قعد المأمون الحارثي في نادي قومه؛ فنظر إلى السماء والنجوم، ثم أفكر طويلًا، ثم قال: "أرعوني أسماعكم، وأصغوا إلي قلوبكم؛ يبلغ الوعظ منكم حيث أريد، طمح١ بالأهواء الأشر، وران٢ على القلوب الكدر، وطخطخ٣ الجهل النظر، إن فيما ترى لمعتبرًا لمن اعتبر، أرض موضوعة، وسماء مرفوعة، وشمس تطلع وتغرب ونجوم تسري فتعزب، وقمر تطلعه النحور، وتمحقه أدبار الشهور، وعاجز مثر، وحول مكد٤، وشاب مختضر، ويفن٥ قد غبر، وراحلون لا يئوبون، وموقوفون
_________________
(١) ١ ارتفع وعلا وذهب. ٢ غلب. ٣ أظلم. ٤ رجل حول: شديد الاحتيال، وأكدى: لم ينجح، وأصله من أكدى إذا حفر فصادف الكدية "بضم الكاف" وهي الصفاة العظيمة الشديدة. ٥ الذي يموت حدثًا، وهو مأخوذ من الخضرة كأنه حصد أخضر، واليفن: الشيخ الكبير.
[ ١ / ٣٩ ]
لا يفرطون١ ومطر يرسل بقدر؛ فيحيي البشر، ويورق الشجر، ويطلع الثمر، وينبت الزهر، وماء يتفجر، من الصخر الأير٢؛ فيصجع المدر، عن أفنان الخضر، فيحيي الأنام، ويشبع السوام، وينمي الأنعام، إن في ذلك لأوضح الدلائل على المدير المقدر، الباري المصور. يأيها العقول النافرة، والقلوب النائرة٣، أنى تؤفكون، وعن أي سبيل تعمهون، وفي أي حيرة تهيمون، وإلى أي غاية توفضون٤، لو كشفت الأغطية عن القلوب، وتجلت الغشاوة عن العيون، لصرح الشك عن اليقين، وأفاق من نشوة الجهالة من استولت عليه الضلاضة".
"الأمالى ١: ٢٧٦".
_________________
(١) ١ يقدمون. ٢ الصلب. ٣ النائرة النافرة، نارت نورًا بفتح النون، ونوارًا بفتحها وكسرها: نفرت. ٤ تسرعون.
[ ١ / ٤٠ ]