عن ابن عباس ﵁ قال:
"لما كان ليلة ولد النبي ﷺ، ارتج إيوان كسرى؛ فسقطت منه أربع عشر شرفة؛ فعظم ذلك أهل ممكلته، فما كان أوشك أن كتب إليه
_________________
(١) ١ أي شك أو باطل.
[ ١ / ٩٤ ]
صاحب اليمن يخبره أن بحيرة ساوة١ غاضت تلك الليلة، وكتب إليه صاحب السماوة يخبره أن وادي السماوة٢ انقطع تلك الليلة، وكتب إليه صاحب طبرية أن الماء لم يجر تلك الليلة في بحيرة طبرية، وكتب إليه صاحب فارس يخبره أن بيوت النيران خمدت تلك الليلة، ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة؛ فلما تواترت الكتب أبرز سريره وظهر لأهل مملكته فأخبرهم الخير، فقال الموبذان٣: أيها الملك إني رأيت تلك الليلة رؤيا هالتني، قال له: وما رأيت؟ قال: رأيت إبلًا صعابًا، تقود خيلًا عرابًا، قد اقتحمت دجلة وانتشرت في بلادنا، قال: رأيت عظيمًا فما عندك في تأويلها؟ قال: ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء؛ ولكن أرسل إلى عاملك بالحيرة يوجه إليك رجلًا من علمائهم؛ فإنهم أصحاب علم بالحدثان، فبعث إليه عبد المسيح بن بقيلة الغساني؛ فلما قدم عليه أخبره كسرى الخبر، فقال له: أيها الملك، والله ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء، ولكن جهزني إلى خال لي بالشام يقال له سطيح. قال: جهزوه؛ فلما قدم إلى سطيح وجده قد احتضر، فناداه فلم يجبه، وكلمه فلم يرد عليه، فقال عبد المسيح:
أصم أم يسمع غطريف اليمن يا فاصل الخطة أعيت من ومن٤
أتاك شيخ الحي من آل سنن أبيض فضفاض الرداء والبدن٥
وسول فيل العجم يهوي للوثن لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن٦
_________________
(١) ١ هكذا في العقد الفريد، وفي السيرة الحلبية "وورد عليه كتاب من صاحب إيليا "بالشام" يخبره أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة" وفي معجم البلدان: "ساوة مدينة حسنة بين الري وهمذان في وسط، بينها وبين كل واحد من همذان والري ثلاثون فرسخًا، وفي حديث سطيح في أعلام النبوة: "وخمدت نار فارس وغارت بحيرة ساوة إلخ" ومنه يستفاد أنها في فارس. ٢ موضع بين الكوفة والشام. ٣ الموبذان والموبذ: فقيه الفرس وحاكم المجوس. ٤ الغطريف: السيد الشريف. ٥ الفضفاض: الواسع. ٦ القيل: الملك، أو هو دون الملك الأعلى.
[ ١ / ٩٥ ]
فرفع إليه رأسه وقال: "عبد المسيح، على جمل مشيح١، إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح٢، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاج الإيوان، وخمود الديوان، ورؤيا الموبذان، رأى إبلًا صعابًا، تقود خيلًا عرابًا، قد اقتحمت في الواد، وانتشرت في البلاد، يا عبد المسيح: إذا كثرت التلاوة٣، وظهر صاحب الهراوة٤، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس؛ فليست بابل للفرس مقامًا، ولا الشام لسطيح شامًا، يملك منهم ملوك وملكات٥، عدد سقوط الشرفات، وكل ما هو آت آت" ثم قال:
إن كان ملك بني ساسان أفرطهم فإن ذا الدهر أطوارًا دهارير٦
منهم بنو الصرح بهرام وإخوته والهرمزان وسابور وسابور
فربما أصبحوا يومًا بمنزلة تهاب صولهم الأسد المهاصير٧
حثوا المطي وجدوا في رحالهم فما يقوم لهم سرج ولا كور٨
والناس أولاد علات فمن علموا أن قد أقل فمحقور ومهجور٩
والخير والشر مقرونان في قرن فالخير متبع والشر محذور
_________________
(١) ١ جاد سريع. ٢ أي القبر، والمراد الموت. ٣ أي تلاوة القرآن. ٤ الهراوة: العصا الضخمة، وصاحبها هو النبي ﷺ؛ لأنه كان يمسك العصا كثيرًا عند مشيته. ٥ قال صاحب السيرة الحلبية: "لم أقف على أنه ملك منهم من النساء إلا واحدة وهي بوران، ملكت سنة ثم هلكت". ٦ أفرطهم: تركهم وزال عنهم، قال تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢] أي متروكون فيها، ودهر دهارير: أي شديد "كليلة ليلاء ويوم أيوم". ٧ المهاصير، جمع مهصار أو مهصير وهو الأسد من الهصر وهو الكسر والجذب والإمالة. ٨ الكور: الرحل بأداته. ٩ أولاد العلات: أولاد أمهات شتى من رجل واحد.
[ ١ / ٩٦ ]
ثم أتى كسرى فأخبره بما قاله سطيح فغمه ذلك، ثم تعزَّى، فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكًا يدور الزمان، فهلكوا كلهم في أربعين سنة، وكان آخر من هلك منهم في أول خلافة عثمان ﵁.
"تاريخ الطبري ٢: ١٣٢ والعقد الفريد ١: ١٠٨، والسيرة الحلبية ١: ٧٠، والمختصر في أخبار البشر لأبي الفداء ١: ١١٠".
[ ١ / ٩٧ ]