وروى صاحب العقد الفريد أن النعمان بن المنذر قدم على كسرى، وعنده وفود الروم والهند والصين، فذكروا من ملوكهم وبلادهم، فافتخر النعمان بالعرب وفضّلهم على جميع الأمم، لا يستثنى فارس ولا غيرها، فانبرى كسرى يعدّد مآثر الأمم ومفاخرها، ثم تنقّص العرب، وهجّن (١) أمرهم وامتهنهم، فردّ عليه النعمان مفنّدا قوله، مباهيا بمناقب العرب ومحاسنها.
فلما رجع إلى الحيرة، وفى نفسه ما فيها مما سمع من كسرى، بعث إلى بعض وجوه العرب (٢)، فاقتصّ عليهم مقالات كسرى، وما ردّ عليه، وقال لهم: الرأى أن تسيروا بجماعتكم أيّها الرّهط، وتنطلقوا إلى كسرى، فإذا دخلتم فطق كل رجل منكم بما حضره ليعلم أن العرب على غير ما ظن أو حدّثته نفسه، ثم جهزّهم وكتب معهم كتابا وهو:
_________________
(١) هجنه: قبحه.
(٢) بعث إلى أكثم بن صيفى وحاجب بن زرارة التميميين. وإلى الحرث ابن عباد، وقيس بن مسعود البكريين. وإلى خالد بن جعفر، وعلقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل العامريين. وإلى عمرو بن الشريد السلمى. وإلى عمرو بن معد يكرب الزبيدى. والحرث بن ظالم المرى. وقد أتيت على خطبهم، وما رد به كسرى عليهم فى كتابى «جمهرة خطب العرب ج ١: ص ١٥».
[ ١ / ٢٠ ]
«أما بعد، فإن الملك ألقى إلىّ من أمر العرب ما قد علم، وأجبته بما قد فهم، مما أحببت أن يكون منه على علم، ولا يتلجلج فى نفسه أن أمة من الأمم التى احتجزت دونه بمملكتها، وحمت ما يليها بفضل قوتها، تبلغها فى شئ من الأمور التى يتعزّز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير والمكيدة، وقد أوفدت أيها الملك رهطا من العرب، لهم فضل فى أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم، فليسمع الملك، وليغمض عن جفاء إن ظهر من منطقهم، وليكرمنى بإكرامهم وتعجيل سراحهم، وقد نسبتهم فى أسفل كتابى هذا إلى عشائرهم».
(العقد الفريد ١: ١٠٣)