ورأى ربيعة بن نصر اللخمي ملك اليمن -وقد ملك بعد تبع الآخر- رؤيا هالته؛ فلم يدع كاهنًا، ولا ساحرًا، ولا عائفًا، ولا منجمًا من أهل مملكته إلا جمعه إليه؛ فقال لهم: إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت٢ بها، فأخبروني بها وبتأويلها، قالوا له: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها، قال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها؛ فإنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها؛ فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا؛ فليبعث إلى سطيح وشق؛ فإنه ليس أحد أعلم منهما فيها، يخبرانه بما سأل عنه، فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، فقال له: إني قد رأيت رؤيا
_________________
(١) ١ اسمه ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن غسان، وكان يقال له الذئبي نسبة إلى ذئب بن عدي، وكان من المعمرين قيل عاش ثلثمائة سنة وقيل سبعمائة، وزعموا أنه لم يكن له رأس ولا عنق، وأن وجهه كان في صدره، وأنه كان جسدًا ملق لا جوارح له، وكان لا يقدر على الجلوس إلا إذا غضب؛ فإنه ينتفخ فيجلس، وكان له سرير، وإذا أريد استخباره ليخبر عن المغيبات يحرك كما يحرك سفاء اللبن فينتفخ ويمتلئ ويعلوه النفس؛ فيسأل فيخبر عما يسأل عنه، "كذا" وأن كاهنة بني سعد بن هذيم وكانت بأعالى الشأم لما حضرتها الوفاة طلبت سطيحًا وشقًا "وسيأتي ذكره" وتفلت في فهما، وذكرت أن سطيحًا يخلفها في كهانتها، ثم ماتت في يومها ذلك. ٢ فظع بالأمر كفرح فظاعة: إذا هاله وغلبه.
[ ١ / ٩١ ]
هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها؛ فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها. قال: أفعل "رأيت حممة١، خرجت من ظلمة٢؛ فوقعت بأرض تهمة٣، فأكلت منها كل ذات جمجمة٤"؛ فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئًا يا سطيح، فما عندك في تأويلها؟ فقال: "أحلف بما بين الحرتين٥ من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش؛ فليملكن ما بين أبين٦ إلى جرش٧" فقال له الملك: وأبيك يا سطيح. إن هذا لنا لغائظ موجع؛ فمتى هو كائن، أفي زماني هذا أم بعده؟ قال: "لا؛ بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين" قال: أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع؟ قال: "لا، بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقتلون بها أجميعن، ويخرجون منها هاربين" قال: ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ قال: " يليه إرم٨ ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحدًا منهم باليمن" قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال: "بل ينقطع" قال: ومن يقطعه؟ قال: "نبي زكي، يأتيه الوحي من قبل العلي" قال: وممن هذا النبي؟ قال: "رجل من ولد غالب بن فهر، بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر" قال: وهل للدهر من آخر؟ قال:
_________________
(١) ١ الحممة وتجمع على حمم: الفحمة والرماد وكل ما احترق من النار، وتطلق الحممة على الجمر مجازًا باعتبار ما يتول إليه وهو المراد هنا. ٢ الظلمة: الظلام، وسترى في تعبير الرؤيا أنها إشارة إلى الأحباش السود. ٣ التهمة بالتحريك: الأرض المنصوبة إلى البحر، كالتهم محركة أيضًا كأنهما مصدران من تهامة؛ لأن التهائم منصوبة إلى البحر ويقال أيضًا: أرض تهمة كفرحة أي شديدة الحر، من التهم بالتحريك وهو شدة الحر وفي ابن الأثير "بهمة" بالباء يقال: أرض بهمة كفرحة أي كثيرة البهمي، والبهمي بالضم اسم نبت، والضبط الأول عندي أرجح. ٤ أي كل نفس ٥ الحرة: أرض ذات حجارة سود نخرة. ٦ مخلاف باليمن منه مدينة عدن. ٧ مخلاف باليمن من جهة مكة. ٨ الإرم كعنب وكتف: العلم "بالتحريك" أو خاص بعاد، والعلم سيد القوم، أي يتولاه سيد نبي ذي يزن، وهو سيف بن ذي يزن.
[ ١ / ٩٢ ]
"نعم. يوم يجتمع فيه الأولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون". قال: أحق ما تخبرنا يا سطيح؟ قال: "والشفق، والغسق١، والفلق٢ إذا انشق، إن ما أنبأتك به لحق".
_________________
(١) ١ الشفق: الحمرة في الأفق إلى قريب العتمة، والغسق: ظلمة أول الليل. ٢ الفلق: الصبح أو ما انفلق من عموده.
[ ١ / ٩٣ ]