اجتمع عامر بن الظرب العدواني، وحممة بن رافع الدوسي عند ملك من ملوك حمير؛ فقال: تساءلًا حتى أسمع ما تقولان. قال عامر لحممة: أين تحب أن تكون أياديك؟ قال: عند ذي الرثية١ العديم، وذي الخلة٢ الكريم، والمعسر الغريم، والمستضعف الهضيم. قال: من أحق الناس بالمقت؟ قال: الفقير المختال، والضعيف الصوال، والعيي القوال. قال: فمن أحق الناس بالمنع؟ قال: الحريص الكاند٣، والمستميد٤ الحاسد، والملحف الواجد. قال: فمن أجدر الناس بالصنيعة؟ قال: من إذا أعطى شكر، وإذا
_________________
(١) ١ الرثية: وجع المفاصل واليدين والرجلين "الروماتزم". ٢ الخلة الخاجة. ٣ الكاند: الذي يكفر النعمة، والكنود الكفور: "إن الإنسان لربه لكنود". ٤ المستميد والمستمير: المستعطى.
[ ١ / ١٨ ]
منع عذر، وإذا موطل صبر، وإذا قدم العهد ذكر. قال: من أكرم الناس عشرة؟ قال: من إن قرب منح، وإن بعد مدح، وإن ظلم صفح، وإن ضويق سمح، قال: من ألأم الناس؟ قال: من إذا سأل خضع، وإذا سئل منع، وإذا ملك كنع١، ظاهره جشع٢، وباطنه طبع٣. قال: فمن أحلم الناس؟ قال: من عفا إذا قدر، وأجمل إذا انتصر، ولم تطغه عزة الظفر. قال: فمن أحزم الناس؟ قال: من أخذ رقاب الأمور بيديه، وجعل العواقب نصب عينيه، ونبذ التهيب دبر أذنيه٤، قال: فمن أخرق الناس؟ قال: من ركب الخطار٥، واعتسف٦ العثار، وأسرع في البدار، قبل الاقتدار. قال: فمن أجود الناس؟ قال: من بذل المجهود، ولم يأس على المعهود. قال: فمن أبلغ الناس؟ قال: فمن جلى المعنى المزيز٧، باللفظ الوجيز، وطبق٨ المفصل. قبل التحزيز. قال: فمن أنعم الناس عيشًا؟ قال: من تحلى بالعفاف، ورضي بالكفاف، وتجاوز ما يخاف إلى ما لا يخاف. قال: فمن أشقى الناس؟. قال: من حسد على النعم، وتسخط على القسم، واستشعر الندم، على فوت مالم يحتم. قال: من أغنى الناس؟ قال: من استشعر اليأس، وأبدى التجمل للناس، واستكثر قليل النعم، ولم يسخط على القسم. قال: فمن أحكم الناس؟ قال: من صمت فادكر، ونظر فاعتبر، ووعظ فازدجر. قال: من أجهل الناس؟ قال: من رأى الخرق مغمًا، والتجاوز مغرمًا" "الأمالي ٢:٢٨٠".
_________________
(١) ١ تقبض. تكنع جلده إذا تقبض أي ممسك بخيل. ٢ الجشع: أسوأ الحرص. ٣ الدنس. ٤ جعلت الشيء دبر أذني: إذا لم ألتفت إليه. ٥ جمع خطر، وهو الإشراف على الهلاك. ٦ الاعتساف: ركوب الطريق على غير هداية وركوب الأمر على غير معرفة. ٧ الصعب. ٨ التطبيق: أن يصيب السيف المفاصل فيفصلها لا يجاوزها.
[ ١ / ١٩ ]