ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، وشرف في قومه، وعظم شأنه، ثم إنه حفر زمزم، وهي بئر إسماعيل بن إبراهيم ﵉، التي أسقاه الله منها، وكانت جرهم قد دفنتها١، وكان سبب حفره إياها أنه قال:
"بينا أنا نائم بالحج إذا أتاني آت فقال: احفر طيبة، قلت: وما طيبة؟ فذهب وتركني؛ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برة، قلت: وما برة؟ فذهب وتركني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي،
_________________
(١) ١ وذلك أن جرهم لما استخفت بأمر البيت الحرام، وارتكبوا الأمور العظام، قام فيهم رئيسهم مضاض بن عمرو خطيبًا ووعظهم فلم يرعووا؛ فلما رأى ذلك منهم عمد إلى غزالين من ذهب كانا في الكعبة وما وجد فيها من الأموال أي السيوف والدروع التي كانت تهدى إليها، ودفنها في بئر زمزم، وكانت قد نضب ماؤها فحفرها مضاض بالليل وأعمق الحفر ودفن فيها ذلك وطم البئر، وما زالت مطمومة إلى زمن عبد المطلب.
[ ١ / ١٠١ ]
فنمت فيه؛ فجاءني فقال: احفر المضنونة. قلت: وما المضنونة؟ فذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم، إنك إن حفرتها لا تذم٢، تسقي الحجيج الأعظم، مثل نعام جافل لم يقسم٣، ينذر فيها ناذر لمنعم، تكون ميراثًا وعقد محكم، ليس كبعض ما قد تعلم، وهي بين الفرث والدم٤، عند نقرة الغراب الأعصم٥، عند قربة النمل".
فلما بين له شأنها، ودله على موضعها، وعرف أنه قد صدق. غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث ليس له ولد غيره، فحفر بين أساف ونائلة، في الموضع الذي تنحر فيه قريش لأصنامها، وقد رأى الغراب ينقر هناك؛ فلما بدا له الطوي٦ كبر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته.
"تاريخ الكامل لابن الأثير ٢:٥، والسيرة الحلبية ١: ٣١، وسيرة ابن هشام ١: ٩٠".
_________________
(١) ١ طيبة، وبرة، والمضنونة: أسماء لزمزم. ٢ نزفت البئر: نزحت كنزفت بالضم، وبئر ذمة بالفتح وذميم وذميمة: قليلة الماء؛ لأنها تذم. ٣ جفل النعام: أسرع وذهب في الأرض، ولم يقسم: لم يفرق. ٤ أي في محنهما، والفرث: السرجين في الكرش، وذلك بين إساف ونائلة، "وإساف ككتاب وسحاب: صنم وضعه عمرو بن لحي على الصفا، ونائلة على المروة تجاه الكعبة". وكانت قريش تذبح عندهما ذبائحها التي تتقرب بها. ٥ الأعصم: قيل أحمر المنقار والرجلين، وقيل أبيض البطن، وقيل أبيض الجناحين، وقيل أبيض إحدى الرجلين. ٦ الطوى: البئر.
[ ١ / ١٠٢ ]