كان ثلاثة أبطن من قضاعة مجتورين١ بين الشحر وحضرموت: بنو ناعب، وبنو داهن، وبنو رئام وكانت بنو رئام أقلهم عددًا، وأشجعهم لقاء وكانت لبني رئام عجوز تسمى خويلة، وكانت لها أمة من مولدات العرب تسمى زبراء وكان يدخل على خويلة أربعون رجلًا، كلهم لها محرم، بنو إخوة وبنو أخوات، وكانت خويلة عقيمًا، وكان بنو ناعب، وبنو داهن متظاهرين على بني رئام؛ فاجتمع بنو رئام ذات يوم في عرس لهم، وهم سبعون رجلًا، كلهم شجاع بئيس٢، فطعموا وأقبلوا على شرابهم، وكانت
_________________
(١) ١ متجاورين. ٢ البئيس: الشجاع، من بؤس ككرم بأسًا.
[ ١ / ١١٠ ]
زبراء كاهنةً؛ فقالت لخويلة: انطلق بنا إلى قومك أنذرهم، فأقبلت خويلة تتوكأ على زبراء، فلما أبصرها القوم، قاموا إجلالًا لها. فقالت: "يا ثمر الأكباد، وأنداد١ الأولاد، وشجا٢ الحساد، هذه زبراء، تخبركم عن أنباء، قبل انحسار الظلماء، بالمؤيد٣ الشنعاء، فاسمعوا ما تقول". قالوا: وما تقولين يا زبراء؟ قالت:
"واللوح٤ الخافق، والليل الغاسق٥، والصباح الشارق، والنجم الطارق٦، والمزن الوادق٧، إن شجر الوادي ليأدو ختلًا٨، ويخرق أنيابًا عصلًا٩، وإن صخر الطود لينذر ثكلًا١٠، لا تجدون عنه معلًا١١".
فوافقت قومًا أشارى١٢ سكارى، فقالوا: "ريح خجوج١٣، بعيدة ما بين الفروج، أتت زبراء بالأبلق النتوج١٤".
فقالت زبراء: "مهلًا يا بني الأعزة، والله إني لأشم ذفر١٥ الرجال تحت الحديد"
_________________
(١) ١ أنداد: جمع ند بالكسر، وهو المثل والنظير. ٢ الشجا: ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه. ٣ المؤيد: الداهية والأمر العظيم. ٤ اللوح بالضم والفتح "والضم أعلى": الهواء بين السماء والأرض. ٥ غسق الليل كجلس: اشتدت ظلمته. ٦ الطارق: في الأصل، كل من أتى ليلًا، ثم استعمل النجوم لطلوعها ليلًا. ٧ المزن: السحاب أو أبيضه أو ذو الماء، والوادق من ودق المطر كوعد: قطر. ٨ أدوت له آدو أدوا إذا ختلته وخدعته "ودأيت له، ودألت له أيضًا" والختل: الخدع. ٩ حرق أنيابه: إذا حك بعضها ببعض، والعرب تقول عند الغضب بغضبه الرجل على صاحبه: "هو يحرق على الأرم" والأرم كسكر: الأضراس، والعصل: المعوجة جمع أعصل. ١٠ الطود: الجيل، والثكل، الفقد. ١١ المعل: المنجى. ١٢ الأشر محركة: المرح. ١٣ الخجوج: السريع المر. ١٤ الأبلق: وصف من البلق محركة، وهو ارتفاع البياض في قوائم القرس إلى الفخذين، والأبلق لا يكون نتوجًا، والعرب تضرب هذا مثلًا للشيء الذي لا ينال، تقول "طلب الأبلق العقوق؛ فلما فاته أراد بيض الأتوق" والعقوق كصبور: الحامل، والأفوق كصبور أيضًا، الذكر من الرخم ولا بيض له، هذا قول بعض اللغويين؛ فالمعنى أنه طلب ما لا يمكن، فلما لم يجد طلب أيضًا ما لا يكون ولا يوجد، وعامتهم يقولون: الأنوق الرخمة وهي تبيض في مكان لا يوصل فيه إلى بيضها إلا بعد عناء؛ فالمعنى أنه طلب ما لا يقدر عليه، فلما لم ينله طلب ما يجوز أن يناله. ١٥ الذفر: حدة الريح، يكون في النتن والطيب "والدفر لا يكون إلا في النتن".
[ ١ / ١١١ ]
فقال لها فتى منهم يقال له هذيل بن منقذ: "يا خذاق١، والله ما تشمين إلا ذفر إبطيك" فانصرفت عنهم وارتاب قوم من ذوي أسنانهم؛ فانصرف منهم أربعون رجلًا، وبقي ثلاثون، فرقدوا في مشربهم، وطرقتهم بنو داهن وبنو ناعب؛ فقتلوهم أجمعين، وأقبلت خويلة مع الصباح، فوقفت على مصارعهم، ثم عمدت إلى خناصرهم؛ فقطعتها وانتظمت منها قلادة، وألقتها في عنقها، وخرجت حتى لحقت بمرضاوى بن سعوة المهري. وهو ابن أختها فأناخت بفنائه، فاستعدته على بني داهن وبني ناعب، فخرج في منسر٢ من قومه، فطرقهم فأوجع فيهم.
"الأمالي ١: ١٢٦".
_________________
(١) ١ خذاق: كناية عما يخرج من الإنسان، يقال: خذق ومزق وزرق. ٢ المنسر من الخيل: ما بين الثلاثين إلى الأربعين، أو من الأربعين إلى الخسمين، أو إلى الستين أو المائة إل المائتين، وقطعة من الجيش تمر قدام الجيش الكبير.
[ ١ / ١١٢ ]