وفد على النعمان بن المنذر عامر بن مالك مُلَاعب الأسِنّة في رهط من بني جعفر بن كلاب، فيهم لبيد بن ربيعة، فطعن فيهم الربيع بن زياد العبسي، وذكر معايبهم -وكان نديمًا للنعمان، وكانت بنو جعفر لهم أعداء- فلم يزل بالنعمان حتى صده عنهم؛ فدخلوا عليه يومًا، فرأوا منه جفاء -وقد كان يكرمهم ويقربهم- فخرجوا غضابًا، ولبيد متخلف في رحالهم، يحفظ متاعهم، ويغدو بإبلهم كل صباح يرعاها -وكان أحدثهم سنًّا- فأتاهم ذات ليلة وهم يتذاكرون أمر الربيع؛ فسألهم عنه فكتموه، فقال: والله لا حفظت لكم متاعًا، ولا سرحت لكم بعيرًا، أو تخبروني فيم أنتم؟ وكانت أم لبيد يتيمة في حجر الربيع، فقالوا: خالك قد غلبنا على الملك، وصد عنا وجهه، فقال لبيد: هل تقدرون على أن تجمعوا بيني وبينه، فأزجره عنكم بقول ممض مؤلم، لا يلتفت إليه النعمان بعده أبدًا؟ قالوا: وهل عندك شيء؟ قال: نعم. قالوا: فإنا نبلوك.
[ ١ / ٦٧ ]
قال: وما ذاك؟ قالوا: تشم هذه البقلة -وقدامهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الأوراق، لاصقة بالأرض، تدعى التربة- فقال:
"هذه التربة التي لا تذكي١ نارًا، ولا تؤهل٢ دارًا، ولا تسر جارًا، عودها ضئيل، وفرعها كليل٣، وخيرها قليل، أقبح البقول مرعى، وأقصرها فرعًا، وأشدها قلعًا، فتعسًا لها وجدعًا٤، وبلدها شاسع٥، ونبتها خاشع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع٦؛ فالقوا بي أخا بني عبس، أرده عنكم بتعس٧ ونكس، وأتركه من أمره في لبس".
فلما أصبحوا غدوا به معهم إلى النعمان؛ فذكروا حاجتهم، فاعترض الربيع، فرجز به ليبد رجزًا ما لبث معه النعمان أن تقزز منه، وأمره بالانصراف إلى أهله
"مجمع الأمثال ٢: ٣٣ وجمهرة الأمثال ٢: ١١٦، والأغاني ١٤: ٩١، أبناء نجباء الأبناء ص ١٧١، وأمالي السيد المرتضى ١: ١٣٥".
_________________
(١) ١ تذكي: تشعل. ٢ أي ولا تؤدم أهل دار من الإهالة "ككتابة" وهي كل ما يؤتدم به، ويقال ثريدة مأهولة: أي فيها إهالة. ٣ ضعيف. ٤ قطعًا. ٥ بعيد. ٦ أي سائل. ٧ التعس: الهلاك.
[ ١ / ٦٨ ]