كان خنافر بن التوءم الحميري كاهنًا، وكان قد أوتي بسطة في الجسم، وسعة في المال، وكان عاتيًا؛ فلما وفدت وفود اليمن على النبي ﷺ وظهر الإسلام أغار على إبل لمراد فاكتسحها، وخرج بأهله وماله، ولحق بالشحر؛ فحالف جودان بن يحيى الفرضمي، وكان سيدًا منيعًا، ونزل بواد من أودية الشحر مخصبًا كثير الشجر من الأيك والعرين١ قال خنافر: وكان رئي٢ في الجاهلية لا يكاد يتغيب عني؛ فلما شاع الإسلام فقدته مدة طويلة، وساءني ذلك؛ فبينا أنا ليلة بذلك الوادي نائمًا؛ إذ هوى هوي العقاب، فقال: خنافر؟ فقلت: شصار؟ فقال: اسمع أقل، قلت: قل أسمع؛ فقال: "عه تغنم، لكل مدة نهاية، وكل ذي أمد إلى غاية، قلت: أجل؛ فقال: كل دولة إلى أجل، ثم يتاح لها حول٣، انتُسخت النِّحل، ورجعت إلى حقائقها الملل، إنك سجير٤ موصول، والنصح لك مبذول، وإني آنست٥ بأرض الشأم نفرًا من آل العذام٦، حكامًا على الحكام، يذبرون٧ ذارونق من الكلام، ليس
_________________
(١) ١ الأيك: الشجر الملتف الكثير، والغيضة تنبت السدر والأراك، أو الجماعة من كل الشجر، والعرين: جماعة الشجر. ٢ الرئي: ما يتراءى للإنسان من الجن فيحب. ٣ الحلول: التحول. ٤ السجير: الصديق، والشجير: الغريب، وقيل يقال السجير والشجير للصديق. ٥ أبصرت. ٦ العذام: قبيلة من الجن، كذا قيل. ٧ ذبرت الكتاب: قرأته "وذبرته أيضًا: كتبته كزبرته".
[ ١ / ٨٨ ]
بالشعر المؤلف، ولا السجع المتكلف" فأصغيت فزجرت؛ فعاودت فظلفت١، فقلت: بم تهينمون٢، وإلام تعتزون٣؟ قالوا: "خطاب كبَّار٤، جاء من عند الملك الجبار؛ فاسمع يا شصار، عن أصدق الأخبار، واسلك أوضح الآثار، تنج من أوار٥ النار"؛ فقلت: وما هذا الكلام؟ فقالوا: "فرقان بين الكفر والإيمان، رسول من مصر، من أهل المدر، ابتعث فظهر؛ فجاء بقول قد بهر، وأوضح نهجًا قد دثر، فيه مواعظ لمن اعتبر، ومعاذ لمن ازدجر، ألف بالآى الكبر" قلت: ومن هذا المبعوث من مضر؟ قال: "أحمد خير البشر؛ فإن آمنت أعطيت الشبر٦، وإن خالفت أصليت سقر؛ فآمنت يا خنافر، وأقبلت إليك أبادر، فجانب كل كافر، وشايع كل مؤمن طاهر، وإلا فهو الفراق، لا عن تلاق"، قلت: من أين أبغي هذا الدين؟ قال: من ذات الأحرين٧ والنفر اليمانين، أهل الماء والطين، قلت: أوضح، قال: "الحق بيثرب ذات النخل، والحرة ذات النعل٨؛ فهناك أهل الطول والفضل، والمواساة والبذل، ثم امَّلس٩ عني، فبت مذعورًا أراعي الصباح، فلما برق لي النور، امتطيت راحلتي، وآذنت١٠ أعبدي، واحتملت بأهلي، حتى وردت الجوف، فرددت الإبل على أربابها، بحولها وسقابها١١، وأقبلت أريد صنعاء؛ فأصبت بها معاذ بن جبل أميرًا لرسول الله ﷺ فبايعته على الإسلام، وعلمني سورًا من القرآن، فمن الله علي بالهدى بعد الضلالة، والعلم بعد الجهالة".
"الأمالي ١:١٣٣".
_________________
(١) ١ منعت. ٢ الهينمة: الصوت الخفي. ٣ تنتسبون. ٤ كبير. ٥ الأوار: حر النار. ٦ الشبر بالسكون: الخير وحرك للسجع. ٧ الحرة "بالفتح" أرض ذات حجارة نخرة سود وتجمع على حرات وحرار وحرين وأحرين. ٨ النعل: المكان الغليظ من الحرة. ٩ أفلت. ١٠ أعلمت. ١ الحول جمع حائل وهي الأنثى من أولاد الإبل، والسقاب جمع سقب كشمس وهو الذكر.
[ ١ / ٨٩ ]