وروى الطبرى أيضا حديثا فى أمر عبد المطلب وعمه نوفل بن عبد مناف، قال:
كان سبب بدء الحلف (٧) الذى كان بين بنى هاشم وخزاعة الذى افتتح رسول الله ﷺ بسببه مكة (٨)، أن نوفل بن عبد مناف- وكان آخر من بقى من بنى عبد مناف- ظلم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف على أركاح له- وهى الساحات-
_________________
(١) رجل حمس كفرح وحميس وأحمس: شجاع، وفى الأصل: «والخميس» وهو تصحيف. «والخميس: الجيش، لأنه خمس فرق: المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساقة».
(٢) هويه كرضيه: أحبه والحسيس والحس (بالكسر) الصوت.
(٣) أى أبطح مكة، والأبطح والبطحاء: بطن الوادى- مسيل واسع فيه دقاق الحصى.
(٤) الحجر: حجر الكعبة، وهو ما حواه الحطيم المدار بالكعبة من جانب الشمال.
(٥) البنية: الكعبة.
(٦) ورد فى الطبرى بعد ذلك: «قال محمد بن أبى بكر الأنصارى، فحدثت بهذا الحديث موسى ابن عيسى، فقال: يا بن أبى بكر، هذا شئ ترويه الأنصار تقربا إلينا إذ صير الله الدولة فينا، عبد المطلب كان أعز فى قومه من أن يحتاج إلى أن يركب بنو النجار من المدينة إليه. قلت: أصلح الله الأمير، قد احتاج إلى نصرهم من كان خيرا من عبد المطلب قال: وكان متوكئا فجلس مغضبا وقال: من خير من عبد المطلب؟ قلت: محمد رسول الله ﷺ، قال: صدقت وعاد إلى مكانه وقال لبنيه: اكتبوا هذا الحديث من ابن أبى بكر».
(٧) الحلف: العهد بين القوم، والصداقة.
(٨) وذلك أن رسول الله ﷺ لما عقد مع قريش صلح الحديبية (سنة ٦ هـ) كان من شروط الصلح وضع الحرب عن الناس عشر سنين، وأنه من أحب أن يدخل فى عقد محمد وعهده دخل-
[ ١ / ٢٢ ]
وكانت أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو النّجارية من الخزرج، فتنصّف (١) عبد المطلب عمّه فلم ينصفه، فكتب إلى أخواله:
يا طول ليلى لأحزانى وأشغالى هل من رسول إلى النّجّار أخوالى؟
ينبى «عديّا» و«دينارا» و«مازنها» و«مالكا» عصمة الجيران، عن حالى
قد كنت فيكم ولا أخشى ظلامة ذى ظلم عزيزا منيعا ناعم البال (٢)
حتى ارتحلت إلى قومى وأزعجنى عن ذاك «مطّلب» عمّى بترحالى
وكنت- ما كان حيّا- ناعما جذلا أمشى العرضنة سحّابا لأذيالى (٣)
فغاب «مطّلب» فى قعر مظلمة وقام نوفل كى يعدو على مالى (٤)
أأن رأى رجلا غابت عمومته وغاب أخواله عنه بلا والى
أنحى عليه ولم يحفظ له رحما ما أمنع المرء بين العمّ والخال!
فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم لا تخذلوه وما أنتم بخذّال (٥)
ما مثلكم فى بنى قحطان قاطبة حىّ لجار وإنعام وإفضال (٦)
_________________
(١) - فيه، ومن أحب أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن فى عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن فى عقد قريش وعهدهم، كما سيأتى، وكان بين خزاعة وبكر دماء فى الجاهلية كمنت نارها بظهور الإسلام، فلما كانت الهدنة، وقف رجل بكرى يتغنى بهجاء رسول الله ﷺ على مسمع من رجل خزاعى، فضربه الخزاعى، فحرك ذلك كامن الأحقاد، وهب بنو بكر للثأر من أعدائهم، واستعانوا بأوليائهم من قريش، فأعانوهم سرا بالعدة والرجال، ثم قصدوا إلى خزاعة وهم آمنون، فقتلوا منهم ما يربو على العشرين، فبعثت خزاعة وفدا منهم إلى رسول الله ليخبره بما فعل بهم بنو بكر وقريش، فقال لهم: والله لأمنعنكم مما أمنع منه نفسى، وكان ذلك سبب فتحه مكة.
(٢) تنصفه: سأله أن ينصفه.
(٣) الظلامة: ما تطلبه عند الظالم، وهو اسم ما أخذه منك.
(٤) من قولهم: فلان يمشى العرضنة والعرضنى بالقصر: أى فى مشيته بغى من نشاطه.
(٥) عدا عليه: ظلمه. منع نوفل من الصرف لضرورة الشعر.
(٦) استنفره: دعاه أن ينفر معه، ونفر للحرب كضرب: أسرع إليها.
(٧) قاطبة: جميعا.
[ ١ / ٢٣ ]
أنتم ليان لمن لانت عريكته سلم لكم وسمام الأبلخ العالى (١)
فقدم عليه منهم ثمانون راكبا، فأناخوا بفناء الكعبة، فلما رآهم نوفل بن عبد مناف. قال لهم: أنعموا (٢) صباحا، فقالوا له: لا نعم صباحك أيها الرجل! أنصف ابن أختنا من ظلامته، قال: أفعل بالحبّ لكم والكرامة، فرد عليه الأركاح وأنصفه، فانصرفوا عنه إلى بلادهم.
فدعا ذلك عبد المطلب إلى الحلف، فدعا عبد المطلب بسر بن عمرو وورقاء بن فلان ورجالا من رجالات خزاعة، فدخلوا الكعبة وكتبوا كتابا.
(تاريخ الطبرى ج ٢: ص ١٧٩)