اجتمع طريف بن العاصى الدوسى، والحارث بن ذبيان -وهو أحد المعمرين- عند بعض مقاول١ حمير، فتفاخرا. فقال الملك للحارث: يا حارث! ألا تخبرني بالسبب الذي أخرجكم عن قومكم حتى لحقتم بالنمر بن عثمان؟ فقال: أخبرك أيها الملك. خرج هجينان٢ منا يرعيان غنمًا لهما؛ فتشاولا٣ بسيفيهما؛ فأصاب صاحبهم عقب صاحبنا، فعاث٤ فيه السيف، فنزف٥، فمات، فسألونا أخذ دية صاحبنا دية الهجين، وهي نصف دية الصريح٦، فأبى قومي، وكان لنا رباء٧ عليهم؛ فأبينا إلا دية الصريح، وأبوا إلا دية الهجين؛ فكان اسم هجيننا ذهين بن زبراء، واسم صاحبهم عنقش بن مهيرة، وهي سوداء أيضًا٨، فتفاقم الأمر بين الحيين، فقال رجل منا:
_________________
(١) ١ جمع مقول، والمقول والقيل هو الذي دون الملك الأعظم. ٢ الهجين: عربي ولد من أمة، أو من أبوه خير من أمه "والمقرف: الذي أمه عربية، وأبوه ليس بعربي". ٣ تضاربا. ٤ أفسد. ٥ نزف الرجل إذا سال دمه حتى يضعف. ٦ الصريح: الخالص النسب. ٧ زيادة. ٨ كذا في الأصل، ولم يتقدم لكم الحكم على شيء بالسواد؛ فلعل الأصل: "ذهين بن زبراء وهي سوداء".
[ ١ / ١٣ ]
حلومكم يا قوم لا تعزبنها١ ولا تقطعوا أرحامكم بالتدابر
وأدوا إلى الأقوام عقل ابن عمهم ولا ترهقوهم سبئة في العشائر٢
فإن ابن زيراء الذي فاد لم يكن بدون خليف أو أسيد بن جابر٣
فإن لم تعاطوا الحق؛ فالسيف بيننا وبينكم، والسيف أجور جائر
فتظافروا٤ علينا حسدًا، فأجمع ذوو الحجى منا أن نلحق بأمنع بطن من الأزد؛ فلحقنا بالنمر بن عثمان، فوالله مافت٥ في أعضادنا، فأبنا عنهم، ولقد أثارنا٦ صاحبنا وهم راغمون.
فوئب طريف بن العاصى من مجلسه، فجلس بإزاء الحرث، ثم قال:
تالله ما سمعت كاليوم قولًا أبعد من صواب، ولا أقرب من خطل٧، ولا أجلب لقدع٨ من قول هذا، والله أيها الملك ما قتلوا بهجينهم بذجًا٩، ولا رقوا به درجًا، ولا أنطوا١٠ به عقلًا، ولا أجتفئوا١١ به خشلًا١٢، ولقد أخرجهم الخوف عن أصلهم، وأجلاهم عن محلهم، حتى استلانوا خشونة الإزعاج، ولجئوا إلى أضيق الولاج١٣: قلا وذلا.
فقال الحارث: أتسمع يا طريف، إني والله ما إخالك كافًا غرب١٤ لسانك، ولا منهنهًا١٥ شرة نزوانك، حتى أسطو بك سطوة تكف طماحك، وترد
_________________
(١) ١ لا تبعدنها - وأعزب: بعد وأبعد. ٢ العقل: الدية، يقال: عقلت فلانًا إذا غرمت دينه، وعلقت عن فلان إذا غرمت عنه دية جنايته. وأرهقته عسرًا: كلفته ذلك. ٣ فاد يفود: مات "وفاد يفيد: تبختر". ٤ تظاهروا. ٥ أوهن وأضعف. ٦ اثأرت: أدركت منه ثأرى "وأصله اثتأر". ٧ خطأ. ٨ الكلام القبيح، أفذع له إذا أسمعه كلامًا قبيحًا. ٩ البذج: الخروف، فارسي معرب. ١٠ لغة في أعطوا. ١١ صرعوا. ١٢ الخشل: شجرة المقل "الدوم" وهذه أمثال كلها، يريد أنهم لم ينالوا ثأره. ١٣ الولاج الباب، وجمعه الولج، وهي أيضًا النواحي والأزقة. ١٤ غرب الشيء: حده. ١٥ نهنهه عن الأمر فتنهنه: كفه وزجره فكف، والشرة: الحدة، والنزوان: الوثوب.
[ ١ / ١٤ ]
جماحك، وتكبت تترعك١، وتقمع تسرعك.
فقال طريف: مهلًا يا حارث، لا تعرض لطحمة٢ استناني، وذرب٣ سناني، وغرب شبابي، وميسم٤ سبابي، فتكون كالأظل٥ الموطوء، والعجب الموجوء٦.
فقال الحارث: إياي تخاطب مثل هذا القول؟ فو الله وطئتك لأسختك٧، ولو وهصتك٨ لأوهطتك٩، ولو نفحتك١٠ لأفدتك.
فقال طريف متمثلًا:
وإن كلام المرء في غير كهه لكالنبل تهوى ليس فيها نصالها
أما والأصنام المحجوبة، والأنصاب١١ المنصوبة، لئن لم تربع على ظلمك١٢، وتقف عند قدرك، لأدعن حزنك سهلًا، وغمرك ضحلًا١٣، وصفاك١٤ وحلًا.
فقال الحارث: أما والله لو رمت ذلك لمرغت بالحضيض١٥، وأغصصت بالجريض١٦، وضاقت عليك الرحاب، وتقطعت بك الأسباب، ولألفيت لقى١٧
_________________
(١) ١ التسرع إلى الشر. ٢ طحمة السيل دفعته، واستن الفرس قص وعدا لمرحه ونشاطه شوطًا أو شوطين، والاستنان: النشاط، استن الفرس: جرى في نشاطه على سننه في جهة واحدة. ٣ الذرب: الحدة، وكذا الغرب. ٤ المكواة. ٥ الأظل: أسفل خف البعير. ٦ العجب: أصل الذنب والموجوء: المدقوق "من وجأ التيس: دق عروق خصييه بين حجرين ولم يخرجهما شبيهًا بالخصاء". ٧ أساخه: جعله يسيخ "أو يسوخ في الأرض" أي يغوص. ٨ كسرتك. ٩ صرعتك صرعة لا تقوم منها. ١٠ نفحه بسيفه: تناوله. ١١ الأنصاب: حجارة كانت حوله الكعبة تنصب فيهل عليه ويذبح لغير الله تعالى، وقيل الأنصاب حجارة نصبت وعبدت من دون الله جمع نصب، وقيل النصب جمع نصاب. ١٢ ربع يربع: كف، وظلع ظلمًا غمز في مشيه، وأربع على ظلعك أي إنك ضعيف فانته عما لا تطيقه وكف. ١٣ الغمر: الماء الكثير، والضحل: الماء القليل "وكذا الضحضاح". ١٤ الصفا: جمع صفاة وهي الحجر الصلد الضخم أو الصفا بمعنى الصفو. ١٥ أسفل الجبل. ١٦ الحريض. الغصة من الحرض، وهو الريق يغص به يقال جرض بريقه يجرض ابتلعه بالجهد على هم وحزن، وفي المثل: حال الجريض دون القريض، يضرب للأمر يقدر عليه أخيرًا حين لاينفع. قاله جوشن الكلابي حين منعه أبوه من الشعر فرض حزنًا حتى أشرف على الهلاك، فرق له وقال انطق بما أحببت؛ فقال ذلك. ١٧ اللقى: الملقى المطروح.
[ ١ / ١٥ ]
تهاداه الرواس١. بالسهب الطامس٢.
فقال طريف: دون ما ناجتك به نفسك مقارعة أبطال، وحياض أهوال، وحفزة٣ إعجال، يمنع معه تطامن الإمهال.
فقال الملك: إيهًا٤ عنكما! فما رأيت كاليوم مقال رجلين لم يقصبا٥، ولم يثلبا٦،ولم يلصوا٧، ولم يقفوا٨.
"الأمالي ١: ٧٣".
_________________
(١) ١ الرواس: الرياح التي ترمس أي تدفن. ٢ المستوى من الأرض، والطامس: الدارس "كالطاسم". ٣ الحفز: الدفع. ٤ إيها: كلمة زجر بمعنى حسبك "وإيه: أمر. كلمة استزادة واستنطاق". ٥ لم يشتما. قصبه إذا وقع فيه وأصله القطع. ٦ ثلبه: عابه. ٧ لصاه: قذفه. ٨ قفاه: قذفه بأمر عظيم.
[ ١ / ١٦ ]