روي أن مرثد بن عبد كلال قفل من غزاة غزاها بغنائم عظيمة؛ فوفد عليه زعماء العرب وشعراؤها وخطباؤها يهنئونه؛ فرفع الحجاب عن الوافدين، وأوسعهم عطاء، واشتد سروره بهم؛ فبينما هو كذلك إذ نام يومًا فرأى رؤيا في المنام أخافته وأذعرته وهالته في حال منامه؛ فلما انتبه أنسيها حتى لم يذكر منها شيئًا، وثبت ارتياعه في نفسه بها؛ فانقلب سروره حزنًا، واحتجب عن الوفود حتى أساءوا به الظن، ثم إنه حشر الكهان فجعل يخلو بكاهن كاهن، ثم يقول له: أخبرني عما أريد أن أسألك عنه،
[ ١ / ١١٥ ]
فيجيبه الكاهن بأن لا علم عندي، حتى لم يدع كاهنًا عليه إلا كان إليه منه ذلك؛ فتضاعف قلقه، وطال أرقه، وكانت أمه قد تكهنت؛ فقالت له: أبيت اللعن أيها الملك، إن الكواهن أهدى إلى ما تسأل عنه؛ لأن أتباع الكواهن من الجان، ألطف وأظرف من أتباع الكهان؛ فأمر بحشر الكواهن إليه، وسألهن كما سأل الكهان، فلم يجد عند واحدة منهن علمًا مما أراد علمه، ولما يئس من طلبته سلا عنها، ثم إنه بعد ذلك ذهب يتصيد، فأوغل في طلب الصيد، وانفرد عن أصحابه؛ فرفعت له أبيات من ذرا١ جبل، وكان قد لفحه الهجير؛ فعدل إلى الأبيات، وقصد بيتًا منها كان منفردًا عنها؛ فبرزت إليه منه عجوز؛ فقالت له: انزل بالرحب والسعة، والأمن والدعة، والجفنة المدعدعة٢، والعلبة المترعة٣، فنزل عن جواده، ودخل البيت؛ فلما احتجت عن الشمس، وحفقت عليه الأرواح٤، نام فلم يستيقظ حتى تصرم الهجير؛ فجلس يمسح عينه؛ فإذا هو بين يديه فتاة لم ير مثلها قوامًا ولا جمالًا؛ فقالت: "أبيت اللعن أيها الملك الهمام! هل لك في الطعام؟ " فاشتد إشفاقه وخاف على نفسه لما رأى أنها عرفته، وتصام عن كلمتها؛ فقالت له: "لا حذر، فداك البشر، فجدك الأكبر، وحظنا بك الأوفر". ثم قربت إليه ثريدًا وقد يدًا وحيسًا٥، وقامت تذب عنه، حتى انتهى أكله، ثم سقته لبنًا صريفًا وضريبًا٦؛ فشرب ما شاء، وجعل يتأملها مقبلة ومدبرة؛ فملأت عينيه حسنًا، وقلبه هوى، فقال لها: ما اسمك يا جارية؟ قالت: اسمي عفيراء، فقال لها: يا عفيراء، من الذي دعوته بالملك الهمام؟ قالت: "مرثد العظيم الشأن، حاش الكواهن والكهان، لمعضلة بعد عنها الجان"، فقال يا عفيراء:
_________________
(١) ١ أي في كنفه وستره. ٢ الجفنة: القصعة، والمدعدعة: التي ملئت بقوة ثم حركت حتى تراص ما فيها، ثم ملئت بعد ذلك. ٣ العلبة: قدح ضخم من جلود الإبل أو من خشب يحلب فيها، والمترعة: المملوءة. ٤ الأرواح، وللرياح جمع ريح. ٥ القديد: اللحم المقددة، أو ما قطع منه طولًا، ولا حيس: تمر يخلط بسمن وأقط، فيعجن شديدًا ثم يندر منه نواه "والأقط شيء يتخذ من المخيض الغنمي". ٦ الصريف: اللبن ساعة حلب، والضريب: اللبن يحلب من عدة لقاح في إناء.
[ ١ / ١١٦ ]
أتعلمين تلك المعضلة؟ قالت: "أجل أيها الملك، إنها رؤيا منام، ليست بأضغاث١ أحلام". قالت الملك: أصبت يا عفيراء، فما تلك الرؤيا؟ قالت: "رأيت أعاصير٢ زابع بعضها لبعض تابع، فيها لهب لامع، ولها دخان ساطع، يقفوها نهر متدافع، وسمعت فيما أنت سامع، دعاء ذي جرس٣ صادع: هلموا إلى الشارع٤، فروي جارع٥، وغرق كارع٦" فقال الملك: أجل، هذه رؤياي؛ فما تأويلها يا عفيراء؟ قالت: "الأعاصير الزوابع، ملوك تبابع٧، والنهر علم واسع، والداعي نبي شافع، والجارع ولي تابع، والكارع عدو منازع". فقال الملك: يا عفيراء، أسلم هذا النبي أم حرب؟ فقالت: "أقسم برافع السماء ومنزل الماء من القماء٨، إنه لمطل الدماء٩، ومنطق العقائل نطق الإماء١٠". فقال الملك: إلام يدعو يا عفيراء؟ قالت: "إلى صلاة وصيام، وصلة أرحام، وكسر أصنام: وتعطيل أزلام١١، واجتناب آثام" فقال الملك:
_________________
(١) ١ أضغاث أحلام: رؤيا لا يصح تأويلها لاختلاطها. ٢ الأعاصير جمع إعصار وهو الربح التي تهب من الأرض كالعمود نحو السماء، أو التي فيها العصار بالكسر وهو الغبار الشديد. ٣ الجرس: الصوت. ٤ المشارع جمع مشرعة وهي مورد الشاربة. ٥ جارع: فاعل من جرع الماء كسمع ومنع إذا بلعه. ٦ كارع فاعل من كرع في الماء كسمع ومنع تناوله بغية من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء. ٧ التبايع جمع تبع كسكر: ملوك اليمن. ٨ العماء: السحاب الكثيف. ٩ انظر قوله ﵊ في خطبته في حجة الوداع "وإن دماء الجاهلية موضوعة". ١٠ العقائل: كرائم النساء جمع عقيلة، والنطق جمع نطاق ككتاب النطاق والمنطقة: ما تشد به المرأة وسطها للمهنة، ونطقها تنطيقًا: ألبسها النطاق فتنطقت وانتطقت ومنطق النساء أي يسبيهن فيشددن النطق على أوساطهن للخدمة كالإماء. ١١ الأزلام جمع زلم كسبب قداح كان العرب يستقسمون بها في الجاهلية "أي يطلبون معرفة ما قسم لهم" وذلك أنهم كانوا إذا قصدوا فعلًا من تجارة أو سفر أجالوا ثلاثة قداح "للقداح جمع قداح بالكسر وهو السهم قبل أن يراش" وكانت عند أصنامهم، أحدها مكتوب عليه: أمرني ربي، والثاني: نهاني ربي، والثالث: غفل؛ فإن خرج الأول مضوا في الأمر، أو الثاني أحجموا عنه، أو الثالث أجالوها ثانية حتى يخرج أحد الأولين.
[ ١ / ١١٧ ]
يا غفيراء، إذا ذبح قومه فمن أعضاده١؟ قالت: أعضاده غطاريف٢ يمانون، طائرهم به ميمون، يغزيهم فيغزون، ويدمث٣ بهم الحزون وإلى نصره يعتزون". فأطرق الملك يؤامر٤ نفسه في خطبتها، فقالت: "أبيت اللعن أيها الملك! إن تابعي غيور، ولأمري صبور، وناكحي مثبور، والكلف بي ثبور٥". فنهض الملك وجال في صهوة٦ جواده، وانطلق، فبعث إليها بمائة ناقة كوماء٧.
"بلوغ الأرب ٣: ٢٩٦".
_________________
(١) ١ الأعضاد: الأنصار جمع عضد، والذبح معروف، والمراد هنا إذا قطعوه وتركوا نصرته. ٢ الغطاريف جمع غطريف وهو السيد الشريف. ٣ يسهل، والحزون جمع حزن كشمس وهو ما غلط من الأرض. ٤ يشاور. ٥ الثبور: الهلاك. ٦ الصهوة: مقعد الفارس من ظهر فرسه. ٧ الكوماء: الناقة العظيمة السنام.
[ ١ / ١١٨ ]