٥٦- حديث مصادر بن مذعور القيني:
كان مصاد بن مذعور القيني رئيسًا، قد أخذ مرباع١ قومه دهرًا، وكان ذا مال، فند ذود٢ من أذواد له، فخرج في بغائها٣، قال: فإني لفي طلبها، إذ هبطت واديًا شجيرًا٤ كثيف الظلال، وقد تفسخت أينًا٥، فأنخت راحلتي في ظل شجرة، وحططت رحلي، ورسغت٦ بعيري، واضطجعت في بردي؛ فإذا أربع جوار، كأنهن اللآلي، يرعين بهما لهن؛ فلما خالطت عيني السنة، أقبلن حتى جلسن قريبًا مني، وفي كف كل واحدة منهن حصيات تقلبهن، فخطت إحداهن ثم طرقت٧، فقالت: "قلن يا بنات عراف، في صاحب الجمل النياف٨، والبرد الكثاف٩، والجرم١٠ الخفاف١١"، ثم طرقت الثانية، فقالت:
_________________
(١) ١ المرباع: ربع الغنيمة، وكان يختص به الرئيس في الجاهلية. ٢ زد: شرد، والذود: ثلاثة أبعرة إلى العشرة، أو خمسة عشر، أو عشرون، أو ثلاثون. ٣ طلبها. ٤ كثير الشجر. ٥ تعبًا وكلالًا. ٦ شددت رسغه. ٧ الطرق: ضرب الكاهن بالحصى. ٨ جعل نياف ككتاب وشداد: طويل في ارتفاع. ٩ الكثيف. ١٠ الجسد. ١١ الخفيف.
[ ١ / ٨٦ ]
"مضل أذواد علاكد١، كوم صلاخد٢، منهن ثلاث مقاحد٣، وأربع جدائد٤، شسف صمارد٥"، ثم طرقت الثالثة فقالت: "رعين الفرع٦، ثم هبطن الكرع٧، بين العقدات والجرع٨"؛ فقالت الرابعة: "ليهبط الغائط الأفيح٩، ثم ليظهر في الملا الصحصح١٠، بين سدير وأملح١١؛ فهناك الذود رتاع بمنعوج الأجرع" قال: فقمت إلى جملي فشدده عليه رحله وركبت، ووالله ما سألتهن من هن ولا ممن هن؟ فلما أدبرت، قالت إحداهن: "أبرح ١٢ فتًى إن جد في طلب؛ فماله غيرهن نشب١٣، وسيثوب عن كثب١٤؛ ففزع قلبي والله قولها؛ فقلت: وكيف هذا، وقد خلفت بوادي عرجًا عكاسًا١٥؟ فركبت السمت١٦ الذي وصف لي، حتى انتهيت إلى المواضع؛ فإذا ذودي روائع، فضربت أعجازهن،
_________________
(١) ١ أضل دابته: فقدها، والعلاكد: الصلاب الشداد جمع علكد كجعفر وزبرج وقنفذ. ٢ بعير أكوم، وناقة كوماء: عظيمة السنام والجمع كوم، والصلاخد: العظام الشداد، واحدهما صلاخد بالضم. ٣ المقاحد جمع مقحاد، وهي الغليظة السنام "والقحدة كرقبة: السنام أو أصله". ٤ الجدائد جمع جدود كصبور: وهي التي انقطع لبنها. ٥ شسف جمع شاسف: وهو اليابس ضمرًا وهزالًا، والصمارد جمع صمرد كزبرج: القليلة اللبن. ٦ الفرع جمع فرعة وهي أعلى الجبل. ٧ الكرع: ماء السماء ينزل فيستنقع، وسمي كرعًا لأن الماشية تكرع فيه. ٨ العقدات جمع عقدة: وهي ما تعقد من الرمل، والجزع جمع جرعة بالسكون ويحرك: الرملة الطيبة المنبت لا وعوثة فيها، أو الأرض ذات الحزونة تشاكل الرمل أو الدعص لا ينبت، أو الكثيب جانب منه رمل وجانب حجارة كالأجرع والجرعاء. ٩ الغائط: المطمئن من الأرض، والأفيح: الواسع. ١٠ الملا: الفضاء، والصحصح والصحصاح والصحصحان: ما استوى من الأرض. ١١ سدير وأملح: موضعان. ١٢ أشد. ١٣ المال الأصيل من الناطق والصامت. ١٤ يثوب: يرجع، والكثب: القرب. ١٥ العرج: نحو خمسائة من الإبل، والعكامس والغكابس: الكثير. ١٦ الطريق.
[ ١ / ٨٧ ]
حتى أشرفت على الوادي الذي فيه إبلي؛ فإذا الرعاء تدعو بالويل؛ فقلت ما شأنكم؟ قالوا: أغارت بهراء على إبلك، فأسحفتها١؛ فأمسيت والله مالي مال غير الذود، فرمى الله في نواصيهن بالرغس٢، وإني اليوم لأكثر بني القين مالًا".
"الأمالي ١: ١٤٣".
_________________
(١) ١ استأصلتها. ٢ الرغس: البركة والنماء.
[ ١ / ٨٨ ]