلَيْهِ وَقيل افعله إيثارًا لَهُ على غَيره وَينصب على الْمصدر
قَالَ أَبُو بكر يُقَال مَا بِهِ صوك وَلَا بوك أَي مَا بِهِ حَرَكَة فَكَأَن معنى قَوْلهم (افعله أول صوك وبوك) أَي قبل أَن يَتَحَرَّك غَيْرك لَهُ ويسبقك إِلَيْهِ
١٧٠ - قَوْلهم أعلم بهَا من غص بهَا
أَي من ولي الْأَمر ومارسه كَانَ أعلم بِهِ مِمَّن بعد عَنهُ وفارقه
وَالْفرس تَقول المائح أعلم بِمِقْدَار المَاء فِي الْبِئْر من الماتح والمائح الَّذِي ينزل الْبِئْر إِذا قل المَاء فَيمْلَأ الدَّلْو وَهُوَ أصل قَوْلهم ماحه إِذا أعطَاهُ واستماحه إِذا طلب مِنْهُ
والماتح المستقي من رَأس الْبِئْر على بكرَة متح متحًا والنازع الَّذِي يَسْتَقِي من غير بكرَة وَقد نزع نزعا
[ ١ / ١٦٣ ]
١٧١ - قَوْلهم إِن ألبها لَهَا
مَعْنَاهُ أَن جد الْقَوْم وجماعتهم لَهُم لَا لَك وَهُوَ من قَوْلهم تألبوا عَلَيْهِ إِذا اجْتَمعُوا وَنَذْكُر أَصله فِي الْبَاب الثَّامِن وَالْعِشْرين إِن شَاءَ الله تَعَالَى
١٧٢ - قَوْلهم أسرِي عَلَيْهِ بلَيْل
يضْرب مثلا لِلْأَمْرِ قد تقدم فِيهِ وَسبق إِلَى إبرامه والعامة تَقول أَمر عمل بلَيْل وَمثله قَول عنترة
(إِن كنت أزمعت الْفِرَاق فَإِنَّمَا زمت ركابكم بلَيْل مظلم)
وَقَالَ آخر
(زحرت بهَا لَيْلَة كلهَا فَجئْت بهَا مؤيدًا خنفقيقا)
والمؤيد والخنفقيق اسمان من أَسمَاء الداهية وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿بَيت طَائِفَة مِنْهُم غير الَّذِي تَقول﴾ وكل أَمر تفكر فِيهِ لَيْلًا حَتَّى أبرم فقد بَيت وَإِنَّمَا خص اللَّيْل لِأَن البال بِاللَّيْلِ أخلى والفكر أجمع
وَنَحْوه قَوْله تَعَالَى ﴿إِن ناشئة اللَّيْل هِيَ أَشد وطأ وأقوم قيلًا﴾ أَي هِيَ أبلغ فِي الْقيام للصَّلَاة وَأبين فِي الْقِرَاءَة
وناشئة اللَّيْل ساعاته وكل مَا حدث فقد نَشأ
[ ١ / ١٦٤ ]
١٧٣ - قَوْلهم أَمر دون عُبَيْدَة الوذم
وأوله
(وَقد هَمَمْت بِذَاكَ إِذْ حبست وَأمر دون عُبَيْدَة الوذم)
يضْرب مثلا للرجل يقطع الْأَمر دونه وَهُوَ مِمَّا يهجى بِهِ قَالَ جرير
(وَيقْضى الْأَمر حِين تغيب تيم وَلَا يستأذنون وهم شُهُود)
والوذم سيور تشد بهَا أَطْرَاف الْعِرَاقِيّ وَالْجمع الأوذام وذم دلوك توذيمًا فَكل سير قددته مستطيلًا فَهُوَ وذم وَكَذَلِكَ اللَّحْم
وَقَالَ عَليّ ﵁ لأنفضنكم نفض الجزار الوذام التربة فقلبه أَصْحَاب الحَدِيث فَقَالُوا التُّرَاب الوذمة
١٧٤ - قَوْلهم أَنْكَحنَا الفرا فسنرى
يُرَاد فعلنَا الْفِعْل وَنَنْظُر عاقبته
وَنَحْوه قَول الله تَعَالَى ﴿عَسى ربكُم أَن يهْلك عَدوكُمْ ويستخلفكم فِي الأَرْض فَينْظر كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ أَي فَينْظر أولياءه كَمَا قَالَ ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله﴾ مَعْنَاهُ يُؤْذونَ أولياءه فَإِن الله تَعَالَى لَا يلْحقهُ الْأَذَى
والفرأ الْحمار الوحشي وَالْجمع فراء
وَمِنْه قَوْلهم (كل الصَّيْد فِي جَوف الفرا) وسنفسره
[ ١ / ١٦٥ ]
وتلخيص معنى الْمثل أَنا جَمعنَا بَين الْحمار والأتان نَنْظُر مَا ينْتج هَذَا الْجمع وَيضْرب مثلا لِلْأَمْرِ يَجْتَمعُونَ على المشورة فِيهِ ثمَّ ينظر عَمَّا ذَا يصدرون مِنْهُ
١٧٥ - قَوْلهم أنف فِي السَّمَاء واست فِي المَاء
يضْرب مثلا للمتكبر الصَّغِير الشَّأْن وَمِنْه قَول الزاجر وَهُوَ الْأَعْشَى
(أنوفهم ملفخر فِي أسلوب وَشعر الأستاه بالجبوب)
الأسلوب الطَّرِيقَة يُقَال أَخذ فِي أساليب من القَوْل أَي فِي طرق مِنْهُ والجبوب يَعْنِي الأَرْض
وَخرجت خَارِجَة بخراسان فَقيل لقتيبة بن مُسلم لَو وجهت إِلَيْهِم وَكِيع بن أبي سود قَالَ وَكِيع رجل عَظِيم فِي أَنفه خنزوانة وَفِي رَأسه نعرة وَإِنَّمَا أَنفه فِي أسلوب وَمن عظم كبره اشْتَدَّ عجبه وَمن أعجب بِرَأْيهِ لم يشاور كفيئًا وَلم يؤامر نصيحًا وَمن تفرد بِالنّظرِ لم يكمل لَهُ الصَّوَاب وَمن تبجح بالانفراد وفخر بالاستبداد كَانَ من الصَّوَاب بَعيدا وَمن الخذلان قَرِيبا وَالْخَطَأ مَعَ الْجَمَاعَة خير من الصَّوَاب مَعَ الْفرْقَة وَإِن كَانَت الْجَمَاعَة تخطىء والفرقة تصيب وَمن تكبر على عدوه حقره وَإِذا حقره تهاون بأَمْره وَمن تهاون بخصمه ووثق بِفضل قوته قل احتراسه وَمن قل احتراسه كثر عثاره وَمَا رَأَيْت عَظِيم الْكبر صَاحب حَرْب إِلَّا كَانَ منكوبا وَلَا وَالله حَتَّى يكون عدوه عِنْده وخصمه فِيمَا يغلب عَلَيْهِ أسمع من
[ ١ / ١٦٦ ]
فرس وَأبْصر من عِقَاب وَأهْدى من قطاة وأخذر من عقعق وَأَشد إقدامًا من الْأسد وأوثب من الفهد وأحقد من جمل وأروغ من ثَعْلَب وأعذر من ذِئْب وأسخى من لافظة وأشح من ظَبْي وَأجْمع من ذرة وأحرس من كلب وأصبر من ضَب فَإِن النَّفس تسمح من الْعِنَايَة على قدر الْحَاجة وتتحفظ على قدر الْخَوْف وتطلب على قدر الطمع وتطمع على قدر السَّبَب
١٧٦ - قَوْلهم أودى درم
قَالَ أَبُو بكر يضْرب مثلا للرجل يقتل وَلَا يطْلب بثأره ودرم رجل من بني شَيبَان قتل وَلم يثأر بِهِ
وَقَالَ غَيره يُرَاد بِهِ هلك الْأَمر وتفاوت
ودرم رجل بعث رائدًا ففقد
وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ درم بن دب ابْن مرّة بن ذهل بن شَيبَان وَكَانَ النُّعْمَان يَطْلُبهُ فظفر بِهِ أَصْحَابه فأرادوا حمله إِلَيْهِ فَمَاتَ فِي أَيْديهم فَلَمَّا رَآهُمْ سَأَلَهُمْ عَنهُ فَقَالُوا (أودى درم) أَي هلك فَذَهَبت مثلا فِي كل شَيْء يهْلك وَيذْهب قَالَ الْأَعْشَى
(وَلم يود من أَنْت تسْعَى لَهُ كَمَا قيل فِي الْحَرْب أودى درم)
وَأَصله من قَوْلهم رجل أدرم وَامْرَأَة درماء إِذا لم يكن لعظامه حجم والدرمان تقَارب الخطو درم فَهُوَ دارم
[ ١ / ١٦٧ ]
١٧٧ - قَوْلهم أَحمَق بلغ
يُقَال ذَلِك للرجل يدْرك حَاجته على حمقه وَنَحْوه قَول الشَّاعِر
(قد يرْزق الأحمق المأفون فِي دعة وَيحرم الأحوذي الأرحب الباع)
(كَذَا السوام تصيب الأَرْض ممرعة والأسد منزلهَا فِي غير إمراع)
وَقَالُوا قد يكل الحسام وَيقطع الكهام وَقد تنبوا الرقَاق وتكبو الْعتاق وَلَا تجْرِي الْأَقْسَام على قدر الأفهام وَلَا الأرزاق على مبلغ الْأَخْلَاق
وَقيل فِي قريب من هَذَا الْمَعْنى رب حَظّ أدْركهُ غير طَالبه ودر أحرزه غير حالبه
وَقيل فِي الْمَعْنى الأول الْعجب لما يجْرِي بِهِ الْقدر من التوسيع على العجزة والتضييق على الحزمة وَالسَّبَب الَّذِي يدْرك بِهِ الْعَاجِز طلبته هُوَ الَّذِي يحاول بَين الحازم وَحَاجته
١٧٨ - قَوْلهم أَخُوك أم الذِّئْب
يُقَال ذَلِك للشَّيْء ترتاب بِهِ فِي ظلمَة وَلَا تستبينه تَقول أَتَانِي فلَان حِين تَقول أَخُوك أم الذِّئْب
وَفِي مثل آخر هُوَ فِي معنى هَذَا الْمثل (أبك أم بالذئب)
والمثل لتأبط شرا وَذَلِكَ أَنه خرج والشنفرى فِي ثَلَاثِينَ رجلا من فهم غازين حَتَّى وردوا بِلَاد بني أَسد فَسَمِعُوا صَوت يعر وَهُوَ أَن تَأْخُذ التيس فتربطه على شَجَرَة وتحفر دونه زبيةً فتغطيها فَيَصِيح فَيسمع الذِّئْب صياحه فَإِذا جَاءَ إِلَيْهِ وَقع فِي الزيبة فصبروا حَتَّى وَقع الذِّئْب
[ ١ / ١٦٨ ]
فِي الزبية وَجَاء غُلَام يرميه فَخَرجُوا عَلَيْهِ فاقتحم الزبية مَعَ الذِّئْب فَجعلُوا يرمونه بِالْحِجَارَةِ والنبل وَجعل تأبط شرا يَقُول أبك أم بالذئب حَتَّى قَتَلُوهُ وَإِذا هُوَ ابْن الْأَفْطَس فَهَرَبُوا وطلبهم الْأَفْطَس حَتَّى واقعهم فَلم يقدر مِنْهُم على شَيْء فَقَالَ الشنفرى
(خرجنَا من الْوَادي الَّذِي عِنْد مشعل وَبَين الجبا هَيْهَات أنشأت سربتي)
(أَمْشِي على الأَرْض الَّتِي لم تضرني لأنكي قوما أَو أصادف حمتي)
(أَمْشِي على أَيْن الْغُزَاة وَبعدهَا يقربنِي مِنْهَا رواحى وغدوتي)
١٧٩ - قَوْلهم أنكحيني وانظري
يضْرب مثلا للرجل يكون لَهُ منظر وَلَا مخبر لَهُ وَهُوَ كَقَوْلِهِم (ترى الفتيان كالنخل وَمَا يدْريك مَا الدخل)
وَفِي هَذَا الْمَذْهَب قَول حسان
(لابأس بالقوم من طول وَمن عرض جسم البغال وأحلام العصافير)
فَأَخذه ابْن الرُّومِي فَقَالَ
(طول وَعرض بِلَا عقل وَلَا أدب فَلَيْسَ يحسنإالا وَهُوَ مصلوب)
[ ١ / ١٦٩ ]
وَقَالَ
(جمال أخي النهى كرم وَخير وَلَيْسَ جماله عرض وَطول)
١٨٠ - قَوْلهم إِذا رَأَيْت الرّيح عاصفًا فتطامن
أَي إِذا رَأَيْت الْأَمر غَالِبا لَك فاخضع لَهُ
وَقَالَ أَبُو الطمحان
(بني إِذا مَا سامك الضيم قاهر مقيت فبعض الذل أوقى وأحرز)
(وَلَا تحم من بعض الْأُمُور تعززًا فقد يُورث الذل الطَّوِيل التعزز)
وَمثله قَول صَاحب كليلة لَا يرد الْعَدو الْقوي بِمثل الخضوع لَهُ وَمثله مثل الرّيح العاصف يسلم مِنْهَا العشب للينه لَهَا وانثنائه مَعهَا وتتقصف فِيهَا الشّجر الْعِظَام لانتصابه لَهَا
وَقلت فِي هَذَا الْمَعْنى
(إِن كنت تسلم من شغب الزَّمَان وَلَا أعْطى السَّلامَة مِنْهَا كلما شغبا)
(فالعاصفات إِذا مرت على شجر حطمنه وتركن الليف والعشبا)
١٨١ - قَوْلهم الْأَخْذ سريط وَالْقَضَاء ضريط
يَقُول إِن الَّذِي يَأْخُذ بِالدّينِ يَأْخُذ بِسُرْعَة وسهولة وَإِذا جَاءَ صَاحب الدّين يَقْتَضِيهِ ضرط بِهِ وسخر مِنْهُ والسريط من السرط وَهُوَ سرعَة
[ ١ / ١٧٠ ]
البلع
سرطت الشَّيْء إِذا بلعته وَمِنْه سمي الفالوذ صرطراطا لسرعة مروره فِي الْحلق
وَمثله قَوْلهم (الْأَخْذ سلجان وَالْقَضَاء ليان) الليان المطل لواه يلويه ليًا وليانًا إِذا مطله وَفِي الحَدِيث (لي الْوَاجِد ظلم) والواجد الْغَنِيّ والوجد الْغنى وَفِي الْقُرْآن ﴿من وجدكم﴾ وَقَالَ ذُو الرمة
(تطيلين لياني وَأَنت مليئة وَأحسن ياذات الوشاح التقاضيا)
والسلجان سرعَة الابتلاع أَيْضا سلج اللُّقْمَة سلجًا وسلجانًا إِذا بلعها بِسُرْعَة ويروى (الْأَخْذ سريطي وَالْقَضَاء ضريطي)
١٨٢ - قَوْلهم أَخذه أَخذ سَبْعَة
قَالَ الْأَصْمَعِي يَعْنِي اللبؤة يُخَفف ويثقل يُقَال سبع وَسبع
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي أَرَادَ سَبْعَة من الْعدَد وَإِنَّمَا قيل سَبْعَة لِأَنَّهُ أَكثر مَا يستعملونه وَفِي كَلَامهم سبع سموات وَسبع أَرضين وَسَبْعَة أَيَّام
١٨٣ - قَوْلهم أجن الله جباله
قَالَ الْأَصْمَعِي أجن الله جبلته أَي خلقته أَي سترهَا فِي الْقَبْر
وَقيل يَعْنِي الْجبَال الَّتِي يسكنهَا أَي أَكثر فِيهَا الْجِنّ
[ ١ / ١٧١ ]
١٨٤ - قَوْلهم الله أعلم مَا حطها من رَأس يسوم
يُرَاد أَن الله أعلم بِالنِّيَّاتِ
وَأَصله أَن رجلا نذر شَاة يذبحها وَيتَصَدَّق بلحمها فَمر بيسوم وَهُوَ جبل فَرَأى رَاعيا فَقَالَ لَهُ أتبيع شَاة من غنمك قَالَ نعم فاشتراها مِنْهُ وَأمره بذبحها عَنهُ وَولى فذبحها الرَّاعِي عَن نَفسه فَذكر ذَلِك للرجل فَقَالَ (الله أعلم مَا حطها من رَأس يسوم)
وَذكر بَعضهم أَن الْألف فِي قَوْلنَا (الله) زِيَادَة وَمَجْرَاهُ مجْرى الْألف فِي قَوْلنَا الرجل وَالدَّار وَقَالَ غَيره هِيَ بدل من الْهمزَة فِي (الْإِلَه) وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقول النَّاس يَا ألله وَلَا يَقُولُونَ يَا الرجل وَيَا الدَّار وَقَالَ أَصْحَاب القَوْل الأول أَصله (لاه) وأنشدوا
(كحلفة من أبي رَبَاح يسْمعهَا لاهه الْكِبَار)
وَقَالُوا الْألف وَاللَّام فِيهِ للتعريف على معنى الِاسْتِحْقَاق وَالتَّسْلِيم كَمَا يُقَال فلَان الْخَطِيب وَفُلَان الشَّاعِر أَي هُوَ مُسْتَحقّ لهَذَا الِاسْم وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ الْألف وَاللَّام فِيهِ للتعريف بِمَنْزِلَة الْألف وَاللَّام فِي (النَّاس) وأصل النَّاس (أنَاس) لِأَن (النَّاس) قد يكون نكرَة فيفارقه الْألف واللا و(الله) لَا يجوز فِيهِ ذَلِك
١٨٥ - قَوْلهم اطلع عَلَيْهِم ذُو عينين
هَكَذَا جَاءَ الْمثل وَمَعْنَاهُ أَنه اطلع عَلَيْهِم مطلع ورآهم رَاء
[ ١ / ١٧٢ ]
١٨٦ - قَوْلهم اضطره السَّيْل إِلَى الْعَطش
يضْرب مثلا للرجل يضطره السعَة إِلَى الضّيق وَيَقُولُونَ فِي الدُّعَاء (رَمَاه الله بِالْحرَّةِ تَحت القرة) والحرة الْعَطش وَرجل حران أَي عطشان والقرة الْبرد
١٨٧ - قَوْلهم أرخ يَديك واسترخ إِن الزِّنَاد من مرخ
أَي خفض عَلَيْك فِي الطّلب فَإِن صَاحبك كريم وَإِذا كَانَت الزِّنَاد من مرخ اكْتفي بِالْقَلِيلِ من الْقدح والمرخ شجر يُقَال لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ سمن يكثر ناره وَمثله العفار وَفِي مثل (فِي كل شَجَرَة نَار واستمجد المرخ والعفار) أَي عظم نارهما وأصل الْمجد الْكبر والعظم
١٨٨ - قَوْلهم اترك الشَّرّ كَمَا يتركك
يُرَاد إِنَّمَا يُصِيب الشَّرّ من يتَعَرَّض لَهُ
والمثل للقمان بن عَاد قَالَ لِابْنِهِ اترك الشَّرّ كَمَا يتركك أَي كَيْمَا يتركك وكما لُغَة فِي كَيْمَا قَالَ الشَّاعِر
(أنخ فاصطبغ قرصًا إِذا اعتادك الْهوى بِزَيْت كَمَا يَكْفِيك فقد الحبائب)
أَي كَيْمَا يَكْفِيك
[ ١ / ١٧٣ ]
قَالَ الشَّيْخ أَبُو هِلَال ﵀ وَقد يُصِيب الشَّرّ من يعتزله وَلَا يتَعَرَّض لَهُ قَالَ الشَّاعِر
(فَإِن الْحَرْب يجنبها أنَاس وَيصلى حرهَا قوم برَاء)
وَنَحْوه قَول الْحَارِث بن عباد
(لم اكن من جناتها علم الله وَإِنِّي محرها الْيَوْم صالي)
وَقد مر من قبل
١٨٩ - قَوْلهم ألْقى عَلَيْهِ بعاعه
وَله موضعان يُقَال ألْقى عَلَيْهِ بعاعه أَي ألْقى عَلَيْهِ نَفسه من حبه وَألقى عَلَيْهِ بعاعه أَي ثقله
والبعاع الْمَتَاع والثقل وبعاع السَّحَاب ثقله بالمطر
قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(وَألقى بصحراء الغبيط بعاعه نزُول الْيَمَانِيّ ذِي العياب المخول)
والمخول الَّذِي لَهُ خول وَمثله (ألْقى عَلَيْهِ شراشره) إِذا أحبه وَله موضعان أَيْضا
يُقَال ألْقى عَلَيْهِ شراشره إِذا أحبه والشراشر الْبدن وَمَا تذبذب من الثِّيَاب يَقُول ألْقى عَلَيْهِ بدنه من حبه لَهُ
والشراشر أَيْضا النَّفس
وَألقى عَلَيْهِ شراشره أَي ثقله
وَقَالَ بلعاء بن قيس
[ ١ / ١٧٤ ]
(وَقد يكره الانسان مافيه رشده وتلقى على غير الصَّوَاب شراشره)
والشرشرة أَيْضا أَن تحك سكينا على حجر حَتَّى يخشن حَده
١٩٠ - قَوْلهم أخذت الأَرْض زخاريها
يضْرب مثلا لكل شَيْء تمّ وكمل وزخاري الأَرْض نبتها حِين يزخر أَي يرْتَفع والزخور ارْتِفَاع النبت وَغَيره وَمِنْه قيل زخر الْبَحْر إِذا ارْتَفع موجه وبحر زاخر
١٩١ - قَوْلهم أرَاهُ عبر عينه
العبر والعبر سَوَاء أَي أرَاهُ مَا أسخن بِهِ عينه
وَيَقُولُونَ فِي الدُّعَاء على الرجل لأمه العبر واستعبر الرجل إِذا بَكَى وَهِي الْعبْرَة أَي الْبكاء والعابر الثاكل قَالَ
(يَقُول لي النَّهْدِيّ إِنَّك مردفي وَكَيف رداف الفل أمك عَابِر)
وَيَقُولُونَ للباكي دَمًا لَا دمعًا وَلَا رقأت دمعته وَيُقَال أرقأ الله بِهِ الدَّم أَي سَاق إِلَى قومه جَيْشًا يطْلبُونَ بقتيل فَيقْتل فيرقأ بِهِ دم غَيره وَيَقُولُونَ فِي الدُّعَاء على الرجل أرانيه الله أغر محجلًا أَي محلوق الرَّأْس مُقَيّدا
والحجل الْقَيْد وأطفأ الله ناره أَي أعمى عَيْنَيْهِ كَذَا قَالَ ثَعْلَب
ورأيته حَامِلا جنبه أَي مجروحًا وَلَا ترك الله لَهُ شامتةً والشوامت القوائم وخلع الله نَعْلَيْه جعله مقْعدا
[ ١ / ١٧٥ ]
١٩٢ - قَوْلهم أباد غضراءهم
أَي خَيرهمْ وغضارتهم وأصل الغضراء طين علك يُقَال أنبط بئره فِي عضراء طيبَة وَيُمكن أَن يُقَال إِن اشتقاق الغضارة من ذَلِك وَيجوز أَن يكون من غضارة الْعَيْش
وَقيل أباد الله خضراءهم أَي سوادهم ومعظمهم وَالْعرب تسمي السوَاد خضرَة وَلِهَذَا قيل سَواد الْعرَاق للْمَاء وَالشَّجر فِيهَا وَذَلِكَ أَنه يرى من الْبعد أسود وَمن ثمَّ قيل كَتِيبَة خضراء لما يعلوها من صدأ الْحَدِيد
وَقيل لجَماعَة النَّاس السوَاد والدهماء لِأَنَّهَا ترى من الْبعد سَوْدَاء
١٩٣ - قَوْلهم أَعْلَاهَا ذافوق
١٩٤ - وَقَوْلهمْ إِن شِئْت فَارْجِع فِي فَوق
أَي هُوَ أَعلَى الْقَوْم سَهْما وأرفعهم أمرا وَذُو الفوق هُوَ السهْم وفوقه الْموضع الَّذِي يوضع فِي الْوتر أَي أَعْلَاهَا سَهْما
أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عَن الْعَقدي عَن أبي جَعْفَر الْمَدَائِنِي عَن أبي جُزْء عَن يزِيد بن أبي زِيَاد عَن عبد الله بن الْحَارِث قَالَ قيل لعبد الله بن مَسْعُود وَهُوَ ينَال من عُثْمَان بايعتم رجلا ثمَّ أنشأتم تشتمونه قَالَ وَالله مَا ألونا أَن بَايعنَا أعلانا ذَا فَوق غير أَنه أهلكه شح النَّفس وبطانة السوء قَالَ أَفلا تغيرون
[ ١ / ١٧٦ ]
قَالَ مَا أُبَالِي أجبلًا راسيًا زاولت أم ملكا مُؤَجّلا حاولت ولوددت أَنِّي وَعُثْمَان برمل عالج يحثي كل وَاحِد منا على صَاحبه حَتَّى يَمُوت الأعجل
مَا ألونا أَي مَا قَصرنَا
ونحثى أَي نسفي ونثير وَيَقُولُونَ (إِن شِئْت فَارْجِع فِي فَوق) أَي ارْجع إِلَى الْأَمر الأول من الْمُصَالحَة والمؤاخاة وَأنْشد ثَعْلَب
(هَل أَنْت قائلة خيرا وتاركة شرا وراجعة إِن شِئْت فِي فَوق)
١٩٥ - قَوْلهم أرطي إِن خيرك فِي الرطيط
أَي تذمري وطولي وصيحي إِن خيرك لَا يَأْتِي إِلَّا بذلك
والرطيط التذمر
١٩٦ - قَوْلهم أَرِنِي غيًا أَزْد فِيهِ
مثل للرجل يَشْتَهِي الشَّرّ
وَمن أمثالهم فِي الغي قَول الْقطَامِي
(يطيعون الغواة وَكَانَ شرا لمؤتمر الغواية أَن يطاعا)
وَقَول المرقش
(فَمن يلق خيرا يحمد النَّاس أمره وَمن يغو لَا يعْدم على الغي لائما)
وَقَول الْمُحدث
(مَا المَاء منحدر من رَأس رابية يَوْمًا بأسرع من غاو إِلَى غاو)
[ ١ / ١٧٧ ]
١٩٧ - قَوْلهم أوجر مَا أَنا من سملقة
أوجر أَي خَائِف و(مَا) صلَة يُقَال إِنِّي مِنْهُ لأوجل ولأوجر أَي وَجل وسملقة لقب رجل كَانَ يغْضب إِذا دعِي بِهِ فدعي بِهِ عِنْد بعض الْمُلُوك فَغَضب وَقَالَ (أوجر مَا أَنا من سملقة) أَي كنت أَخَاف أَن أدعى بذلك عِنْده فأهون عَلَيْهِ وَقد وَقعت فِيمَا خفت
وَيضْرب مثلا للشَّيْء يخَاف ناحيته والسملق الفلاة الواسعة كَذَا وجدته عَن بعض الْعلمَاء
وَقَالَ مؤرج السدُوسِي سملقة هُوَ قَتَادَة بن التوءم وَكَانَ عِنْد النُّعْمَان بن الْمُنْذر فَقَالَ نعْمَان بن سيحان أَبيت اللَّعْن إِنَّه يدعى سملقة فيغضب فَأمر النُّعْمَان فَنُوديَ يَا سملقة فَقَالَ لِابْنِ سيحان انت أخْبرته فَحلف إِنَّه لم يفعل فَأَنْشَأَ قَتَادَة يَقُول
(جزى الله نعْمَان بن سيحان سَعْيه جَزَاء مغل بِاللِّسَانِ وباليد)
(فقصرك مِنْهُ أَن ينوء بحلفة كَمَا قيل للمخنوق هَل انت مفتد)
١٩٨ - قَوْلهم ارْض من العشب بالخوصة
أَي ارْض من الْأَمر بِالْقَلِيلِ وَهُوَ مثل فِي القناعة وَمن أمثالهم فِي ذَلِك (بؤسى لمن لم يرض بالكفاف)
[ ١ / ١٧٨ ]
١٩٩ - قَوْلهم إِن القنوع الْغَنِيّ لَا كَثْرَة المَال
والقنوع يسْتَعْمل فِي مَوضِع القناعة وَلَيْسَ بالجيد فَإِنَّمَا القنوع السُّؤَال
وَقَالَ آخر
(والعيش لَا عَيْش إِلَّا مَا قنعت بِهِ قد يكثر المَال والانسان مفتقر)
٢٠٠ - قَوْلهم الْبكْرِيّ أَخُوك فَلَا تأمنه
يُرَاد بِهِ التحذير من الرجل الْقَرِيب
٢٠١ - قَوْلهم الْأُمُور وصلات
أَي يستعان بِبَعْضِهَا على بعض وَلَيْسَ هَذَا من قَوْلهم (الْأَمر قد يغزى بِهِ الْأَمر) وَجعله بَعضهم مثله
وَإِنَّمَا معنى هَذَا أَن الْأَمر رُبمَا بَعثك على الْأَمر فتفعله وَلم تكن تريده والمثل الآخر (وَالْأَمر قد يغزى بِهِ الْأَمر) أَي قد يفعل وَيُرَاد غَيره وَمن أمثالهم فِي الْأَمر قَوْلهم (الْأَمر يَبْدُو لَك فِي التدبر) و(الْأَمر يحدث بعده الْأَمر) و(الْأَمر تحقده وَقد ينمي) و(أَمر الله يطْرق كل لَيْلَة) و(الْأَمر يَأْتِيك لم يخْطر على بَال)
[ ١ / ١٧٩ ]
٢٠٢ - قَوْلهم إِحْدَى بَنَات طبق
يعْنى بِهِ الداهية وَأَصله الْحَيَّة
والمثل للقمان بن عَاد أخبرنَا أَبُو أَحْمد قَالَ أخبرنَا أَبُو بكر بن دُرَيْد قَالَ أخبرنَا السكن بن سعيد عَن مُحَمَّد بن عباد عَن ابْن الْكَلْبِيّ عَن عوَانَة قَالَ كَانَ لُقْمَان بن عَاد بن عوص بن إرم بن سَام بن نوح لما أعطي مَا أعطي من الْعُمر وَهَلَكت العماليق فَخرج مَعَهم وهم ظاعنون حَتَّى أشرفوا على ثنية فَقَالَت امْرَأَة لزَوجهَا يافلان احْمِلْ لي هَذَا الكرز فَإِن فِيهِ مَتَاعا لي فَفعل فَلَمَّا توَسط الثَّنية وجد بللًا على عُنُقه فقذف بالكرز وَقَالَ يَا هنتاه عَلَيْك كرزك فَخرج رجل يسْعَى فِي عرض الْجَبَل فَقَالَ لَهُ لُقْمَان (إِحْدَى بَنَات طبق شرك على رَأسك) قَالَ أَبُو بكر سَأَلت أَبَا حَاتِم عَن بنت طبق فَقَالَ هِيَ السلحفاة بِضَم السِّين وَفتح اللَّام وَسُكُون الْحَاء وَتقول الْعَرَب إِنَّهَا تبيض بَيْضَة تنقف عَن اسود فَقَالَ يالقمان مَا جزاؤها قَالَ تدفن حَيَّة فِي كرزها فدفنت
قَالَ أَبُو حَاتِم وأظن أصل رجم المحصنة من هَذَا وَالله أعلم وَمَعْنَاهُ أَن هَذِه الْمَرْأَة بِمَنْزِلَة الْحَيَّة
٢٠٣ - قَوْلهم إِنَّنِي لن أضيره إِنَّمَا أطوي مصيره
يضْرب مثلا للرجل يعْمل عملا عَظِيما وَهُوَ يرَاهُ يَسِيرا
وَأَصله أَن غُلَاما من
[ ١ / ١٨٠ ]
الْعَرَب أَخذ نغرًا فشق بَطْنه ثمَّ أخرج مصيره فَجعل يطويه فَقيل لَهُ مَا تصنع فَقَالَ (إِنِّي لن أضيره إِنَّمَا أطوي مصيره) والمصير المعى
٢٠٤ - قَوْلهم إِن من ابْتِغَاء الْخَيْر اتقاء الشَّرّ
الْمثل لِابْنِ شهَاب جَاءَهُ شَاعِر فمدحه فَأمر بإعطائه وَقَالَ (إِن من ابْتِغَاء الْخَيْر اتقاء الشَّرّ) وَمَعْنَاهُ ان لِسَان الشَّاعِر مِمَّا ينقى
فَيَنْبَغِي أَن يفتدى شَره بِمَا يعْطى وَقَالَ حَكِيم إِعْطَاء الشَّاعِر من بر الْوَالِدين وَقَالَ الفرزدق
(وَمَا حملت ام امرىء فِي ضلوعها أعق من الْجَانِي عَلَيْهَا هجائيا)
وَقَالَ حَاتِم لِابْنِهِ إِذا رَأَيْت الشَّرّ يتركك فَاتْرُكْهُ
وَقَالَ هدبة العذري
(وَلَا أَتَمَنَّى الشَّرّ وَالشَّر تاركي وَلَكِن مَتى أحمل على الشَّرّ أركب)
أخبرنَا أَبُو أَحْمد قَالَ أخبرنَا الصولي قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن أبي خَيْثَمَة عَن مُحَمَّد بن بكار عَن مُحَمَّد بن الْحسن بن الْهِلَالِي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (ماوقى الرجل بِهِ عرضه كتب لَهُ بِهِ صَدَقَة وَمَا أنْفق الْمُؤمن نَفَقَة فعلى الله خلفهَا إِلَّا مَا كَانَ من نَفَقَة فِي بُنيان أَو مَعْصِيّة لله تَعَالَى) قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن الْهِلَالِي قلت لِابْنِ الْمُنْكَدر مَا معنى (وقى الرجل بِهِ عرضه) قَالَ أَن يُعْطي الشَّاعِر ذَا اللِّسَان
[ ١ / ١٨١ ]
٢٠٥ - قَوْلهم اخوك من آساك
٢٠٦ - وَقَوْلهمْ أعْط أَخَاك من عقنقل الضَّب
اللُّغَة الْعَالِيَة آساك وواساك قَليلَة
وعقنقل الضَّب مصراته يَقُول آسه فِي الْقَلِيل فضلا عَن الْكثير وَقَالَ الأول
(وَلَيْسَ يتم الْحلم للمرء رَاضِيا إِذا كَانَ عِنْد السخط لَا يتحلم)
(كَمَا لَا يتم الْجُود للمرء مُوسِرًا إِذا كَانَ عِنْد الْعسر لَا يتكرم)
وَقَالَ غَيره
(لَيْسَ جود الْجواد من فضل مَال إِنَّمَا الْجُود للمقل المواسي)
وَقلت
(من لم يواسك فِي قَلِيل لم يواسك فِي الْكثير)
(وَالْحق يلْزم فِي الْكثير وَلَيْسَ يسْقط فِي الْيَسِير)
٢٠٧ - قَوْلهم التقى الثريان
يضْرب مثلا لِاتِّفَاق الْأَخَوَيْنِ فِي التحاب
وَالثَّرَى الندى وَذَلِكَ أَن الْمَطَر إِذا كثر رسخ فِي الأَرْض حَتَّى يلتقي نداه وندى بطن الأَرْض
[ ١ / ١٨٢ ]
فَشبه سرعَة اتِّفَاق المتفقين على الْمَوَدَّة بعد تباينهما بِالْمَاءِ ينزل من السَّمَاء فيلتقي مَعَ مَا تَحت الأَرْض
وَقَرِيب من هَذَا قَول النَّبِي ﷺ (الْأَرْوَاح جنود مجندة فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف)
وَأخذ ذَلِك أَبُو نواس فَقَالَ
(إِن الْقُلُوب لأجناد مجندة لله فِي الأَرْض بالأهواء تأتلف)
(فَمَا تعارف مِنْهَا فَهُوَ معترف وَمَا تناكر مِنْهَا فَهُوَ مُخْتَلف)
وَخَالف ذَلِك ابْن الرُّومِي فَقَالَ
(قَالُوا الْقُلُوب تجازي قلت وَيحكم هَذَا الْمحَال فكفوا لَا تغروني)
(على الْخَبِير سَقَطْتُمْ هَا أَنا رجل أَحْبَبْت فِي النَّاس قوما لم يحبوني)
٢٠٨ - قَوْلهم أحبب حَبِيبك هونا مَا عَسى أَن يكون بَغِيضك يَوْمًا مَا
الْمثل لأمير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵇
هونا أَي قصدا غير إفراط
أخبرنَا أَبُو أَحْمد عَن الْجَوْهَرِي عَن عَمْرو بن فلَان وَعَن عبد الله بن عَمْرو عَن زيد بن أنيسَة عَن مُحَمَّد بن عبيد الله الْأنْصَارِيّ عَن أَبِيه قَالَ
[ ١ / ١٨٣ ]
سَمِعت عليا ﵇ يَقُول مرَارًا اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك من قتلة عُثْمَان وَإِنِّي أَرْجُو أَن يُصِيبنِي وَعُثْمَان قَول الله ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل إخْوَانًا على سرر مُتَقَابلين﴾ قَالَ وَرَأَيْت عليا فِي دَاره يَوْم أُصِيب عُثْمَان فَقَالَ مَا وَرَاءَك قلت شَرّ قتل عُثْمَان
فَقَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون ثمَّ قَالَ (أحبب حَبِيبك هونا مَا عَسى أَن يكون بَغِيضك يَوْمًا مَا وَأبْغض بَغِيضك هونا مَا عَسى أَن يكون حَبِيبك يَوْمًا مَا)
وَقَالَ النمر بن تولب
(وأحبب حَبِيبك حبا رويدًا لِئَلَّا يعولك أَن تصرما)
(وَأبْغض بَغِيضك بغضًا رويدًا إِذا أَنْت حاولت أَن تحكما)
وَمن جيد مَا قيل فِي هَذَا الْمَعْنى قَول بَعضهم لَا تكن مكثرًا ثمَّ تكون مقلًا فَيعرف سرفك فِي الْإِكْثَار وجفاؤك فِي الإقلال
وَمِنْه قَول عمر ﵁ لَا يكن حبك كلفا وَلَا بغضك تلفا
٢٠٩ - قَوْلهم أساف حَتَّى مَا يشتكي السواف
السواف ذهَاب المَال وهلاكه
يُقَال ساف المَال إِذا هلك وأساف صَاحبه كَمَا يُقَال أجرب الرجل إِذا صَارَت إبِله جربى وَبِه سمي السَّيْف سَيْفا لِأَنَّهُ يهْلك النَّاس
[ ١ / ١٨٤ ]
وَقَالَ حَمْزَة الْأَصْفَهَانِي السَّيْف فَارسي مُعرب قَالَ وَهُوَ سيف وَكَيف يُقَال ذَلِك وَله أصل فِي الْعَرَبيَّة صَحِيح وَأَصله سيف فَخفف كَمَا قيل فِي ميت ميت وَمعنى الْمثل أَنه اعْتَادَ الْفقر والشدة حَتَّى لَا يُبَالِي بِهِ كَبِير مبالاة وهانت عَلَيْهِ وَطْأَة النوائب لِكَثْرَة مَا تعاورته وَمثله قَول الشَّاعِر
(وَفَارَقت حَتَّى لَا أُبَالِي من انتوى وَلَو بَان جيران على كرام)
وَقَول الآخر
(روعت بالبين حَتَّى مَا أراع بِهِ )
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة ويروى لغيره
(تعودت مس الصر حَتَّى ألفته وأسلمني طول العزاء إِلَى الصَّبْر)
(ووسع قلبِي للأذى كَثْرَة الْأَذَى وَإِن كَانَ أَحْيَانًا يضيق بِهِ صَدْرِي)
(وصيرني يأسي من الله واثقًا بِحسن صَنِيع الله من حَيْثُ لَا أَدْرِي)
٢١٠ - قَوْلهم استقدمت رحالته
يُقَال ذَلِك للرجل يعجل إِلَى صَاحبه بالشتم وَسُوء القَوْل
والرحالة شَيْء من الْأدم مدور مبطن يَجعله الْفَارِس تَحْتَهُ وَكَانَت للْعَرَب بِمَنْزِلَة السرج وَكَانُوا لَا يعْرفُونَ السُّرُوج والسرج للْفرس وَإِنَّمَا هُوَ سرك
قَالَ عنترة
(إِذْ لَا أَزَال على رحالة سابح نهد تعاوره الكماة مُكَلم)
[ ١ / ١٨٥ ]
وَإِذا استقدمت رحالة الْفَارِس فسد ركُوبه فَجعل ذَلِك مثلا لمن فسد قَوْله ويروى (استقدمت رَاحِلَته)
٢١١ - قَوْلهم أدْرك أَرْبَاب النعم
وأصل الْمثل أَن نعما طردت لبَعض الْعَرَب فاعترضها قوم يُرِيدُونَ ردهَا فَقَاتلُوا عَلَيْهَا قتالًا ضَعِيفا ثمَّ جَاءَ أَرْبَابهَا فصدقوا الْقِتَال حَتَّى ردوهَا
مَعْنَاهُ جَاءَ من لَهُ بِالْأَمر عناية وَلَا يَلِي الْأَمر حق ولَايَته إِلَّا المعني بِهِ وَمثله قَوْلهم (أهل الْقَتِيل يلونه)
٢١٢ - قَوْلهم إنباض بِغَيْر توتير
يضْرب مثلا للرجل ينتحل الشَّيْء وَلَا يُحسنهُ أَو يَدعِيهِ وَلَيْسَ لَهُ يَقُول ينبض الْقوس من غير أَن يوترها والإنباض جذب الْقوس بالوتر لترن قَالَ الشماخ
(إِذا أنبض الرامون عَنْهَا ترنمت ترنم ثَكْلَى أوجعتها الْجَنَائِز)
وَهُوَ مثل قَوْلهم (كالحادي وَلَيْسَ لَهُ بعير) وَقَرِيب مِنْهُ قَول الشَّاعِر
(وَهل ينْهض الْبَازِي بِغَيْر جنَاح )
وَمثله قَوْلهم (تجشأ لُقْمَان من غير شبع)
[ ١ / ١٨٦ ]
٢١٣ - قَوْلهم أقصر لما أبْصر
يضْرب مثلا للراجع عَن الذَّنب
والإقصار الْكَفّ عَن الشَّيْء مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ والقصور الْعَجز عَنهُ قصرت عَنهُ وَأَنا قَاصِر وَإِذا لم تقدر عَلَيْهِ وأقصرت عَنهُ إِذا تركته وَأَنت قَادر عَلَيْهِ
والمثل لأكثم بن صَيْفِي فِي كَلَام طَوِيل لَهُ نودره فِيمَا بعد
٢١٤ - قَوْلهم أول الحزم المشورة
وَهُوَ من جيد مَا قيل فِي المشورة وَقَالَ بَعضهم المستشير بَين خيرين صَوَاب يُصِيبهُ أَو خطأ يُشَارك فِيهِ وَهَذَا من أَجود مَا قيل فِيهَا أَيْضا
والمشورة على وزن مثوبة ومشورة جَائِزَة وَلَيْسَ كل مَا جَازَ جاد وَأَصلهَا من قَوْلهم شرت الْعَسَل أشوره إِذا جنيته فَكَأَن المستشير يجني الرَّأْي من غَيره وأصل الْكَلِمَة الْإِظْهَار وَسميت الْعَوْرَة شوارا وَذَلِكَ أَن الْعَوْرَة تستر كَمَا قيل للزنجي أَبُو الْبَيْضَاء وَهَذَا ونظائره جَاءَ على الْقلب وَنَحْوه الْمَفَازَة والسليم
وَيجوز أَن يكون المشورة مَأْخُوذَة من شرت الدَّابَّة إِذا أجريتها لتعرف أمرهَا والمشوار الْموضع الَّذِي تركبها فِيهِ لذَلِك
وَفِي الْمثل (الْخطْبَة مشوار كثير العثار)
[ ١ / ١٨٧ ]
٢١٥ - قَوْلهم التقى حلقتا البطان والتقى البطان والحقب
يضْرب مثلا لِلْأَمْرِ يبلغ الْغَايَة فِي الشدَّة والصعوبة وَأَصله أَن يحوج الْفَارِس إِلَى النَّجَاء مَخَافَة الْعَدو فينجو فيضطرب حزَام دَابَّته حَتَّى يمس الحقب وَلَا يُمكنهُ أَن ينزل فَيُصْلِحهُ
والبطان حزَام الرحل وَأكْثر مَا يسْتَعْمل للقتب
والحقب النسعة الَّتِي تشد فِي حقو الْبَعِير ويشد على حقيبته والحقيبة الرفادة تشد فِي مُؤخر القتب وكل شَيْء شددته فِي مُؤخر قتبك أَو رحلك فقد احتقبنه ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى قيل لمن اكْتسب خيرا اَوْ شرا قد احتقبه
٢١٦ - قَوْلهم اعلل تحظب
مَعْنَاهُ كل مرّة بعد مرّة حَتَّى تسمن
يضْرب مثلا للحريص يجمع وَلَا يشْبع
يُقَال حظب الرجل حظوبًا إِذا امْتَلَأَ
ويروى (أعلل) وَهُوَ من الْعِلَل والعلل الشربة الثَّانِيَة
٢١٧ - قَوْلهم أَي الرِّجَال الْمُهَذّب
يضْرب مثلا للرجل يعرف بالإصابة فِي الْأُمُور وَتَكون مِنْهُ السقطة وَأَصله من قَول النَّابِغَة
[ ١ / ١٨٨ ]
(وَلست بمستبق أَخا لَا تلمه على شعث أَي الرِّجَال الْمُهَذّب)
وَقَرِيب مِنْهُ قَول معقل بن خويلد جاهلي
(يرى الشَّاهِد الوادع المطمئن من الْأَمر مَالا يرى الْغَائِب)
ثمَّ قَالَ
(وَقَول عَدو وَأي امرىء من النَّاس لَيْسَ لَهُ عائب)
وَقلت
(وَأي حسام لَيْسَ ينبو وينثني وَأي جواد لَيْسَ يكبو ويظلع)
٢١٨ - قَوْلهم اطرقي وميشي
يضْرب مثلا للرجل يخلط الْإِصَابَة بالْخَطَأ
وَأَصله خلط الشّعْر بالصوف قَالَ رؤبة
(عاذل قد أولعت بالترقيش إِلَيّ سرا فاطرقي وميشي)
يُقَال مشت الْوَبر بالصوف إِذا خلطتهما ثمَّ ضربتهما بالمطرقة وَهُوَ الْعود الَّذِي يطْرق بِهِ والمصدر الطّرق
[ ١ / ١٨٩ ]
٢١٩ - قَوْلهم استغنت التفة عَن الرفة
التفة السَّبع الَّذِي يُقَال لَهُ عنَاق الأَرْض بالتثقيل وَالتَّخْفِيف والرفة التِّبْن وَقيل دقاق التِّبْن بالتثقيل وَالتَّخْفِيف أَيْضا فَمن خفف قَالَ أَصله رفهة وَالْمعْنَى أَن التفة سبع يقتات اللَّحْم فَهِيَ مستغنية عَن التِّبْن
يضْرب مثلا للرجل يَسْتَغْنِي عَن الشَّيْء فَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ أصلا
٢٢٠ - قَوْلهم إِن كنت بِي تشد أزرك فأرخه
مَعْنَاهُ إِن كنت تعتمد عَليّ فِي حَاجَتك حرمتهَا وَمثله قَول الراجز
(مثل حماس وَأبي كوألل وَمن يَكُونَا حامليه يرجل)
وَقَالَ غَيره
(وَمن تكن أَنْت راعيه فقد هلكا )
وَيُقَال فلَان شدّ أزر فلَان إِذا أَعَانَهُ وَقواهُ وَفِي الْقُرْآن ﴿اشْدُد بِهِ أزري﴾ وَفِيه (فآزره) وَأَصله من الْإِزَار
٢٢١ - قَوْلهم اسر وقمر لَك
يضْرب مثلا فِي اغتنام الفرصة يَقُول اغتننم ضوء الْقَمَر فسر فِيهِ قبل أَن يغيب فتخبط الظلمَة
[ ١ / ١٩٠ ]
٢٢٢ - قَوْلهم ابدأهم بالصراخ يَفروا
يضْرب مثلا للرجل يسيء إِلَى صَاحبه فيتخوف اللائمة من النَّاس فيبدؤهم بالشكاية والتجني ليكفوا عَن لومه
والصراخ رفع الصَّوْت من الْجزع والصارخ المغيث والمستغيث وَذَلِكَ أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يصْرخ بِصَاحِبِهِ هَذَا بِالدُّعَاءِ وَذَاكَ بالإجابة
قَالَ سَلامَة بن جندل
(إِنَّا إِذا مَا أَتَانَا صارخ فزع كَانَت إجَابَته قرع الظنابيب)
يَعْنِي المستغيث وَيدل على ذَلِك قَوْله فزع وَقَالَ غَيره
(وَكَانُوا مهلكي الْأَبْنَاء لَوْلَا تداركهم بصارخة شفيق)
فَهَذَا هُوَ المغيث وَيُقَال استصرخت فلَانا فأصرخني أَي استغثته فأغاثني وَيُقَال سَمِعت الصرخة الأولى يَعْنِي الْأَذَان
٢٢٣ - قَوْلهم احلب واشرب
هَكَذَا رَوَاهُ بَعضهم قَالَ وَيضْرب مثلا للشَّيْء يمْنَع وَرُوِيَ (لَيْسَ كل أَوَان أحلب وأشرب) وَهُوَ الصَّحِيح وَيضْرب مثلا للْمَنْع يَقُول لست أجد كل أَوَان حلوبةً أَحْلَبَهَا وأشرب لَبنهَا فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن أضيعها وَهُوَ مثل قَول الْمُحدث
[ ١ / ١٩١ ]
(فَلَيْسَ فِي كل يَوْم ينجح الطّلب )
وَقَالَ الشَّاعِر
(يَقُولُونَ إِن الْعَام أخلف نوءه وَمَا كل عَام رَوْضَة وغدير)
٢٢٤ - قَوْلهم إمعة وإمرة
يُقَال رجل إمعة وإمرة إِذا لم يكن لَهُ رَأْي يعْتَمد فَهُوَ يتبع كلا على رَأْيه
وأصل الإمرة من ولد الضَّأْن يُقَال إِذا قل مَال الرجل (مَاله إمر وَلَا إمرة) وَإِنَّمَا شبه بهَا الرجل الَّذِي لَا رَأْي لَهُ المتبع لغيره فِي الرَّأْي لِأَنَّهَا تتبع مقدماتها فِي السَّعْي فَلَو سَقَطت إِحْدَاهُنَّ فِي جرف سَقَطت مَعهَا وَهَذَا معنى قَول الْأَعرَابِي (وَأمر مغويتهن يتبعن) وسنذكره بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
والإمر الرجل الضَّعِيف أَيْضا
قَالَ امْرُؤ الْقَيْس بن مَالك الْحِمْيَرِي
(وَلست بِذِي رثية إمر إِذا قيد مستكرهًا أصحبا)
أصحب إِذا أطَاع وَلم يمْتَنع هَذَا قَول بَعضهم وَقَالَ غَيره رجل إمع وَامْرَأَة إمعة إِذا لم يكن لَهُ رَأْي فَهُوَ يتبع النَّاس على رَأْيهمْ وَرجل إمر ضَعِيف
وَقَالَ ابْن مَسْعُود لَا يكونن أحدكُم إمعة وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْدِي
٢٢٥ - قَوْلهم أصبح ليل
يُقَال ذَلِك لليلة الشَّدِيدَة وَمِنْه قَول الشَّاعِر
[ ١ / ١٩٢ ]
(فَبَاتَ يَقُول أصبح ليل حَتَّى تجلى عَن صريمته الظلام)
وَأَصله أَن امْرأ الْقَيْس بن حجر تزوج امْرَأَة ففركته وَكَانَ مفركًا تبْغضهُ النِّسَاء وَكَانَت أمه مَاتَت فِي صغره فأرضعه أَهله بِلَبن كلبة فَكَانَت رِيحه إِذا عرق ريح الْكَلْب هَكَذَا زَعَمُوا فَكرِهت امْرَأَته مَكَانَهُ من ليلته فَجعلت تَقول يَا خير الفتيان أَصبَحت فيرفع رَأسه فَيرى اللَّيْل على حَاله فينام فَتَقول الْمَرْأَة (أصبح ليل) فَلَمَّا أكثرت قَالَ مَا تكرهين مني قَالَت أكره مِنْك أَنَّك خَفِيف الْعَجز ثقيل الصَّدْر سريع الهراقة بطيء الْإِفَاقَة وَأَن رِيحك إِذا عرقت ريح كلب فَطلقهَا
٢٢٦ - قَوْلهم ألْقى عَلَيْهِ يَدَيْهِ الأزلم الْجذع
أَي هلك وَذهب أمره وَأنْشد
(إِنِّي أرى لَك أكلا لَا يقوم بِهِ من الأكولة إِلَّا الأزلم الْجذع)
والأزلم الْجذع الدَّهْر وَقَالَ ابْن الزبير
(وَإِلَّا فأسلمهم إِلَيّ أدعهم على جذع من حَادث الدَّهْر أزلما)
وَقَالَ آخر
(إِنِّي أَخَاف عَلَيْهِ الأزلم الجذعا )
[ ١ / ١٩٣ ]
٢٢٧ - قَوْلهم أعطَاهُ إِيَّاه بقوف رقبته
قَالُوا أَي أعطَاهُ إِيَّاه وَلم يطْلب عوضا مِنْهُ
وَأما قَوْلهم (أَخذ بقوف رقبته) فَمَعْنَاه أَخذ بقفاه وَقَالَ بَعضهم بطوف رقبته وَقَالَ بَعضهم القوف شعر الْقَفَا
٢٢٨ - قَوْلهم أطرق كرا إِن النعام فِي الْقرى
قَالَ الرستمي يضْرب مثلا للرجل يتَكَلَّم عِنْده فيظن أَنه المُرَاد بالْكلَام فَيَقُول الْمُتَكَلّم ذَلِك أَي اسْكُتْ فَإِنِّي أُرِيد من هُوَ أنبل مِنْك
وَقَالَ غَيره يضْرب مثلا للرجل الحقير إِذا تكلم فِي الْموضع الْجَلِيل لَا يتَكَلَّم فِيهِ امثاله
وَالْمعْنَى اسْكُتْ ياحقير حَتَّى يتَكَلَّم الأجلاء
والكرى الكروان وَهُوَ طَائِر صَغِير فَشبه بِهِ الذَّلِيل وَشبه الأجلاء بالنعام
وأطرق أَي أَغضّ من إطراق الْعين وَهُوَ خفض النّظر
وَقيل كرىً وكروان كَمَا تَقول فَتى وفتيان
وَقيل الكروان جمع الكروان كَمَا تَقول ورشان فِي جمع ورشان
٢٢٩ - قَوْلهم أَبى العَبْد أَن ينَام حَتَّى يحلم بربته
يضْرب مثلا لمن يطْلب مَالا يسْتَحق وَلَا يَنْبَغِي لَهُ
وربته مالكته
[ ١ / ١٩٤ ]
٢٣٠ - قَوْلهم أَنا من غزيَّة
يَقُوله الرجل ينصح لمن لَا يقبل نصيحته
وَأَصله قَول دُرَيْد بن الصمَّة أخبرنَا بِهِ أَبُو أَحْمد عَن الصولي عَن مُحَمَّد بن الْحسن الغياني عَن أبي حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ أَشَارَ خَالِد بن صَفْوَان التَّمِيمِي على سُفْيَان بن مُعَاوِيَة المهلبي أَلا يحارب سلم بن قُتَيْبَة الْبَاهِلِيّ وَكَانَ أَمِير الْبَصْرَة من قبل مَرْوَان ابْن مُحَمَّد وَكَانَ أَبُو سَلمَة الْخلال قد كَاتب سُفْيَان بإمارة الْبَصْرَة فَقَالَ خَالِد لِسُفْيَان انْتظر فَإِن كَانَ الْأَمر لمروان فَمَا الرَّأْي لَك محاربة عَامله وَإِن كَانَ لأصحابك لَجأ سلم إِلَيْك فَلم يقبل مِنْهُ وحاربه فَهزمَ وَقتل ابْنه مُعَاوِيَة بن سُفْيَان فَقَالَ لَهُ خَالِد (أَنا من غزيَّة) قَالَ وَمَا معنى هَذَا قَالَ أردْت قَول دُرَيْد بن الصمَّة
(أَمرتهم أَمْرِي بمنعرج اللوى فَلم يستبينوا الرشد إِلَّا ضحى الْغَد)
(فَلَمَّا عصوني كنت مِنْهُم وَقد أرى غوايتهم وأنني غير مهتد)
(وَمَا أَنا إِلَّا من غزيَّة إِن غوت غويت وَإِن ترشد غزيَّة أرشد)
وغزية قَبيلَة وَكَانَ دُرَيْد أَشَارَ على أَخِيه عبد الله بالنجاء وَترك التلبث وَهُوَ منصرف عَن غَارة أغارها فَأبى فأدركه الطّلب فَقتل
وشرحنا حَدِيثه فِي كتاب (ديوَان الْمعَانِي)
[ ١ / ١٩٥ ]
٢٣١ - قَوْلهم اهلك وَاللَّيْل
أَي أدْرك أهلك مَعَ اللَّيْل وَهُوَ على مَذْهَب قَوْلهم (اسْتَوَى المَاء والخشبة)
وَقَالَ الْجرْمِي بَادر أهلك قبل اللَّيْل وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه يُرِيد الْحق أهلك لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يَعْنِي (بَادر أهلك) إِنَّمَا يُبَادر اللَّيْل ويسابقه
و(اللَّيْل) مَنْصُوب بِفعل آخر كَأَنَّهُ قَالَ وسابق اللَّيْل أَو احذر اللَّيْل فَأَما قَوْله قبل اللَّيْل فَهُوَ معنى الْكَلَام وَلَيْسَ تَقْدِير الْإِعْرَاب عَلَيْهِ وَلَو كَانَ التَّقْدِير عَلَيْهِ لَكَانَ (اللَّيْل) مجرورًا وَلَكِن إِذا سابقت اللَّيْل وَلَحِقت أهلك فَمَعْنَاه أَنَّك لحقتهم قبل اللَّيْل فَإِن أظهرت هَذَا الْفِعْل الْمُضمر جَازَ وَكَذَلِكَ (رَأسك والجدار) أَي احفظ رَأسك وَاحْذَرْ الْجِدَار إِذا كنت تحذره فَإِن كنت تَأمره فَمَعْنَاه انطح رَأسك بالجدار
٢٣٢ - قَوْلهم الإيناس قبل الإبساس
مَعْنَاهُ يَنْبَغِي أَن يؤنس الرجل ويبسط ثمَّ يُكَلف وَيسْأل
وَأَصله فِي النَّاقة تداريها وتمسحها وتبس بهَا لتفاج للحلب
والإبساس أَن تَقول لَهَا (بس بس) لتسكن وَقد بس بهَا الرجل وأبس قَالَ الشَّاعِر
(فلحى الله طَالب الصُّلْح منا مَا أهاب المبس بالدهماء)
وناقة بسوس إِذا كَانَت تدر على الإبساس
[ ١ / ١٩٦ ]
٢٣٣ - قَوْلهم إِن البغاث بأرضنا يستنسر
نفسره فِي الْبَاب الثَّانِي إِن شَاءَ الله
٢٣٤ - قَوْلهم البس لكل حَالَة لبوسها
الْمثل لبيهس وَسَنذكر خَبره
٢٣٥ - قَوْلهم أَخْطَأت استه الحفرة
يضْرب مثلا للرجل يتوخى الصَّوَاب فَيَجِيء بالْخَطَأ
وَقَرِيب مِنْهُ قَوْلهم (أصَاب الصَّوَاب فَأَخْطَأَ الْجَواب) وَأصَاب هَاهُنَا بِمَعْنى أَرَادَ وَفِي الْقُرْآن ﴿رخاء حَيْثُ أصَاب﴾
٢٣٦ - قَوْلهم أَسَاءَ كَارِه مَا عمل
يضْرب مثلا للرجل يكره على الْأَمر فَلَا يُبَالغ فِيهِ
وَالْفرس تَقول إِذا أكره الْكَلْب على الصَّيْد لم يسر الصاحب وَلَا الصاحبة
٢٣٧ - قَوْلهم إِحْدَى نواده الْبكر
أَي إِحْدَى النِّسَاء اللواتي يندهن الْبكر يضْرب مثلا للداهية النكر
[ ١ / ١٩٧ ]
٢٣٨ - قَوْلهم أصوص عَلَيْهَا صوص
هُوَ كَقَوْلِهِم المركوب خير من الرَّاكِب والأصوص الْحَائِل السمينة والصوص اللَّئِيم الَّذِي لَا خير فِيهِ
٢٣٩ - قَوْلهم إِن سوادها قوم لي عنادها
سَواد الشَّيْء لُزُومه أَي لَزِمته ورضته حَتَّى تقوم
٢٤٠ - قَوْلهم أدنى حماريك ازجري
أَي عَلَيْك بِأَدْنَى أَمرك ثمَّ تناولي الْأَبْعَد
٢٤١ - قَوْلهم اخْتلفت رءوسها فرتعت
قَالَ ثَعْلَب يضْرب مثلا للْقَوْم يَخْتَلِفُونَ فِي الْأَمر وَلَا تَجْتَمِع آؤارهم فِيهِ على شَيْء
٢٤٢ - قَوْلهم إِن الْغَنِيّ لطويل الذيل مياس
أَي لَا يَسْتَطِيع صَاحب المَال ان يَكْتُمهُ
[ ١ / ١٩٨ ]