بالتحمل أحاسب مولاي أيده الله على أخلاقه ضنًا بما عقدت يدي عليه من الظن به والتقدير في مذهبه: لولا ذلك لقلت في الأرض مجال إن ضاقت ظلالك وفي الناس واصل إن رثت حبالك واأخذه بأفعاله: فإن أعارني أذنًا واعية ونفسًا مراعية وقلبًا متعظًا ورجوعًا عن ذهابه ونزوعًا عن هذا الباب الذي يقرعه ونزولًا عن الصعود الذي يفرعه فرشت لمودته خوان صدري وعقدت عليه جوامع خصري ومجامع عمري وغن ركب من التعالي غير مركبه وذهب من التغالي في غير مذهبه أقطعته خطة أخلاقه ووليته جانب إعراضه.
ولا أذودُ الطير عن شجرٍ قد بلوت المرّ من ثمره
فإني وإن كنت في مقتبل السن والعمر قد حلبت شطري الدهر وركبت ظهري البر والبحر ولقيت وفدي الخير والشر وصافحت يدي النفع والضر وضربت إبطي العسر واليسر وبلوت
[ ١ / ١٢٦ ]
طعمي الحلو والمر ورضعت ضرعي العرف والنكر فما تكاد الأيام تريني من أفعالها غريبًا وتسمعني من أحوالها عجيبًا ولقيت الأفراد وطرحت الآحاد فما رأيت أحدًا إلا ملأت حافتي سمعه وبصره وشغلت حيزي فكره وأثقلت كتفه في الحزن وكتفه في الوزن وود لو بادر القرن صحيفتي أو لقي صفيحتي فما لي صغرت هذا الصغر في عينه وما الذي أزرى بي عنده حتى احتجت وقد قصدته ولزم وقد حضرته.
أنا أحاشيه أن يجهل قدر الفضل أو يجحد فضل العلم أو يمتطي ظهر التيه على أهليه وأسأله أن يختصني من بينهم بفضل إعظام إن زلت بي مرة قدم في قصده وكأني به وقد غضب لهذه المخاطبة المجحفة والرتبة المتحيفة وهو في جنب جفائه يسير فإن أقلع عن عادته ونزع عن شيمته في الجفاء فأطال الله بقاء الأستاذ الفاضل وأدام عزه وتأييده.