وكان أبو بكر ﵁ قد بعث المثنّى بن حارثة الشّيبانىّ على جيش إلى العراق، فقدم العراق فقاتل وأغار على أهل فارس ونواحى السّواد، فقاتل حولا أو نحوه، ثم بعث أخاه مسعود بن حارثة إلى أبى بكر يستمده، فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد، وهو باليمامة.
«بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله أبى بكر خليفة رسول الله ﷺ إلى خالد بن الوليد ومن معه من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، سلام عليكم، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فالحمد لله الذى أنجز وعده، ونصر دينه، وأعزّ وليّه، وأذلّ عدوّه، وغلب الأحزاب فردا، فإن الله الذى لا إله إلا هو، وعد الّذين آمنوا منكم وعملوا الصّالحات ليستخلفنّهم فى الأرض كما استخلف الّذين من قبلهم، وليمكنّنّ لهم دينهم الّذى ارتضى لهم، وليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا، ومن كفر بعد ذلك، فأولئك هم
_________________
(١) مثل به: كنصر مثلا بالفتح ومثله بالضم، ومثل به تمثيلا: نكل به.
[ ١ / ١١٩ ]
الفاسقون، وعدا لا خلف له، ومقالا لا ريب فيه، وفرض على المؤمنين الجهاد، فقال عزّ من قائل: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» فاستتمّوا موعد الله إياكم، وأطيعوه فيما فرض عليكم، وإن عظمت فيه المئونة، واشتدت فيه الرزيّة، وبعدت فيه الشّقة (١)، وفجعتم فى ذلك بالأموال والأنفس، فإن ذلك يسير فى عظيم ثواب الله، ولقد ذكر لنا الصادق المصدوق ﷺ أن الله يبعث الشّهداء يوم القيامة شاهرين سيوفهم لا يتمنّون على الله شيئا إلا آتاهموه، حتى أعطوا أمانيّهم، وما لم يخطر على قلوبهم، فما شئ يتمناه الشهيد بعد دخوله الجنة! إلا أن يردّهم الله إلى الدنيا، فيقرضون (٢) بالمقاريض فى الله لعظيم ثواب الله، انفروا- رحمكم الله فى سبيل الله- خفافا وثقالا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، فقد أمرت خالد بن الوليد بالمسير إلى العراق لا يبرحه حتى يأتيه أمرى، فسيروا معه، ولا تثّاقلوا عنه، فإنه سبيل يعظم الله فيه الأجر لمن حسنت فيه نيّته، وعظمت فى الخير رغبته، فإذا قدمتم العراق فكونوا بها حتى يأتيكم أمرى، كفانا الله وإياكم مهمّ أمور الدنيا والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله»
(فتوح الشام للأزدى ص ٤٦)