١٠٧٣ - قَوْلهم الصمت حكم وَقَلِيل فَاعله
الْمثل للنَّبِي ﷺ حَدثنَا أَبُو الرّبيع الْحَارِثِيّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحَرْب قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن التيلماني عَن أَبِيه عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ (الصمت حكم وَقَلِيل فَاعله)
قَالَ الشَّيْخ أَبُو هِلَال ﵀ الحكم وَالْحكمَة سَوَاء مثل الْعذر والعذرة والنحل والنحلة وَهِي الْعَطِيَّة وَجعل الصمت حِكْمَة لِأَنَّهُ يمْنَع صَاحبه من التورط فِي الْإِثْم والعنت وَغَيره وأصل الحكم الْمَنْع واحكمت الرجل منعته
١٠٧٤ - قَوْلهم صرح الْمَحْض عَن الزبدة
يضْرب مثلا لِلْأَمْرِ يظْهر مكنونه
والمثل لامْرَأَة من أهل الْيمن يُقَال لَهَا عِصَام أخبرنَا أَبُو أَحْمد عَن أبي بكر عَن أبي حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة وَأبي الْيَقظَان وَأخْبرنَا أَبُو الْقَاسِم عَن الْعَقدي عَن بعض رِجَاله فَذكرت أَجود ألفاظهم
قَالُوا بلغ الْحَارِث بن عَمْرو الْكِنْدِيّ عَن بنت عَوْف بن الْكِنْدِيّ وَهُوَ الَّذِي يُقَال فِيهِ لَا أحد يشبه عوفًا جمال فَبعث
[ ١ / ٥٦٩ ]
إِلَى أمهَا أُمَامَة امْرَأَة يُقَال لَهَا عِصَام فَدخلت عَلَيْهَا فَإِذا هِيَ كَأَنَّهَا خاذل من الظباء وحولها بَنَات كَأَنَّهَا شوادن الغزلان فَقَالَت لابنتها إِن هَذِه خالتك أتتك لتنظر إِلَى بعض شَأْنك فَلَا تستتري عَنْهَا بِشَيْء وناطقيها فِيمَا استنطقتك فِيهِ فَدخلت عَلَيْهَا ثمَّ خرجت عَنْهَا وَهِي تَقول (ترك الخداع من كشف القناع) فأرسلتها مثلا فَلَمَّا جَاءَت الْحَارِث قَالَ (مَا وَرَاءَك يَا عِصَام) فَقَالَت أَيهَا الْملك (صرح الْمَحْض عَن الزبدة) فأرسلتها مثلا أَقُول حَقًا وَأخْبر صدقا لقد رَأَيْت وَجها كالمرآة الصينية يزينه حالك كأذناب الْخَيل المضفرة إِن أَرْسلتهُ خلته السلَاسِل وَإِن مشطته دلّت عناقيد كرم جلاها وابل لَهَا حاجبان كَأَنَّمَا خطا بقلم قد تقوسًا على عَيْني الظبية العبهرة يفتنان المتوسم بَينهمَا أنف كَحَد السَّيْف المصقول لم يخنس بِهِ قصر وَلم يمعن بِهِ طول تحف بِهِ وجنتان كالأرجوان فِي بَيَاض مَحْض كَأَنَّهُ الجمان شقّ فِيهِ فَم لذيذ المبتسم يفتر عَن ثنايا غر وأسنان مثل الدّرّ ذَات أشر فِيهِ لِسَان ذُو فصاحة وَبَيَان يحركه عقل وافر وَجَوَاب حَاضر تلتقي دونه شفتان حماوان كانهما قادمتان نصب ذَلِك على عنق ابيض كَأَنَّهُ إبريق فضَّة وَصدر كفاثور اللجين قد نتأ فِيهِ ثديان يخرقان عَنْهَا ثِيَابهَا ويمنعانها من تقلد سخابها مكنت مِنْهُ عضدان مدمجتان
[ ١ / ٥٧٠ ]
مكتنزتان شحمًا يتَّصل بهما ذراعان مَا فيهمَا عظم يمس وَلَا عرق يجس وكفان دَقِيق قصبهما لين عصبهما بِأَسْفَل من ذَلِك بطن طوى كطي القباظى وكسي عكنًا كالقراطيس المدرجة يُحِيط بسرة كمدهن العاج لَهَا ظهر فِيهِ كالجدول يَنْتَهِي إِلَى خضر لَوْلَا لطف رَبِّي لانبتر لَهَا كفل يقعدها إِذا نهضت وينهضها إِذا قعدت كَأَنَّهُ دعص من الرمل لبده سُقُوط الطل أَسْفَل من ذَلِك فخذان لفاوان كَأَنَّهُمَا نصبتا على نضد عقيان مُتَّصِل بهما ساقان بيضاوان خدلجتان قد وشيتا بِشعر أسود كَأَنَّهُ حلق الزرد يحمل ذَلِك كُله قدمان كحرف اللِّسَان تبَارك الله مَعَ لطافتهما كَيفَ يطيقان حمل مَا وفوقهما فَأَما مَا سوى ذَلِك فَإِنِّي تركت نَعته وَوَصفه لوقته إِلَّا أَنه كأكمل وَأحسن وأجمل مَا وصف فِي شعر وَقَول
قَالَ فَبعث إِلَى أَبِيهَا فَخَطَبَهَا فَزَوجهُ إِيَّاهَا قَالَ فَبعث إِلَيْهَا من الصَدَاق بِمثل مُهُور نسَاء الْمُلُوك مائَة ألف دِرْهَم وألفًا من الْإِبِل فَلَمَّا حَان أَن تحمل إِلَيْهِ دخلت إِلَيْهَا أمهَا لتوصيها فَقَالَت يَا بنية إِن الْوَصِيَّة لَو تركت لعقل أَو أدب أَو مكرمَة وَحسب لتركت لَك وَلَكِن الْوَصِيَّة تذكره للعاقل ومنبهة للغافل يَا بنية إِنَّه لَو استغنت الْمَرْأَة بغنى أَبَوَيْهَا وَشدَّة حاجتهما إِلَيْهَا كنت أغْنى النَّاس عَن الزَّوْج وَلَكِن الرِّجَال خلقُوا للنِّسَاء كَمَا هن خُلِقْنَ للرِّجَال إِنَّك قد فَارَقت الحوي الَّذِي مِنْهُ خرجت والوكر الَّذِي
[ ١ / ٥٧١ ]
فِيهِ درجت إِلَى وكر لم تعرفيه وقرين لم تألفينه فكوني لَهُ أمة يكن لَك عبدا واحفظي مني عشر خِصَال تكن لَك ذكرا أما الأولى وَالثَّانيَِة وَالثَّالِثَة وَالرَّابِعَة فَلَا تقع عَيناهُ مِنْك على قَبِيح وَلَا يشم أَنفه مِنْك إِلَّا أطيب ريح واعلمي أَن المَاء أطيب الطّيب الْمَفْقُود وان الْكحل أحسن الْحسن الْمَوْجُود وَأما الْخَامِسَة وَالسَّادِسَة فالتعهد لوقت طَعَامه والهدوء عِنْد مَنَامه فَإِن حرارة الْجُوع ملهبة وتنغيص النّوم مغضبة وَأما السَّابِعَة وَالثَّامِنَة فاحتفاظك بِمَالِه فَإِنَّهُ من حسن التَّقْدِير ورعايتك على الحشم والعيال فَإِنَّهَا من حسن التَّدْبِير وَأما التَّاسِعَة والعاشرة فألا تفشي لَهُ سرا وَلَا تَعْصِي لَهُ أمرا فَإنَّك إِن أفشيت سره لم تأمني غدره وان عصيت أمره اوغرت صَدره واتقي الْفَرح لَدَيْهِ إِذا كَانَ ترحًا والاكتئاب عِنْده إِذا كَانَ فَرحا واعلمي أَنَّك لن تصلي إِلَى مرادك مِنْهُ حَتَّى تؤثري رِضَاهُ على رضاك وهواه على هَوَاك وَالله يُخَيّر لَهُ ويصنع برحمته لَك
وَكَانَت فِي رِوَايَة ابي الْيَقظَان أَلْفَاظ ردئية مَرْدُودَة تركتهَا
١٠٧٥ - قَوْلهم صري عزم من أبي سمال
يضْرب مثلا للرجل يصدق عزمه على الشَّيْء فَلَا ينثني عَنهُ حَتَّى يَنَالهُ
وَأَصله مَا أَخْبرنِي أَبُو أَحْمد عَن نفطويه عَن أَحْمد بن يحيى عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ كَانَ أَبُو سمال الْأَسدي مُتَّهمًا فِي دينه فضلت نَاقَته فَحلف
[ ١ / ٥٧٢ ]
لَا يُصَلِّي أَو يردهَا الله فأصابها وَقد علق زمامها بشجرة فَقَالَ علم الله أَنَّهَا صري يَقُول أصررت على يَمِيني فَردهَا
قَالَ الشَّيْخ أَبُو هِلَال ﵀ فَضرب بِهِ الْمثل فَقَالَ أَبُو تَمام
(تخذ الْفِرَار أَخا وأيقن أَنه صري عزم من أبي سمال)
فَأخْبرنَا أبوأحمد عَن أبي الْحسن الْأَخْفَش عَن أبي الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي عَن هِشَام الْكَلْبِيّ قَالَ مر النَّجَاشِيّ الشَّاعِر بِأبي سمال فِي يَوْم من أَيَّام شهر رَمَضَان فَقَالَ لَهُ مَا تَقول فِي رُءُوس ثنيان فِي كرش من أول اللَّيْل إِلَى آخِره وَقد أينعت وتهرأت قَالَ أَفِي شهر رَمَضَان قَالَ مَا رَمَضَان وَلَا شَوَّال إِلَّا وَاحِد قَالَ وَمَا تسقيني عَلَيْهَا قَالَ شرابًا كالورس يطيب النَّفس وَيجْرِي فِي الْعرق وَيكثر الطّرق ويشد الْعِظَام ويسهل للفدم الْكَلَام فَنزلَا وأكلا وشربا وسكرا ففخرا وعلت أصواتهما وَبلغ خبرهما عليا ﵇ فَبعث إِلَيْهِمَا فَأتي بالنجاشي فَقَالَ لَهُ وَيلك أولداننا صِيَام وَأَنت مفطر وشق أَبُو سمال خصًا بَينه وَبَين الجلنبين حَيّ من هَمدَان فنجا وأمهل النَّجَاشِيّ حَتَّى إِذا صَحا ضربه ثَمَانِينَ ثمَّ زَاده عشْرين فَقَالَ مَا هَذِه العلاوة يَا أَبَا الْحسن فَقَالَ لجرأتك على الله فضرط فِي وَقت الضَّرْب فَقَالَ عَليّ إِنَّهَا يَمَانِية وكارها شعر قَالَ فَطرح عَلَيْهِ حِين ضرب أَرْبَعُونَ مطرفًا وَكَانَ فِيمَن طرح عَلَيْهِ هِنْد بن عَاصِم السَّلُولي فَفِيهِ يَقُول
(إِذا الله حَيا خلةً عَن خَلِيله فَحَيَّا مليك النَّاس هِنْد بن عَاصِم)
[ ١ / ٥٧٣ ]
(فَكل سلولي إِذا مَا لَقيته سريع إِلَى بني الْعلَا والمكارم)
(وَلَا يَأْكُل الْكَلْب السروق نعَالهمْ وَلنْ ينتقوا المخ الَّذِي فِي الجماجم)
(هم بيض أَقْدَام وديباج أوجه كرام إِذا اسودت وُجُوه الآلائم)
وَزَادَنِي غَيره قَالَ فَلَمَّا ضرب جعل أهل الْكُوفَة يَقُولُونَ من قدر الله فَقَالَ
(ضربوني ثمَّ قَالُوا قدر قدر الله لَهُم شَرّ الْقدر)
ثمَّ هرب إِلَى مُعَاوِيَة وَأَنْشَأَ يَقُول
(إِذا سقى الله أَرضًا صوب غادية فَلَا سقى الله أهل الْكُوفَة المطرا)
(السارقين إِذا مَا جن ليلهم والنائكين بشطي دجلة البقرا)
فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة أحب يَا نجاشي أَن تَقول شَيْئا تفضلني فِيهِ على (عَليّ) فَقَالَ قصيدةً يَقُول فِيهَا
(وَاعْلَم بِأَن عَليّ الْخَيْر من نفر شم العرانين مَا داناهم بشر)
(نعم الْفَتى أَنْت إِلَّا أَن بَيْنكُمَا كَمَا تفاضل قرن الشَّمْس وَالْقَمَر)
[ ١ / ٥٧٤ ]
١٠٧٦ - قَوْلهم صدقني سنّ بكره
يضْرب مثلا للرجل يكذب فِي الْأَمر يدل بعض أَحْوَاله على الصدْق فِيهِ
وَأَصله أَن رجلا ساوم رجلا بِبَعِير وَسَأَلَ عَن سنه فَأخْبرهُ أَنه بكر ففر عَنهُ فَوَجَدَهُ هرمًا فَقَالَ صدقني سنّ بكره وَكَذبَنِي هُوَ
وَالْبكْر الفتي من الْإِبِل بِمَنْزِلَة الفتي من النَّاس وَالْجمع أبكار وَالْأُنْثَى بكرَة وَالْجمع بكرات
١٠٧٧ - قَوْلهم صدرك أوسع لسرك
مَعْنَاهُ لَا تفشه إِلَى أحد فَإنَّك أولى بترك إفشائه وَإِن ضَاقَ عَنهُ صدرك فصدر غَيْرك أضيق عَنهُ قَالَ الشَّاعِر
(إِذا ضَاقَ صدر الْمَرْء عَن سر نَفسه فصدر الَّذِي يستودع السِّرّ أضيق)
١٠٧٨ - قَوْلهم الصَّيف ضيعت اللَّبن
(ضيعت) بِكَسْر التَّاء وَإِن خاطبت بِهِ مذكرًا لِأَن الْأَمْثَال تحكى وَمعنى ذَلِك أَن الْمثل يتَمَثَّل بِهِ أول مرّة ثمَّ لَا يُغير عَن صيغته فِي سَائِر الْأَحْوَال
[ ١ / ٥٧٥ ]
وَيضْرب هَذَا مثلا للرجل يضيع الْأَمر ثمَّ يُرِيد استدراكه
وَأَصله أَن عَمْرو بن عَمْرو بن عدس تزوج بنت عَمه دختنوس بنة لَقِيط بن زُرَارَة بعد مَا أسن وَكَانَ أَكثر قومه مَالا ففركته فَطلقهَا فَتَزَوجهَا فَتى ذُو شباب وجمال من آل زُرَارَة ثمَّ غزتهم بكر بن وَائِل فنبهت زَوجهَا وَقَالَت الْغَارة فَجعل يَقُول الْغَارة ويضرط حَتَّى مَاتَ وأغاروا فَأَخَذُوهَا سبية فأدركهم الْحَيّ وَعَمْرو بن عَمْرو فِي السرعان فَقتل مِنْهُم ثَلَاثَة واستنقذها وَقَالَ
(أَي حليليك وجدت خيرا أألعظيم فيشةً وأيرا)
(أم الشَّديد للعداة ضيرا أم الَّذِي يَأْتِي الْعَدو سيرا)
فَتزوّجت مِنْهُم شَابًّا مملقًا فمرت بهَا إبل عَمْرو كَأَنَّهَا اللَّيْل فَقَالَت لخادمها قولي لَهُ ليسقنا من اللَّبن فَأَتَتْهُ فَقَالَ قولي لَهَا (الصَّيف ضيعت اللَّبن) فَضربت يَدهَا على كتف زَوجهَا وَقَالَت (هَذَا ومذقة خير) فَذَهَبت كلمتاهما مثلين
١٠٧٩ - قَوْلهم صيدك ان لم تحرمه
و(صيدك لَا تحرمه) و(صيدك فَلَا تحرمه) كل ذَلِك رُوِيَ
يضْرب مثلا للرجل يحض على انتهاز الْحَاجة عِنْد الْإِمْكَان
[ ١ / ٥٧٦ ]
أخبرنَا أَبُو أَحْمد عَن الْجَوْهَرِي عَن أبي زيد عَن بعض رِجَاله قَالَ أورد مُحَمَّد بن طَلْحَة بن عبد الله الْأَعْجَم كتاب سُلَيْمَان بن عبد الْملك الى خَالِد ابْن عبد الله الْقَسرِي وَهُوَ أَمِير على مَكَّة أَن لَا سُلْطَان لَك على بني الْأَعْجَم فَلَمَّا رَآهُ خَالِد قَالَ لَهُ (صيدك إِن لم تحرمه) فَقَالَ إِن معي كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنه لَا سُلْطَان لَك علينا فجلده قيل أَن يقْرَأ الْكتاب مائَة سَوط فَعَاد إِلَى سُلَيْمَان فَشَكَاهُ وَكتب سُلَيْمَان إِلَى طَلْحَة بن دَاوُد الْحَضْرَمِيّ بِقطع يَد خَالِد فشفع فِيهِ يزِيد بن الْمُهلب فَكتب إِلَى طَلْحَة وَهُوَ قَاضِي مَكَّة إِن كَانَ خَالِد ضرب مُحَمَّدًا بعد مَا قَرَأَ كتابي فاقطع يَده وَإِن كَانَ ضربه قبل ان يقْرَأ فاضربة مائَة سَوط وصل بِالنَّاسِ
فَشهد لَهُ دَاوُد بن عَليّ قبل أَن يقْرَأ الْكتاب فسلمه طَلْحَة إِلَى مُحَمَّد فَقطع ظَهره فَقَالَ الفرزدق
(لعمري لقد صبَّتْ على ظهر خَالِد شآبيب مَا استهللن من سبل الْقطر)
(وَلَوْلَا يزِيد بن الْمُهلب شمرت بكفك فتخاء الْجنَاح إِلَى وكر)
وَمن جيد مَا قيل فِي معنى الْمثل قَول الْحَارِث بن جَابر الْعجلِيّ لِابْنِهِ يَا بني إياك والسآمة فِي طلب الْأُمُور فيقذفك الرِّجَال خلف أعقابها
١٠٨٠ - قَوْلهم صَفْقَة لم يشهدها حَاطِب
يضْرب مثلا لِلْأَمْرِ يغيب عَنهُ الْبَصِير بِهِ فَيجْرِي على غير وَجهه
وَأَصله
[ ١ / ٥٧٧ ]
أَن بعض أهل حَاطِب بن أبي بلتعة بَاعَ بيعَة غبن فِيهَا ففسخها حَاطِب أَو قيل لَو كَانَ حَاطِب حَاضرا لفسخها
١٠٨١ - قَوْلهم الصدْق ينبى عَنْك لَا الْوَعيد
يضْرب مثلا للرجل يتهدد وَلَا يقدم يَقُول ان صدق اللِّقَاء ينبى عَنْك لَا الْمَكْر والتهدد أَي يبعد وَهُوَ من نبا ينبو غير مَهْمُوز
١٠٨٢ - قَوْلهم صمى صمام
١٠٨٣ - وَقَوْلهمْ صمي ابْنة الْجَبَل
يضْرب مثلا للداهية تقع فتستفظع
قَالُوا وَابْنَة الْجَبَل الصدى كَأَنَّهُمْ عنوا أَلا يسمع ذكرهَا
وأظن أَصله أَن رجلا قَالَ لآخر إِن بني فلَان أَصَابَتْهُم داهية فَرده الصدى فَقَالَ (صمي ابْنة الْجَبَل) أَي لَا أسمع هَذَا الْخَبَر وَلَا كَانَت هَذِه الكائنة فأنث ابْنة الْجَبَل على معنى الصَّيْحَة
وَقيل ابْنة الْجَبَل الْحَيَّة وَيُقَال لَهَا (صمي صمام) أَي لَا تجيبي الراقي وَلذَلِك قيل للداهية صماء تَشْبِيها بالحية الصماء
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة بنت الْجَبَل الْحَصَاة
وَيَقُولُونَ (صمت حَصَاة بِدَم) وَذَلِكَ عِنْد كَثْرَة الْقِتَال
[ ١ / ٥٧٨ ]
أَي قد كثر الدَّم حَتَّى لَو سَقَطت حَصَاة على الأَرْض وَلم يسمع لَهَا صَوت فَجعلُوا عدم صَوتهَا صممًا لَهَا وَأما قَوْلهم فِي الدُّعَاء على الرجل أَصمّ الله صداه فَهُوَ مَا تسمعه فِي الْجَبَل إِذا أَتَت صَوت فأجابك يُرِيدُونَ أهلكه الله لِأَن الصدى يُجيب الْحَيّ فَإِذا هلك الرجل صم صداه كَأَنَّهُ لَا يسمع شَيْئا فيجيب
١٠٨٤ - قَوْلهم صَار الرَّمْي إِلَى النزعة
أَي عَاد الْأَمر إِلَى أولي الْقُوَّة
والنزعة واحدهم نَازع وَهُوَ هَا هُنَا الشَّديد النزع للوتر وَيَقُولُونَ صَار الْأَمر إِلَى الوزعة وَمَعْنَاهُ قَامَ بِالْأَمر أهل الأناة والحلم وأصل الوزع الْكَفّ وَفِي حَدِيث الْحسن (لابد للسُّلْطَان من وزعة) أَي كففة يمْنَعُونَ النَّاس عَنهُ
١٠٨٥ - قَوْلهم صكًا ودرهماك لَك
وَأَصله أَن امْرَأَة كَانَت تؤاجر نَفسهَا فاستأجرها رجل بِدِرْهَمَيْنِ فَلَمَّا وَاقعهَا أعجبها فَجعلت تَقول لَا أَفْلح من أعجلك صكًا ودرهماك لَك فَذَهَبت مثلا فِي الْقَبِيح يحرض عَلَيْهِ ويلتمس الإغراق فِيهِ
١٠٨٦ - قَوْلهم صحيفَة المتلمس
يضْرب مثلا للشَّيْء يغر
وَمن حَدِيثه ان عَمْرو بن الْمُنْذر بن امرىء
[ ١ / ٥٧٩ ]
الْقَيْس وَهُوَ عَم النُّعْمَان بن الْمُنْذر كَانَ يرشح قَابُوس بن الْمُنْذر وهما لهِنْد بنت الْحَارِث بن عَمْرو للْملك بعده فَقدم عَلَيْهِ المتلمس وطرفة فجعلهما فِي صحابة قَابُوس وَكَانَا يركبان مَعَه للصَّيْد فيركضان طول النَّهَار فيتعبان وَكَانَ يشرب من الْغَد فيقفان على بَابه فِي الْغُبَار فضجر طرفَة فَقَالَ
(فليت لنا مَكَان الْملك عَمْرو رغوثًا حول قبتنا تخور)
(من الزمرات أسبا قادماها فضرتها مركنة درور)
(لعمرك إِن قَابُوس بن هِنْد ليخلط ملكه نوك كثير)
(لنا يَوْم وللكروان يَوْم تطير البائسات وَمَا نطير)
(فَأَما يومهن فَيوم سوء يطاردوهن بالحدب الصقور)
(وَأما يَوْمنَا فنظل ركبًا وقوفًا لَا نحل وَلَا نسير)
فَدخل عَمْرو بن الْمُنْذر مَعَ عَمْرو بن بشر بن مرْثَد ابْن عَم طرفَة الْحمام فَرَآهُ سمينًا بادنًا فَقَالَ لَهُ صدق ابْن عمك طرفَة حَيْثُ يَقُول فِيك
(وَلَا خير فِيهِ غير أَن لَهُ غنى وَأَن لَهُ كشحًا إِذا قَامَ أهضما)
فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن بشر إِن مَا قَالَ فِيك شَرّ وأنشده
(فليت لنا مَكَان الْملك عَمْرو )
فَقَالَ عَمْرو لَا أصدقك عَلَيْهِ وَقد صدقه وَلَكِن خَافَ أَن تُدْرِكهُ الرَّحِم فينذره فَمَكثَ غير كثير ثمَّ دَعَا بالمتلمس وطرفة وَخَافَ إِن قتل طرفَة أَن يهجوه المتلمس لِأَنَّهُمَا كَانَا خليلين فَقَالَ لعلكما اشتقتما الى اهليكما
[ ١ / ٥٨٠ ]
قَالَا نعم فَكتب لَهما إِلَى أبي المناذر عَامله على الْبَحْرين أَن يقتلهما وَذكر أَنه أَمر بحبائهما فَلَمَّا وردا الْحيرَة قَالَ المتلمس تعلمن يَا طرفَة أَن ارتياح عَمْرو لي وَلَك لأمر مريب وَإِن انطلاقي بِصَحِيفَة لَا أَدْرِي مَا فِيهَا لغرور
وَقيل إِنَّه رأى شَيخا متبرزًا يَأْكُل تَمرا ويقصع قملا فَقَالَ المتلمس مارأيت شَيخا أقذر مِنْك وَلَا أَجْهَل قَالَ وَمَا رَأَيْت من جهلي أَدخل طيبا وَأخرج خبيثًا وأقتل عدوا وأجهل مني من يحمل حتفه بِيَدِهِ فانتبه المتلمس وَدفع الصَّحِيفَة إِلَى غُلَام فقرأها فَقَالَ لَهُ أَنْت المتلمس قَالَ نعم قَالَ النَّجَاء فقد أَمر الْملك بقتلك فَألْقى الصَّحِيفَة فِي نهر الْحيرَة وَقَالَ
(فألقيتها بالثني من جنب كَافِر كَذَلِك أقنو كل قطّ مضلل)
(رميت بهَا فِي المَاء حَتَّى رَأَيْتهَا يجول بهَا التيار فِي كل جدول)
وَكَافِر اسْم نهر الْحيرَة وَمضى إِلَى الشَّام وَقَالَ
(أُمِّي شآمية إِذْ لَا عراق لنا قوما نودهم إِذْ قَومنَا شوس)
(آلَيْت حب الْعرَاق الدَّهْر آكله وَالْحب يَأْكُلهُ فِي الْقرْيَة السوس)
وأبى طرفَة أَن ينثني عَن وَجهه فَمضى وأوصل الصَّحِيفَة ففصد من الأكحلين فنزف حَتَّى مَاتَ فَقَالَ المتلمس
(من مبلغ الشُّعَرَاء عَن أخويهم نبأ فتصدقهم بِذَاكَ الْأَنْفس)
[ ١ / ٥٨١ ]
(أودى الَّذِي علق الصَّحِيفَة مِنْهُمَا وَنَجَا حذار حبائه المتلمس)
(ألْقى صَحِيفَته ونجى كوره وجناء مجمرة المناسم عرمس)
وَقيل صَاحبهمَا النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَرووا أَن طرفَة قَالَ فِي ذَلِك
(أَبَا مُنْذر كَانَت غرُورًا صحيفتي وَلم أعطكم فِي الطوع مَالِي وَلَا عرضي)
(أَبَا مُنْذر أفنيت فَاسْتَبق بَعْضنَا حنانيك بعض الشَّرّ أَهْون من بعض)
[ ١ / ٥٨٢ ]