خرج خمسة نفر من طيئ من ذوي الحجا والرأي، منهم برج من مسهر، وهو أحد المعمرين. وأنيق بن حارثة بن لأم، وعبد الله بن سعد بن الحشرج أبو حاتم طيئ، وعارف الشاعر، ومرة بن عبد رضى، يريدون سواد بن قارب الدوسي، ليمتحنوا علمه؛ فلما قربوا من السراة، قالوا: ليخبأ كل رجل منا خبيئًا، ولايخبره به صاحبه، ليسأله عنه؛ فإن أصاب عرفنا علمه، وإن أخطأ ارتحلنا عنه، فخبأ كل رجل منهم خبيئًا، ثم صاروا إليه، فأهدوا له إبلًا وطرفًا من طرف الحيرة، فضرب عليهم قبه، وتحر لهم؛ فلما مضت ثلاث دعا بهم، فدخلوا عليه.
فتكلم برج -وكان أسنهم- فقال: "جادك السحاب، وأمرع لك الجناب١
_________________
(١) ١ أمرع: أخصب، والجناب: ما حول الدار.
[ ١ / ٨٢ ]
وضفت عليك النعم الرغاب١، نحن أولو الآكال٢، والحدائق والأغيال٣، والنعم الجفال٤، ونحن أسهار الأملاك، وفرسان العراك -يوري عنهم أنهم من بكر بن وائل-".
فقال سواد: "والسماء والأرض، والغمر والبرض٥، والقرض والفرض٦، إنكم لأهل الهضاب الشم، والنخيل العم٧، والصخور الصم، من أجأ العيطاء، وسلمى ذات الرقبة السطعاء٨".
قالوا: إنا كذلك، وقد خبأ لك كل رجل منا خبئًا؛ فتخبرنا باسمه وخبيئه؛ فقال لبرج: أقسم بالضياء والحلك٩، والنجوم والفلك، والشروق والدلك١٠، لقد خبأت برثن فرخ١١، في إعليط مرخ١٢، تحت آسرة الشرخ١٣" قال: ما أخطأت شيئًا؛ فمن أنا؟ قال: أنت برج بن مسهر، عصرة الممعر١٤، وثمال المحجر١٥".
_________________
(١) ١ الضافي: السابغ الكثير، ويقال: خير فلان ضاف على قومه: أي سابغ عليهم، والرغاب: الواسعة الكثيرة جمع رغيبة. ٢ الآكل: جمع أكل "كقفل وعنق" الرزق والحظ من الدنيا. ٣ الأغيال جمع غيل كشمس: وهو الماء الجاري على وجه الأرض. ٤ الجفال: الكثيرة. ٥ الغمر: الماء الكثير، ويقال: رجل غمر الخلق إذا كان واسع الخلق سخيًّا، والبرض: الماء القليل، ويقال فلان يتبرض حقه. أي يأخذه قليلًا قليلًا. ٦ القرض: ما تعطيه لتقضاه، والفرض: ما فرضته على نفسك فوهبته أوجدت به لغير ثواب. ٧ الشم: الطوال، وكذا العم. ٨ أجأ وسلمى: جبلا طيئ، والعيطاء: الطويلة، وكذا السطعاء. ٩ الحلك: شدة السواد. ١٠ دلكت الشمس دلوكًا: غربت أو اصفرت، والدلك وقت الدلوك. ١١ البرثن: ظفر كل ما لا يصيد من السباع والطير مثل الحمام والضب والفأرة فإذا كان مما يصيد، قيل لظفره مخلب. ١٢ المرخ: شجر تقدح منه النار، والإعليط: وعاء ثمر المرخ، والعرب تشبه به آذان الخيل. ١٣ الآسرة والإسار: القد الذي يشد به خشب الرحل، وشرخًا الرحل جانباه. ١٤ الممعر: الذي ذهب ماله، والعصرة: الملجأ والمنجاة. ١٥ الثمال: الغياث الذي يقوم بأمر قومه، والمحجر: الملجأ "بصبغة اسم المفعول" المضيق عليه.
[ ١ / ٨٣ ]
ثم قام أنيف بن حارثة؛ فقال: ما خبيئي وما اسمى؟ فقال: "والسحاب والتراب، والأصباب والأحداب١ والنعم والكتاب٢، لقد خبأت قطامة فسيط٣، وقذة مريط٤، في مدرة من مدى مطيط٥" قال: ما أخطأت شيئًا؛ فمن أنا؟ قال: أنت أنيف، قاري الضيف، ومعمل السيف، وخالط الشتاء بالصيف".
ثم قام عبد الله بن سعد. فقال: ما خبيئي وما اسمى؟ فقال سواد: "أقسم بالسوام العازب٦، والوقير الكارب٧: والمجد الراكب، والمشيح الحارب٨، لقد خبأت نفاثة فنن٩، في قطيع قد مرن١٠، أو أديم قد جرن". قال: ما أخطأت حرفًا فمن أنا؟ قال: أنت ابن سعد النوال، عطاؤك سجال١١، وشرك عضال، وعمدك طوال، وبيتك لا ينال".
ثم قام عارف؛ فقال: ما خبيئي وما اسمي؟ قال سواد: "أقسم بنفنف اللوح١٢
_________________
(١) ١ الأصباب: جمع صبب كسبب: وهو ما انخفض من الأرض، والأحداب: جمع حدب كسبب أيضًا: وهو ما علا. ٢ الكثيرة. ٣ القطامة: ما قطمته بفيك، والقطم بأطراف الأسنان، والفسيط: قلامة الظفر. ٤ القذة، الريشة، والمريط من السهام: الذي قد تمرط ريشه أي نتف. ٥ المدرة: قطعة طين يابسة، والمدى: جدول صغير يسيل فيه ما هريق من ماء البئر، والمطيطة: الماء الخاثر في أسفل الحوض. ٦ السوام: المال الراعي من الإبل، والعازب: البعيد. ٧ الوقير: القطيع من الغنم، والكارب: القريب. ٨ المشيح: الجاد، في لغة هذيل، وفي غيرها الحاذر، والحارب: السالب حربه حربًا كطلبه طلبًا: سلبه ماله. ٩ النفاثة: ما تنفثه من فيك، والفنن: واحد أفنان الأشجار وهي أغصانها. ١٠ القطيع: ما يقطع من الشجر: ومرن وجرن: لان. ١١ أي متداول بين الناس، لكل فريق منه نصيب. ١٢ النفنف واللوح واحد، وهما الهواء؛ وإنما أضاف لما اختلف اللفظان؛ فكأنه أضاف الشيء إلى غيره.
[ ١ / ٨٤ ]
والماء المسفوح١، والفضاء المندوح٢، لقد خبأت زمعة طلًا أعفر٣، في زعنفة٤ أديمٍ أحمر، تحت حلس نضو أدبر٥" قال: ما أخطأت شيئًا؛ فمن أنا؟ قال: "أنت عارف ذو اللسان العضب، والقلب الندب٦ والمضاء الغرب٧، مناع السرب٨ ومبيح النهب".
ثم قام مرة بن عبد رضًى؛ فقال: ما خبيئي وما اسمي؟ فقال سواد: "أقسم بالأرض والسماء، والبروج والأنواء٩، والظلمة والضياء، لقد خبأت دمة١٠، في رمة١١، تحت مشيط لمة١٢". قال: ما أخطأت شيئًا؛ فمن أنا؟ قال: أنت مرة، السريع الكرة، البطيء الفرة، الشديد المرة١٣".
قالوا: فأخبرنا بما رأينا في طريقنا إليك؛ فقال: "والناظر من حيث لا يرى والسامع قبل أن يناجى، والعالم بما لا يدري، لقد عنت لكم عقاب عجزاء١٤، في شغانيب١٥ دوحة جرداء، تحمل جدلًا١٦، فتماريتم١٧ إما يدًا وإما رجلًا"؛ فقالوا. كذلك، ثم مه؟ قال: "سنح لكم قبل طلوع الشرق ١٨، سيد أمق١٩،
_________________
(١) ١ المصبوب. ٢ الواسع. ٣ الطلا: ولد الظبي ساعة يولد، والصغير من كل شيء، والأعفر من الظباء ما يعلو بياضه حمرة، والزمعة: الشعرات المتدليات في رجل الأرنب. ٤ زعانف الأديم: أطرافه مثل اليدين والرجلين، ومالًا خير فيه جمع زعنفة بكسر الزاي والنون، ومنه قيل لرذال الناس الزعانف. ٥ الحلس للبعير كالبرذعة للحافر، والنضو: المهزول من الإبل وغيرها، والأدبر: الذي أصابه البر "بالتحريك" وهو قرحة الدابة. ٦ الذكي. ٧ الحد. ٨ السرب بالفتح: الماشية كلها، وبالكسر القطيع من الطباء والنساء وغيرها. ٩ الأنواء: جمع نوء "كسهم" النجم: مال للغروب. ١٠ الدمة: القملة. ١١ الرمة: العظام البالية. ١٢ اللمة: الشعر المجاوز شحمة الأذن، والمشيط: الممشوط. ١٣ المرة: القوة. ١٤ العجزاء: التي ابيض ذنبها، "وفي غير هذا الموضع: التي كبرت عجيزتها". ١٥ الشغانيب جمع شغنوب كعصفور وهو الغصن الناعم الرطب، والدوحة: الشجرة العظيمة. ١٦ الجدل: العضو وجمعه جدول. ١٧ تجادلتم. ١٨ الشرق: الشمس، والعرب تقول لا أفعل ذلك ما طلع شرق، وشرقت الشمس: طلعت، وأشرقت: أضاءت. ١٩ السيد: الذئب والأمق: الطويل.
[ ١ / ٨٥ ]
على ماء طرق١" قالوا: ثم ماذا؟ قال: "ثم تيس أفرق٢، سند في أبرق٣؛ فرماه الغلام الأزرق، فأصاب بين الوابلة٤ والمرفق". قالوا: صدقت، وأنت أعلم من تحمل الأرض، ثم ارتحلوا عنه.
"الأمالي ٢: ٢٩٢".
_________________
(١) ١ الطرق: الماء الذي بولت فيه الإبل، يقال: ماء طرق ومطروق. ٢ الأفرق من الشاه: البعيد ما بين خصييه. ٣ سند في الجليل: صعد، والأبرق والبرقاء والبرقة كفرصة: غلظ من الأرض فيه حجارة ورمل، وجبل أبرق: إذا كان فيه لونان. ٤ الوايلة: رأس العضد الذي يلي المنكب.
[ ١ / ٨٦ ]