كان النبي ﷺ يمزح، ولا يقول إلا حقًا.
فمن ذلك قوله لإحدى عماته: إن الجنة لا تدخلها عجوز، فلما جزعت من ذلك قال لها: إن الله يخلقهن يوم القيامة شواب أبكارًا.
وقال ﷺ لامرأة: ما فعل زوجك الذي في عينيه بياض، فلما جزعت من ذلك، قال لها: أوليس في كل عين بياض؟ وقال لرسول الله ﷺ رجل: احملني، قال: ما عندي إلا ولد الناقة، قال: ما أصنع بولد الناقة؟ فقال ﷺ: وهل الإبل إلا من النوق.
وقال ﷺ: دخل نعيمان الجنة ضاحكًا؛ لأنه كان يضحكني.
[ ٢٦ ]
وروي أن نعيمان ﵁ أصابه رمد في عينه، فعاده رسول الله ﷺ فوجده يأكل تمرًا، فقال له: أتأكل التمر وأنت أرمد؟ فقال له نعيمان: إنما أنا آكل من الجهة الأخرى، فضحك رسول الله ﷺ.
وقيل لسفيان الثوري: المزاح هجنة، قال: بل سنة.
وقال عبد الله بن عمر لجاريته: خلقني خالق الخير، وخلقك خالق الشر، فبكت، فقال: لا عليك؛ فإن الله هو خالق الخير والشر جميعًا.
وكانت سويداء لبعض الأنصار، تختلف إلى عائشة ﵂، تلعب بين يديها وتضحكها، وربما كان النبي ﷺ يدخل على عائشة فيجدها عندها، فيضحكان جميعًا، ثم إن النبي ﷺ فقدها، فقال: يا عائشة ما فعلت سويداء؟ قالت: إنها مريضة، فجاء النبي ﷺ يعودها فوجدها في الموت، فقال لأهلها: إذا توفيت فأذنوني، فلما توفيت أعلموه، فشهدها، وصلى عليها وقال: اللهم إنها كانت حريصة على أن تضحكني، فأضحكها فرحًا.
وفي بعض الكتب المترجمة أن يحيى وشمعون كانا من الحواريين، فكان يحيى لا يجلس مجلسًا إلا ضحك وأضحك من حوله، وكان شمعون لا يجلس مجلسًا إلا بكى وأبكى من حوله، فقال شمعون ليحيى: ما أكثر ضحكك، كأنك قد فرغت من عملك، فقال له يحيى: ما أكثر بكاءك كأنك قد يئست من ربك، فأوحى الله إلى عيسى ﵇: أن أحب السيرتين إلي سيرة يحيى.
وفي بعض الكتب المنزلة أيضًا أن عيسى بن مريم لقي يحيى بن زكرياء فقال له عيسى: إنك لتبتسم تبسم آمن، فقال له يحيى: إنك لتعبس تعبس قانط، فأوحى الله إلى عيسى ﵇ أن الذي يفعل يحيى أحب إلي.
وكان عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ فيه مزاح، فدخل على عائشة أم المؤمنين ﵂، وهي عمة والده يعودها في مرضها الذي ماتت فيه، فقال لها: كيف تجدينك يا أمي، فدتك نفسي، فقالت: في الموت، قال: فلا أفديك إذن، فتبسمت وقالت له: ما تدع مزاحك على حال.
ولقي نعيمان، وهو من قدماء الصحابة، وكان رجلًا صالحًا مع ما كان فيه من المزاح، أعرابيًا معه عكة عسل، فاشتراها منه، وجاء بها إلى عائشة والنبي ﷺ عندها، فقرع الباب، وقال: خذوا هذه، فظن رسول الله ﷺ أنه أهداها له، ومر نعيمان، وترك الأعرابي جالسًا، فلما طال جلوسه، صاح: يا هؤلاء، ردوا علي عسلي إن لم يحضر الثمن، فسمع النبي ﷺ كلامه، فأعطاه ثمنه، فلما جاء نعيمان، قال له رسول الله ﷺ: ما حملك على ما فعلت يا نعيمان؟ قال: رأيت النبي ﷺ يحب العسل، ولم كين عندي ثمنه، فضحك النبي ﷺ.
ومر نعيمان بابن نوفل البصير، وهو في المسجد، فقال له: أريد أن أبول فأخذه بيده، وحمله إلى موضع في المسجد، وقال له: اجلس، ومضى وتركه، فبال، فصاح الناس به: يا أبا المغيرة، إنك لفي المسجد، قال: نعيمان أجلسني ها هنا، لله علي أن أضربه بعصاي هذه إن وجدته، فبلغه الخبر، فجاءه بعد ذلك، وهو لا يعرفه، فقال له: هل أدلك على نعيمان؟ قال: نعم، قال: هو ذا يصلي، وجاء به إلى عثمان بن عفان ﵁، فقال: هذا نعيمان، فعلاه بالعصا، فضحك الناس به: ويحك، هو عثمان، فقال: من قادني إليه؟ قالوا: نعيمان، قال: والله لا تعرضت له بسوء أبدًا.
[ ٢٧ ]
وخرج نعيمان وسويبط بن عبد العزيز، في تجارة مع أبي بكر الصديق ﵁، وكان سويبط على الزاد، فجاءه نعيمان في بعض منازلهم، فاستعطفه أن يعطيه من الطعام، فقال له: حتى يجيء أو بكر، فذهب نعيمان إلى قوم من رؤساء الحي الذي هم فيه، فقال لهم: إن لي عبدًا، فهل فيكم من يشتريه مني؟ فقالوا: نعم، فقال: إنه ذو لسان، وربما يقول: أنا حر، فتسمعون منه، فلا تغروني وتفسدوا علي غلامي، فقالوا: لا عليك، نحن لا نسمع قوله، فاشتروه، منه بعشرة من الإبل، فقبضها منهم، وجاء بهم إلى سويبط، فقال لهم: هذا هو، فقالوا: قم معنا، قال: وما الخبر؟ قالوا: قد اشتريناك من مولاك، قال: ومن مولاي؟ قالوا: نعيمان، قال: كذب وفجر، فتلكأ، فوضعوا عمامته في عنقه، وذهبوا به، وجاء أبو بكر وطلب سويبطًا، فلم يجده، فأخبر بفعل نعيمان، فذهب هو وأصحابه إلى القوم وخلصوه منهم، وردوا إليهم إبلهم، فلما قوموا أخبروا رسول الله ﷺ، فضحك هو وأصحابه من ذلك.
وأتى رجل ابن سيرين، فقال: ما تقول في رؤيا رأيتها، كأن لي غنمًا، وكنت أعطى فيها ثمانية دراهم في كل رأس، فأبيت أن أبيع، ففتحت عيني، فلم أر شيئًا، فغلقتهما ومددت يدي وقلت: هاتوا أربعة أربعة، فلم أعط شيئًا، فقال ابن سيرين: لعلهم اطلعوا على عيب في الغنم فكرهوها، فقال: يمكن ما ذكرت.
وقيل للقاضي شريح: أيما أطيب الجوزنيق أو اللوزنيق؟ فقال: لا أحكم على غائب.
وقيل لابن سيرين: من أكل سبع رطب على الريق، سبحت في بطنه، فقال: إن كان هذا فينبغي للوزينج إذا أكل أن يصلي التراويح.
وسئل ابن سيرين عن رجل، فقال: توفي البارحة، فلما رأى وجه الرجل السائل، قال له: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) .
وقال رجل للأعمش: كيف بت البارحة؟ فدخل البيت، فأخرج فراشه ومخدته، وفرشهما واضطجع، وقال: هكذا بت البارحة.
وسأل رجل الشعبي عن المسح على اللحية، فقال: خللها، فقال: إني أخاف ألا ينالها الماء، قال: إن خفت ذلك فانقعها من أول الليل.
وكان الشعبي جالسًا مع أصحابه، وإذا بجمال على عاتقه دن، فلما رأى الشعبي وضع الدن عن عاتقه، وقال: رحمك الله، ما اسم امرأة إبليس؟ فقال الشعبي: ذلك نكاح ما شهدته.
وجاءه رجل فقال: كيف كان طالع إبليس؟ فقال: إن المنجمين لا يعرفون طالع مولود حتى يعرف وقت ولادته، فسل عن الوقت الذي ولد فيه وتجيء حتى أعرفك بطالعه.
وجاءه رجل فقال: تزوجت امرأة وهي عرجاء، أفلي أن أردها بالعيب؟ قال: إن كنت تريد أن تسابق عليها فلك ردها.
وجاءه رجل فقال: أصاب ثوبي البلل، قال: اغسله، قال: بماذا أعزك الله؟ قال: بالخل.
واختصم الطفاوة مع بني راسب، في ابن يدعيه الفريقان، إلى زياد، وأقاموا جميعًا البينة، فأشكل على زياد أمره، فقال سعد من بني عمرو بن يربوع: أصلح الله الأمير ولني الحكم بينهم، قال: وما عندك في ذلك؟ قال: أرى أن يلقى في النهر، فإن رسب فهو من بني راسب، وإن طفا فهو من بني الطفاوة، فأخذ زياد نعله وقام، وغلبه الضحك، ثم أرسل إليه، ألم أنهك عن المزاح في مجلسي، قال: أصلح الله الأمير حضرني أمر خفت أن أنساه، فضحك زياد، وقال: لا تعودن.
وجاء رجل إلى ثمامة بن أشرس، أن يسلفه ويؤخره. فقال له: هذه حاجتان، فأنا أقضي لك إحداهما، قال: قد رضيت، قال: فأنا أؤخرك ما شئت ولا أسلفك.
وسأل رجل عمرو بن قيس عن حصاة المسجد يجدها الإنسان في ثوبه أو خفه أو جبهته، فقال له: ارم بها، فقال الرجل، زعموا أنها تصيح حتى ترد إلى المسجد، قال: دعها تصيح حتى ينشق حلقها، قال الرجل: أولها حلق؟ قال: فمن أين تصيح إذن؟