٧١- تنافر العجفاء بنت علقمة وصواحباتها إلى الكاهنة السعدية:
روي أن العجفاء بنت علقمة السعدي، وثلاث نسوة من قومها، خرجن فاتعدن بروضة يتحدثن فيها، فوافين بها ليلًا في قمر زاهر، وليلة طلقة ساكنة، وروضة معشبة خصبة؛ فلما جلسن قلن: ما رأينا كالليلة ليلة، ولا كهذه الروضة روضة أطيب ريحًا ولا أنضر، ثم أفضن في الحديث؛ فقلن: أي النساء أفضل؟ قالت إحداهن: الخروج١ الودود الولود. قالت الأخرى: خيرهن ذات الغناء٢، وطيب الثناء، وشدة الحياء. قالت الثالثة: خيرهن السموع الجموع، النفوع غير المنوع. قالت الرابعة: خيرهن الجامعة لأهلها، الوادعة الرافعة، لا الواضعة. قلن: فأي الرجال أفضل؟ قالت إحداهن: خيرهم الحظ٣ الرضي، غير الحظل٤ البطي. قالت الثانية: خيرهن السيد الكريم، ذو الحسب العميم، والمجد القديم. قالت الثالثة: خيرهن السخي، الوفي الرضي، الذي لا يغير٥ الحرة، ولا يتخذ الضرة. قالت الرابعة: وأبيكن، إن في أبي لنعتكن، كرم الأخلاق، والصدق عند التلاق، والفلج٦ عند السباق، ويحمد أهل الرفاق. قالت العجفاء عند ذلك: كل فتاة بأبيها معجبة.
وفي بعض الروايات أن إحداهن قالت: إن أبي يكرم الجار، ويعظم الخطار٧، وينحر العشار٨، بعد الحوار٩، ويحمل الأمور الكبار، ويأنف من الصغار؛ فقالت
_________________
(١) ١ الحرود والخريد والخريدة: الحيية الطويلة السكوت الخافضة الصوت المتسترة. ٢ الكفاية والمنفعة. ٣ الحظي: ذو الحظوة والمكانة عند روحه، والحظية كذلك. ٤ رجل حظل ككتف وشداد وصبور: مقتر يحاسب أهله بما ينفق عليهم، وفي مجمع الأمثال "غير الحظال، ولا التبال" والتبال بالتشديد من التبل "بفتح فسكون" وهو الحقد. ٥ أغار امرأته: تزوج عليها. ٦ الفوز والظفر. ٧ الخطار جمع خطر كسبب وهو السبق يتراهن عليه. ٨ العشار جمع عشراء كنفساء وهي من النوق التي مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية. ٩ الحوار بالضم وقد يكسر: ولد الناقة ساعة تضعه أو إلى أن يفصل عن أمه.
[ ١ / ١١٤ ]
الثانية: إن أبي عظيم الخطر، منيع الوزر١، عزيز النفر، يحمد منه الورد والصدر؛ فقالت الثالثة: إن أبي صدوق اللسان، حديد الجنان، رذوم٢ الجفان، كثير الأعوان، يروي السنان، عند الطعان، قالت الرابعة: إن أبي كريم النزال، منيف المقال، كثير النوال، قليل السؤال، كريم الفعال.
ثم تنافرت إلى كاهنة معهن في الحي؛ فقلن لها: اسمعي ما قلنا، واحكمي بيننا واعدلي، ثم أعدن عليها قولهن؛ فقالت لهن: "كل واحدة منكن ماردة٣، بأبيها واجدة٤، على الإحسان جاهدة، لصواحباتها حاسدة؛ ولكن اسمعن قولي: خير النساء المبقية على بعلها، الصابرة على الضراء مخافة أن ترجع إل أهلها مطلقة؛ فهي تؤثر حظ زوجها على حظ نفسها؛ فتلك الكريمة الكاملة، وخير الرجال الجواد البطل، القليل الفشل، إذا سأله الرجل، ألفاه قليل العلل، كثير النفل٥، ثم قالت: كل واحدة منكن بأبيها معجبة.
"مجمع الأمثال ٢: ٥٤ وجمهرة الأمثال ٢:١٣٣".
_________________
(١) ١ الوزر: الملجأ. ٢ الرذوم: القصعة الممتلئة تتصبب جوانبها. ٣ أي قد بلغت الغاية. ٤ وجد به "بالكسر" أحبه. ٥ النفل: الهبة.
[ ١ / ١١٥ ]