كتب أبو بكر الصديق ﵁ إلى قبائل العرب التى ارتدّت عن الإسلام بعد وفاة رسول الله ﷺ- سنة ١١ هـ- كتابا واحدا، ونصه:
«بسم الله الرحمن الرحيم: من أبى بكر خليفة رسول الله ﷺ، إلى من بلغه كتابى هذا من عامّة وخاصّة، أقام على إسلامه أو رجع عنه.
سلام على من اتبع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضّلالة والعمى، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأقرّ بما جاء به، وأكفّر من أبى وأجاهده.
أما بعد، فإن الله تعالى أرسل محمدا بالحقّ من عنده إلى خلقه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، لينذر من كان حيّا، ويحقّ القول على
_________________
(١) وفى ابن أبى الحديد «من استبطن النفاق».
(٢) اللبان: الصدر. الأزر الظهر والقوة. الإصر: الذنب والثقل.
[ ١ / ١٠٩ ]
الكافرين، فهدى الله للحق من أجاب إليه، وضرب رسول الله ﷺ بإذنه من أدبر عنه، حتى صار إلى الإسلام طوعا وكرها، ثمّ توفّى الله رسوله ﷺ وقد نفّذ لأمر الله، ونصح لأمته، وقضى الذى عليه، وكان الله قد بيّن له ذلك ولأهل الإسلام، فى الكتاب الذى أنزله فقال: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» وقال:
«وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» وقال للمؤمنين: «وما محمّد إلّا رسول قد خلت من قبله الرّسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئا، وسيجزى الله الشّاكرين» فمن كان إنما يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان إنما يعبد الله وحده لا شريك له، فإن الله له بالمرصاد حىّ قيّوم (١) لا يموت، ولا تأخذه سنة (٢)، ولا نوم، حافظ لأمره، منتقم من عدوه بحزبه.
وإنى أوصيكم بتقوى الله وحظّكم ونصيبكم من الله، وما جاءكم به نبيكم ﷺ، وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله، فإن كل من لم يهده الله ضالّ، وكل من لم يعافه مبتلى، وكل من لم يعنه مخذول، فمن هداه الله كان مهتديا، ومن أضله كان ضالّا، قال الله تعالى: «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا»
ولم يقبل منه فى الدنيا عمل حتى يقرّ به، ولم يقبل منه فى الآخرة صرف ولا عدل (٣).
وقد بلغنى رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقرّ بالإسلام وعمل به، اغترارا بالله، وجهالة بأمره، وإجابة للشيطان، قال الله جلّ ثناؤه: «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ
_________________
(١) المرصاد: الطريق. وفلان يرصد فلانا أى يقعد له على طريقه يترقبه. والمعنى أن الله يرصد كل إنسان حتى يجزاه بأعماله لا يفوته منها شيء. القيوم: الدائم القيام بتدبير خلقه وحفظه.
(٢) السنة: فتور يتقدم النوم. قال ابن الرقاع: وسنان أقصده النعاس فرنقت فى عينه سنة وليس بنائم
(٣) انظر هامش ص ٣٣.
[ ١ / ١١٠ ]
اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا» وقال جلّ ذكره:
«إنّ الشّيطان لكم عدوّ فاتّخذوه عدوّا إنّما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السّعير».
وإنى أنفذت إليكم فلانا فى جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته ألا يقاتل أحدا ولا يقتله، حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقرّ وكفّ وعمل صالحا، قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرته أن يقاتله على ذلك، ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرّقهم بالنيران، ويقتلهم كلّ قتلة، وأن يسبى النساء والذارىّ، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله.
وقد أمرت رسولى أن يقرأ كتابى فى كل مجمع لكم، والداعية الأذان، فإذا أذّن المسلمون فأذّنوا كفّوا عنهم، وإن لم يؤذّنوا عاجلوهم، وإذن أذّنوا سألوهم ما عليهم، فإن أبوا عاجلوهم، وإن أقرّوا قبل منهم وحملهم على ما ينبغى لهم».
(تاريخ الطبرى ٣: ٢٢٦، وصبح الأعشى ٦: ٣٨٤)