قال عبد الملك بن عبد الله بن بدرون في شرح قصيدة الوزير عبد المجيد بن عبدون، التي قالها في رثاء دولة بني الأفطس بالأندلس:
كان أوَّل من خرج من اليمن في أول تمزيقهم، عمرو بن عامر مزيقياء١، زمان سبب خروجه، أنه كانت له زوجة كاهنة، يقال لها "طريفة الخير"، وكانت رأت في منامها أن سحابة غشيت أرضهم فأرعدت وأبرقت، ثم صعقت، فأحرقت كل ما وقعت عليه؛ ففزعت طريفة لذلك فزعًا شديدًا، وأتت الملك عمرًا، وهي تقول: "ما رأيت اليوم، أزال عني النوم، رأيت غيمًا رعد وبرق٢ طويلًا، ثم صعق، فما وقع على شيء إلا احترق"؛ فلما رأى ما داخلها من الفزع سكنها، ثم إن عمرًا دخل حديقة له، ومعه جاريتان من جواريه؛ فبلغ ذلك طريفة، فخرجت إليه وخرج معها وصيف٣، لها اسمه سنان؛ فلما برزت من بيتها عرض لها ثلاث مناجيد منتصبات على
_________________
(١) ١ لقب بذلك؛ لأنه كان يلبس كل يوم حلتين، ويمزقهما بالعشي، يكره العود فيهما، ويأنف أن يلبسها غيره. ٢ رعدت السماء وبرقت "كنصر"، وأرعدت السماء وأبرقت، وأنكر الأصمعي الرباعي فيهما. ٣ الوصيف: الخادم والخادمة.
[ ١ / ١٠٥ ]
أرجلهن، واضعات أيديهن على أعينهن -وهي دواب تشبه اليرابيع١- فقعدت إلى الأرض واضعة يديها على عينيها، وقالت لوصيفها: إذا ذهبت هذه المناجيد فأخبرني؛ فلما ذهبت أعلمها، فانطلقت مسرعة؛ فلما عارضها خليج الحديقة التي فيها عمرو، وثبت من الماء سلحفاة. فوقعت في الطريق على ظهرها، وجعلت تروم الانقلاب فلا تستطيع، وتستعين بذنبها، فتحثو التراب على بطنها من جنباته، وتقذف بالبول قذفًا، فلما رأتها طريفة جلست إلى الأرض، فلما عادت السلحفاة إلى الماء، مضت إلى أن دخلت على عمرو وذلك حين انتصف النهار في ساعة شديدة الحر، فإذا الشجر يتكفأ من غير ريح، فلما رآها عمرو استحيا منها، وأمر الجاريتين بالتنحي، ثم قال لها يا طريفة: فكهنت وقالت: "والنور والظلماء، والأرض والسماء، إن الشجر لهالك، وليعودن الماء كما كان في الزمان السالك". قال عمرو: ومن خبرك بهذا؟ قالت: "أخبرتني المناجد، بسنين شدائد، يقطع فيها الولد الوالد" قال: ما تقولين.؟ قالت: "أقول قول الندمان لهفًا، لقد رأيت سلحفًا٢، تجرف التراب جرفًا، وتقذف بالبول قذفًا، فدخلت الحديقة، فإذا الشجر من غير ريح يتكفَّا" قال عمرو: وماترين؟ قالت: "داهية دهياء، من أمور جسيمة، ومصائب عظيمة" قال: وما هو؟ ويلك! قالت: "أجل، إن فيه الويل، وما لك فيه من قيل٣، وإن الويل فيما يجيء به السيل" فألقى عمرو نفسه عن فراشه، وقال: ما هذا يا طريفة؟ قالت: "هو خطب جليل، وحزن طويل، وخلف قليل" قال: وما علامة ما تذكرين؟ قالت "اذهب إلى السد؛ فإذا رأيت جردًا يكثر بيديه في السد الحفر، ويقلب برجليه من أجل الصخر، فاعلم أن غمر الغمر٤
_________________
(١) ١ اليربوع: دويبة نحو الفأرة لكن ذنبه وأذناه أطول منها، ورجلاه أطول من يديه عكس الزرافة. ٢ يقال: سلحفاة وسلحفاء وسلحفا، ويقال أيضًا سحلفا ساكنة اللام مفتوحة الحاء. ٣ قال قيلًا: نام في القائلة، وهي نصف النهار، والمراد هنا الإقامة والمكث. ٤ الغمر: الماء الكثير.
[ ١ / ١٠٦ ]
وأن قد وقع الأمر"، قال: وما هذا الذي تذكرين؟ قالت: "وعد من الله نزل" وباطل بطل، ونكال بنا نكل؛ فبغيرك يا عمرو فليكن النكل١، فانطلق عمرو فإذا الجوذ يقلب برجليه صخرة ما يقبلها خمسون رجلًا، "كذا" فرجع إلى طريفة فأخبرها الخبر وهو يقول:
أبصرت أمرًا عادني منه ألَمْ وهاج لي من هوله برح السقم٢
من جرذ كفحل خنزير الأجم أو كبش صرم من أفاريق الغنم٣
يسحب صخرًا من جلاميد العرم له مخاليب وأنياب قضم٤
ما فاته سحلًا من الصخر قصم٥
فقالت طريفة: وإن من علامات ما ذكرت لك أن تجلس فتأمر بزجاجة فتوضع بين يديك؛ فإن الريح تملؤها من تراب البطحاء٦، من سهلة٧ الوادي ورمله، وقد علمت أن الجنان مظللة لا يدخلها شمس ولا ريح، فأمر عمرو بزجاجة فوضعها بين يديه ولم يمكث إلا قليلًا حتى امتلأت من تراب البطحاء، فأخبر عمرو طريفة بذلك وقال لها: متى يكون هلك السد؟ قالت له: فيما بينك وبين سبع سنين. قال: ففي أيها يكون؟ قالت: "لا يعلم بذلك إلا الله، ولو علمه أحد لعلمته، ولا تأتي علي ليلة فيما بيني وبين سبع السنين إلا ظننت الهلاك في غدها، أو في مسائها، ثم رأى عمرو في نومه سيل العرم، وقيل له: آية ذلك أن ترى الحصباء في سعف النخل؛ فنظر إليها، فوجد الحصباء فيها قد
_________________
(١) ١ الثكل كسبب وقفل: الموت والهلاك. ٢ البرح: الشدة. ٣ الأجم جمع أجمة: وهي الشجر الكثير الملتف، والصرم: الجماعة والفرقة تجمع على فرق، وجمع الجمع أفراق، وجمع جمع الجمع أفاريق، والجلاميد جمع جلمود كعصفور: الصخر. ٤ العرم: السد يعترض به الوادي "ومن معانيه أيضًا المطر الشديد، والجرذ، وواد جاء السيل من قبله". ٥ سحله كمنع: فشره ونحته، وقصمه: كسره. ٦ البطحاء والأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى. ٧ السهلة بالكسر: تراب كالرمل يجيء به الماء، وأرض سهلة كفرحة: كثيرتها.
[ ١ / ١٠٧ ]
ظهرت؛ فعلم أن ذلك واقع، وأن بلادهم ستخرب، فكتم ذلك وأخفاء، وأجمع على بيع كل شيء له بأرض مأرب١ وأن يخرج منها هو وولده٢، فخرج ثم أرسل الله تعالى على السد٣ السيل فهدمه.
"شرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون ص٩٨".
_________________
(١) ١ مأرب: مدينة باليمن، وكان في الزمان الأول قاعدة التبابعة، وهي مدينة بلقيس، بينها وبين صنعاء نحو أربع مراحل، وتسمى سبأ باسم بانيها سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان. ٢ وقد خشي أن يستنكر الناس عليه ذلك؛ فأمر أحد أولاده إذا دعاه لما يدعوه إليه أن يتأبى عليه، وأن يفعل ذلك به في الملأ من الناس، وإذا لطمه، يرفع هو يده ويلطمه، ثم صنع طعامًا وبعث إلى أهل مأرب أن عمرًا صنع يوم مجد وذكر، فأحضروا طعامه؛ فلما جلس الناس للطعام جلس عنده ابنه الذي أمره بما أمر، فجعل يأمره بأمور فيتأبى عليه وينهاه فلا ينتهي، فرفع عمرو يده فلطمه على وجهه فلطمه ابنه، وكان اسمه ملكًا، فصاح عمرو واذلاه يوم فخر عمرو يهيجه صبي ويضرب وجهه وحلف ليقتلته، فلم يزالوا بعمرو يرغبون إليه حتى تركه، فقال والله لا أقيم بموضع صنع بي فيه هذا: ولأبيعن أموالي حتى لا يرث منها بعدي شيئًا، فقال الناس بعضهم لبعض: اغتنموا غضب عمرو واشتروا منه أمواله قبل أن يرضى فابتاع الناس منه كل أمواله التي بأرض مأرب، وفشا بعض حديثه فيما بلغه من شأن سيل العرم؛ فقام الناس من الأزد فباعوا أموالهم؛ فلما أكثروا البيع استنكر الناس ذلك فأمسكوا أيديهم عن الشراء، ولما اجتمعت إلى عمرو أمواله أخبر الناس بشأن سيل العرم، ولما خرج عمرو من اليمن خرج لخروجه منها بشر كثير؛ فنزلوا أرض عك فحاربتهم عك. فارتحلوا عنها، ثم اصطلحوا وبقوا بها حتى مات عمرو بن عامر، وتفرقوا على البلاد؛ فمنهم من صار إلى الشام، وهم أولاد جفنة بن عمرو بن عامر، ومنهم من صار إلى يثرب، وهم أبناء قبيلة الأوس والخزرج، وأبوهما حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، وصارت أزد الشراة إلى أرض الشراة، وأزد عمان إلى عمان، وصار ملك ابن فهم إلى العراق، ثم خرجت بعد عمرو بيسير من أرض اليمن طيئ فنزلت جبل طيئ أجأ وسلمى، ونزلت ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر تهامة، وسموا خزاعة لانخزاعهم وتمزقوا في البلاد كل ممزق. ٣ كان السد فيما يذكر قد بناه لقمان الأكبر بن عاد، وكان رصفه لحجارة السد بالرصاص والحديد ويقال إن الذي بناه كان من ملوك حمير، وذلك أن الماء كان يأتي أرض سبأ من الشحر وأودية اليمن، فردموا ردما بين جبلين وحبسوا الماء وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، فكانوا يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث، فأخصبوا وكثرت أموالهم؛ فلما كذبوا رسولهم أرسل الله عليهم سيل العرم
[ ١ / ١٠٨ ]
وقال أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني:
وسارت القبائل من أهل مأرب حين خافوا سيل العرم، وعليهم مزيقياء، ومعهم طريفة الكاهنة، فقالت لهم:
"لا تؤموا مكة حتى أقول، وما علمني ما أقول إلا الحكيم المحكم، رب جميع الأمم، من عرب وعجم" قالوا لها: ما شأنك يا طريفة؟ قالت: خذوا البعير الشدقم١، فخضبوه بالدم، تكن لكم أرض جرهم٢، جيران بيته المحرم".
"الأغاني ١٣: ١٠٥".
وروى الميداني في مجمع الأمثال قال:
"ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو ين عامر الذي يقال له مزيقيا بن ماء السماء، وكانت قد رأت في كهانتها٣ أن سد مأرب سيخرب، وأنه سيأتي سبل العرم، فيخرب الجنتين٤، فباع عمرو بن عامر أمواله، وسار هو وقومه حتى انتهوا إلى مكة، فأقاموا بمكة وما حولها، فاصابتهم الحمى، وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى، فدعوا طريفة فشكوا إليها الذي أصابهم، فقالت لهم: قد أصابني الذي تشكون، وهو مفرق بيننا. قالوا: فما تأمرين؟ قالت:
_________________
(١) ١ الواسع الشدق. ٢ وكانوا يسكنون مكة؛ فأرسل إليهم عمرو أن أفسحوا لنا في بلادكم حق نقيم قدر ما نستريح ونرسل روادًا إلى الشأم وإلى الشرق؛ فحيثما بلغنا أنه أمثل لحقنا به، فأبت ذلك جرهم إباء شديدًا، وقالوا: لا والله ما نحب أن ينزلوا فيضيقوا علينا مرابعنا ومواردنا، وكانت الحرب بين الفريقين، وانهزمت جرهم فلم يفلت منهم إلا الشريد. ٣ كهن كهانة بالفتح فهو كاهن، وحرفته الكهانة بالكسر. ٤ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥] .
[ ١ / ١٠٩ ]
"من كان منكم ذا هم بعيد، وجمل شديد، ومزاد١ جديد؛ فليلحق بقصر عمان المشيد٢؛ فكانت أزد عمان، ثم قالت: من كان منكم ذا جلد وقسر٣، وصبر على أزمات الدهر؛ فعليه بالأراك٤ من بطن مر٥، فكانت خزاعة، ثم قالت: من كان منكم يريد الراسيات في الوحل، والمطعمات في المحل٦؛ فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الأوس والخزرج، ثم قالت: من كان منكم يريد الخمر الخمير، والملك والتأمير، ويلبس الديباج والحرير، فليحلق ببصرى وغوير، "وهما من أرض الشام"، فكان الذي سكنوها من آل جفنة من غسان، ثم قالت: من كان منكم. يد الثياب الرقاق، والخيل العتاق، وكنوز الأرزاق، والدم المهراق، فليلحق بأرض العراق، فكان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش، ومن كان بالحيرة وآل محرق٧".
"مجمع الأمثال: ١: ١٨٦".
_________________
(١) ١ المزاد والمزايد جمع مزادة: وهي الراوية. ٢ المشيد: المرفوع، قال مسلم بن الوليد في رثاه يزيد بن مزيد: أما هدت لمصرعه نزار؟ بلى، وتقوض المجد المشيد. ٣ قسره على الأمر: قهره. ٤ الأراك: القطعة من الأرض، وموضع بعرفات، وجيل بهذيل. ٥ مر بن أد بن طابخة. ٦ المحل: الشدة والجدب. ٧ هو عمرو بن هند؛ لأنه حرق مائة من بني تميم.
[ ١ / ١١٠ ]