وأوصى الحارث بن كعب بنيه فقال:
"يا بني قد أتت علي مائة وستون سنة، ما صافحت يميني غادر، ولا قنعت لنفس بخلة١ فاجر، ولا صبوت بابنة عم ولا كنة٢، ولا بحت لصديق بسر، ولا طرحت عن مؤمسة قناعًا، ولا بقي على دين عيسى بن مريم -وروي: على دين شعيب- من العرب غيري وغير تميم بن مرة، وأسد بن خزيمة؛ فموتوا على شريعتي، واحفظوا وصيتي، وإلهمك فاتقوا، يكفكم ما أهمكم، ويصلح لكم حالكم، وإياكم ومعصيته، فيحل بكم الدمار، ويوحش منكم الديار. كونوا جميعًا ولا تفرقوا، فتكونو شيعًا، وبزوا قبل٣ أن تبزوا، فموت في عز خير من حياة في ذل وعجز، وكل ما هو كائن كائن، وكل جمع إلى تباين، والدهر ضربان، ضرب بلاء، وضرب رخاء، واليوم يومان، يوم حرة، ويوم عبرة، والناس رجلان، رجل لك، ورجل عليك، زوجوا النساء الأكفاء، وإلا فانتظروا بهن القضاء، وليكن أطيب طيبهن
_________________
(١) ١ الخلة: الصداقة المختصة الخلل فيها تكون في عفاف وفي دعارة "والخلة أيضًا الصديق للذكر والأنثى والواحدة والجميع". ٢ الكنة: امرأة الابن أو الأخ جمعه كنائن. ٣ بزه: سلبه، وفي المثل: من عزيز، أي من غلب سلب.
[ ١ / ١٢٢ ]
الماء، وإياكم والورهاء١؛ فإنها أدوأ الداء، وإن ولدها إلى أفن٢ يكون، لا راحة لقاطع القرابة، وإذا اختلفت القوم أمكنوا عدوهم، وآفة العدو اختلاف الكلمة، والتفضل بالحسنة، يقى السيئة، والمكافأة بالسيئة دخول فيها، وعمل السوء يزيل النعماء، وقطعية الرحم تورث الهم، وانتهاك الحرمة، يزيل النعمة، وعقوق الوالدين يعقب النكد، ويخرب البلد، ويمحق العدو، والإسراف في النصيحة، هو الفضيحة، والحقد يمنع الرفد، ولزوم الخطيئة، يعقب البلية، وسوء الرعة٣، يقطع أسباب المنفعة، والضغائن تدعوا إلى التباين، يا بني، إني قد أكلت مع أقوام وشربت؛ فذهبوا وغبرت، وكأني قد لحقت، ثم قال:
أكلت شبابي فأفنيته وأبليت بعد دهور دهورا
ثلاثة أهلين صاحبتهم فبادوا وأصبحت شيخًا كبيرًا
قليل الطعام، عسير القيام قد ترك الدهر خطوى قصيرا
أبيت أراعي نجوم السماء أقلت أمري بطونًا ظهورا
"شرح ابن أبي الحديد ٤: ١٥٤".
_________________
(١) ١ الحمقاء: من وره كفرح: حمق فهو أوره. ٢ ضعف الرأي والعقل. ٣ الرعة: الطريقة.
[ ١ / ١٢٣ ]