التخلص هو أن يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني فبينما هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره وجعل الأول سببا إليه فيكون بعضه آخذا برقاب بعض من غي أن يقطع كلامه ويستأنف كلاما آخر بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغا وذلك مما يدل على حذق الشاعر وقوة تصرفه من أجل أن تطاق الكلام يضيق عليه ويكون متبعا للوزن والقيافة فلا تؤاتيه الألفاظ على حسب إرادته. وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء فلذلك يشق التخلص على الشاعر أكثر مما يشق على الناثر. ومما جاء من التخلصات الحسنة قول المتنبي المتوفى سنة ٣٥٤ هـ؟.
خليليَّ إني لا أرى غيرَ شاعرٍ فلمَ منهم الدّعوى ومنّي القصائد
فلا تعجبًا إنّ السيوفَ كثيرةٌ ولكن سيفَ الدولة اليومَ واحد
وهذا هو الكلام الآخذ بعضه برقاب بعض ألا ترى إلى الخروج إلى مدح الممدوح في هذه الأبيات كأنه أفرغ في قالب واحد، والاقتضاب أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ويستأنف كلاما آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك ولايكون للثاني علاقة بالأول كقول أبي نواس المتوفى سنة ١٩٨هـ؟ في قصيدته النونية التي لم يكمل حسنها بالتخلص من الغزل إلى المديح بل اقتضبه اقتضابا فبينما هو يصف الخمر ويقوا:
فاسقني كأسًا على عذلٍ كرهتْ مسموعه أذني
من كميتِ اللّونِ صافيةٍ خيرِ ما سلسلتَ في بدني
ما استقّرت في فؤاد فتى فدرى ما لوعة الحزن
[ ١ / ٣٧ ]
حتى قال:
تضحكُ النيا إلى ملكٍ قامَ بالآثار والسُّنن
سنّ للناس الندى فندوا فكأنّ البخلَ لم يكنِ
وإذا لم يستطع التخلص بأن كان قبيحا ممسوخا فالاقتضاب أولى منه فينبغي لسالك هذه الطريقة أن ينظر إلى ما يصوغه فإن أتاه التخلص حسنا كما ينبغي وإلا فليدعه ولايستكرهه حتى يكون مثل هذا.
واعلم أن التخلص غير ممكن في كل الأحوال وهو من مستصعبات علم البيان فليتدبر الشاعر.
(انتهى من المثل السائر بتصرف)