والباحث في هذا الجانب من الأغاني لابد له أن يتساءل: لقد أشرف على طبعات
[ ٤٢٢ ]
الكتاب منذ العام ١٨٦٨ حتى ١٩٢٧ م عدد من كبريات الهيئات العلمية كان آخرها/ المؤسسة المصرية العامة للتأليف والطباعة والنشر/ وعدد من عِلْية المثقفين، ويكفي أن يكون على رأس آخرهم عمالقة مثل الشاعر حافظ إبراهيم وأحمد نسيم والعلامة أحمد تيمور باشا والأستاذ محمد الخضري وأحمد أمين. منهم المصحح ومنهم المدقق والمُراجع.. وقد ظهر أثر هؤلاء الكبار بارزًا! اضبط الأعلام والغريب والشعر والأماكن والمصطلحات، فجاءت هذه الطبعة على غاية من الدقة خالية من كل الأخطاء التي شوهت الطبعتين السابقتين. وهو جهد يستحق الثناء ونتمنى أن يكون نصيبَ كل مطبوع هام من تراثنا الأثير..
على أن المطلع على هذا المجهود المتكامل لا يسعه إلا أن يتساءل أيضا: ألم يكن من حق هذا التراث على تلك اللجان الممتازة من كبار العلماء المسلمين وأدبائهم أن يوجهوا بعض هذا الجهد لتطهير الكتاب من هاتيك الشوائب التي دُست على تاريخ الإسلام فشوهت الكثير من معالمه وسِيَرِ أعلامِه!!.
لاجرم أن ضبط الألفاظ ذات الدلالات العلمية والاصطلاحية عمل مشكور تقتضيه الأمانة، ولكن حق الأمة مورِثةِ هذا التراث أمانة في عنق أولي العلم، وهي تقتضيهم كذلك أن يُعنَوا بالحفاظ على موجباتها فيتعقبوا كل نبأ يغمط هذا الحق بالنظر في إسناده وإتباعه بالرأي الذي يكشف ما وراءه من نية مدخولة أو واقع صحيح، ولوهم فعلوا، وفي طوقهم أن يفعلوا، لأنصفوا الحقيقة، ولصححوا نظرة القراء إلى ماضي هذه الأمة بدلا من التطويح بهم في مجاهل الضياع.. ولم لا.. وهم أحق الناس بتدقيق الأسانيد ومعرفة رجالها والتمييز بين مجروحِهم ومعدَّلِهم، وإنه لمن المتعذر الظن بأن هؤلاء السادة كانوا يواجهون كل هاتيك المفتريات الصارخة على تاريخنا وهم عاجزون عن تقييمها، حتى يختلط الحق بالباطل، ويخرج قارئها السليم القلب وهو أقرب إلى تصديقها، أخذًا بشهادة هذه الثلة الكريمة المشرفة على إخراج الكتاب جملة وتفصيلا!. ولا جرم أن لإغضاء الهيئة الفاضلة على هاتيك البوائق أثرًا لا ينكر في إعطائها صفة الوقائع الحاسمة، ومن ثَم تعميمها، ثم الإسهام مع مؤلفها! اتشويه تاريخنا العريق!.
[ ٤٢٣ ]
على أن المتبادر إلى الذهن بإزاء هذا الوضع أن التبعة إنما تقع على منهج الهيئة في مثل هذا الموقف، إذ ترى أن مسئوليتها تتحدد في إتقان الإخراج والضبط دون التعرض لقيمة المضمون!. وهذا قد يكون مقبولا في المَرويات الخفيفة لا في كتاب الأغاني الذي تُقَدمه/ المؤسسة المصرية العامة- في التصدير الأول المؤرخ عام ١٩٦٣ م- بأنه (الموسوعة الأدبية الجامعة) ومن قبلُ يصفه رئيس المجلس الأعلى لدار الكتب المصرية/ على ماهر باشا- في التصدير الثاني ص ٧ والمؤرخ في مايو ١٢٢٥- بأنه (الكتاب الجليل القدر الذي يُعَد مصدرًا للأدب العربي وينبوعًا يغترف منه كل متأدب ولا يستغني عنه أديب..) وهو تعريف لا ينافي الواقع عندما يُنظر إليه من حيث الكثافة الثقافية التي يستوعبها الكتاب، وتؤيدها الأسانيدُ الصحيحةُ، ولكنه لا ينبغي أن يشمل التفاهات التي لا يُقرها عقل ولادين وتُسقط رواية مؤلفِها عند العلماء الثقات كالإمام ابن الجوزي الذي يقول عنه إنه (يصرح في كتبه بما يوجب عليه الفسق.. ومن تأمل كتاب الأغاني رأى كل منكر وقبيح) - التصدير ص ١٠- ومعلوم عند أهل المروءة والدين أن الفاسق ساقط الشهادة.
ومن يدري.. فلعل الهيئة الفاضلة قد تأثرت بتوجيهات المستشرقين في اعتبارهم هذا الكتاب ذروة التراث العربي، دون اهتمام بما وراء تلك الدعاية المدخولة من أهداف خبيثة، ودون أي رعاية لمعايير الفكر الإسلامي السليم، الذي هو الوحيد بين مواريث الأمم الذي يستمد مقوماته من منابع الوحي الذي لا يأتيه الباطل.. وهذا الضرب من التغرير هو ديدن الكفرة من المستشرقين. الذين يحدوهم العداء الموروث للإِسلام إلى إذاعة كل ما ينالا حقيقتَه من كتب الفِرَق الضالة والتصوف الغالي، فيُشيدون بها على أنها الممثلة لجوهر الإسلام، ولا غرض لهم سوى إفساد الضمير الإسلامي..
[ ٤٢٤ ]