لما قتل جساس١ بن مرة بن ذهل الشيباني كليب٢ بن ربيعة التغلبي، تشمر أخوه مهلهل٣ واستعد لحرب بكر، وجمع إليه قومه؛ فأرسل رجالًا منهم
_________________
(١) ١ وسبب ذلك أن البسوس بنت منقذ التميمية خالة جساس كان لها جار من جرم يقال له سعد بن شميس، وكانت له ناقة لها سراب، وكان كليب قد حمى أرضًا من أرض العالية، في أنف الربيع؛ فلم يكن يرعاه أحد إلا إبل جساس لمصاهرة بينهما -وكانت جليلة بنت مرة أخت جساس تحت كليب- فخرجت سراب في إبل جساس ترعى في حمى كليب، ونظر إليها كليب فأنكرها فرماها بسهم فأصاب ضرعها؛ فولت حتى بركت بفناء صاحبها وضرعها يشخب دما ولنا؛ فلما نظر إليها صرخ بالذل؛ فخرجت البسوس فضربت يدها على رأسها، ونادت واذلاه وسمعها جساس فسكتها، وقال لها: ليقتلن غدا فحل أعظم من ناقة جارك، ولم يزل يتوقع غرة كليب حتى أمكنته منه الفرصة فقتله، ونشبت من أجل ذلك الحرب "حرب البسوس" بين بكر وتغلب ابني وائل أربعين سنة "وبنو شيبان بطن من بكر". ٢ اسمه وائل بن ربيعة بن حارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل، وإنما لقب كليبًا؛ لأنه كان سار أخذ معه جرو كلب؛ فإذا مر بروضة أو موضع يعجبه، ضربه ثم ألقاه في ذلك المكان وهو يصيح ويعوي، فلا يسمع عواه أحد إلا تجنبه ولم يقربه، وكان يقال كليب وائل ثم اختصروا فقالوا كليب فغلب عليه. ٣ اسمه عدي بن ربيعة، وإنما قيل له المهلهل؛ لأنه أول من هلهل الشعر: أي أرقه.
[ ١ / ٤٠ ]
إلى بني شيبان، فأتوا مرة بن ذهل بن شبيان "أبا جساس" وهو في نادي قومه" فقالوا له:
"إنكم أتيتم عظيمًا بقتلكم كليبًا بناب١ من الإبل؛ فقطعتم الرحم، وانتهكتم الحرمة، وإنا كرهنا العجلة عليكم دون الإعذار إليكم، ونحن نعرض عليكم خلالًا أربعًا، لكم فيها مخرج، ولنا فيها مقنع؛ فقال مرة: وما هي؟ قالوا: تحيي لنا كليبًا، أو تدفع إلينا جساسًأ قاتله فنقتله به، أو همامًا٢ فإنه كفء له، أو تمكننا من نفسك؛ فإن فيك وفاء من دمه، فقال:" أما إحيائي كليبًا؛ فهذا ما لا يكون، وأما جساس؛ فإنه غلام طعن طعنة على عجل، ثم ركب فرسه؛ فلا أدري أي البلاد احتوى عليه، وأما همام فإنه أبو عشر، وأخو عشرة، وعم عشرة، كلهم فرسان قومهم؛ فلن يسلموه لي، فأدفعه إليكم يقتل بجريرة٣ غيره. وأما أنا فهل هو إلا أن تجول الخيل جولة غدًا؛ فأكون أول قتيل بينهما؟ فما أتعجل الموت؛ ولكن لكم عندي خصلتان: أما إحداهما فهؤلاء بني الباقون، فعلقوا في عنق أيهم شئتم نسعة؛ فانطلقوا به إلى رحالكم، فاذبحوه ذبح الجزور، وإلا فألف ناقة سود الحدق، حمر الوبر، أقيم لكم بها كفيلًا من بني وائل؛ فغضب القوم وقالوا: لقد أسأت، تبذل لنا ولدك، وتسومنا اللبن من دم كليب؟ " ونشبت الحرب بينهم.
"العقد الفريد٣: ٧٨، والكامل لابن الأثير١: ١٩٠، والأغاني٤: ١٤١".
_________________
(١) ١ الناقة المسنة. ٢ هو همام بن مرة أخو جساس، وكان نديمًا لمهلهل. ٣ الجريرة: الجريمة.
[ ١ / ٤١ ]