صرخ ديك في شجرة، فسمعه ثعلب، فأتى إليه، فقال: أبا المنذر، أذنت؟ قال: نعم، قال: انزل نصلي جماعة، قال الديك: أيقظ الإمام، فتخيل للثعلب أنه ديك آخر، فرأى كلبًا له ذنب أكبر من كلحته، فهرب، ولم يرد رأسه، فقال له الديك: يفوت الوقت، قال: انتقض الوضوء، أجدده، وأرجع إن شاء الله.
وأخرج راع غنمًا للرعي، فجاء مع الليل، والعصا على عنقه من دون غنم، فقيل له: أين الغنم؟ قال: لا إله إلا الله، وأنا أقول: أي شيء نسيت في الجبل؟
[ ٢٨ ]
وقال الأصمعي: رأيت أعرابيًا في زمن الصيف، ينغمس في ماء، ويقوم ومعه خيط كبير فيه عقد كثيرة، فقلت له: ما هذا، قال: جنابات اكتسبناها في الشتاء، نقضي طهارتها في الصيف.
وأحرق فران طاجنًا لفقيه، فجاء ووقف على باب الفرن، وقال: أيها الفرين المسكين، أضرمت اليوم السعير، وأحرقت الطجير، فورب العالمين، لولا أنك عندنا أمين، لضربتك بهذا الإطربزين، وأكلت من السياط مائة وتسعين، ولبثت في السجن بضع سنين، فقال له الفران: (وسلم على المرسلين والحمد لله رب العلمين) .
وقال الأصمعي: دخلت المدينة، فوجدت بها بقالًا، يوقد سراجًا في الظهر، ويشعله، فسألته عن ذلك فقال: أرى الناس يبيعون عندي غيري، ويشترون من عند غيري، فأظن أنهم لا يرونني، فأشعل السراج.
وغضبت أم حصى يومًا عليه، فقالت له: يا بني، حملتك في بطني تسعة أشهر، وأرضعتك وربيتك، ولا تكافئني على ذلك، فقال لها: أنت تمنين علي بدخولي في بطنك تسعة أشهر، ادخلي أنت في سوأتي تسع سنين.
ودخل أصم الحمام، فجعل رجل يخرج ريحًا، فلما كان بعد ساعة، قال له في أذنه: أولا تسمع شيئًا؟ قال: لا والله يا حبيبي، إلا خروج الريح أسمعه خيالًا.
وقيل لرجل: ما ورثت أختك من زوجها؟ قال: "أربعة أشهر وعشرًا".
وحكى مطرف قال: أتيت مالك بن أنس يومًا وهو يضحك، وكان ضحكه غريبًا فسألته عن ذلك فقال: قام هنا إنسان يصلي، فجعل يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأرتج عليه، فجعل يرددها مرارًا، فقال له رجل: ما أعرف هنا للشيطان ذنبًا، إلا أنك لا تحسن أن تقرأ.
وبعث الرشيد إلى أبي نواس براءة مختومة، فلما فتحها، لم يجد فيها شيئًا، ففكر طويلًا، ثم رأى الرجل الذي جاء بها أصلع، وهو يطلب منه الجواب، فقال له: إن أردت الجواب، فإنما أكتبه في رأسك، وإلا انصرف دون جواب، فقال له: اكتب، فكتب فيه شعرًا، وكتب في آخره: وبالله إلا مزقتم الرقعة إذا قرأتموها، فلما قرأ الرشيد ذلك أمر بصفع الرجل، فصفع حتى امتحى ذلك الكتاب بالصفع، والرشيد يضحك.
وقال أشعب الطماع: رأيت رؤيا، نصفها حق، ونصفها باطل، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت أرى أحمل بدرة دراهم، فمن ثقلها كنت أسلح في ثيابي، فانتبهت فإذا السلح، ولا بدرة.
وقال لأمه: رأيتك في النوم مطلية بعسل، وأنا مطلي بسلح قالت له: هذا عملك الخبيث، ألبسه الله لك، قال: بقي في الرؤيا شيء، قالت: وما هو؟ قال: رأيتك تلعقينني وألعقك، قالت: لعنك الله يا فاسق.
وأراد رجل أن يتزوج في قوم، فجاء بخطيب، فاستفتح خطبة النكاح بحمد الله، فأطال، ثم ذكر خلق السماوات والأرض، ثم ذكر القرون الماضية حتى ضجر من حضر، ثم التفت إلى الخاطب، فقال: ما اسمك أعزك الله: قال: قد والله نسيت اسمي من طول خطبتك، وهي طالق، وإن تزوجتها، فضحك القوم، وقعدوا في مجلس آخر.
وزوج خالد بن صفوان عبده أمته، فقال له: لو دعوت الناس فخطبت فقال: ادعهم أنت، فدعاهم، فلما اجتمعوا تكلم خالد، فقال: إن الله أجل وأعظم من أن يذكر في نكاح الكلبين، وأنا أشهدهم أني قد زوجت هذه الزانية من هذا ابن الزانية، فضحك القوم من ذلك.
وخطب مصعب بن حيان خطبة نكاح، فأرتج عليه، فقال: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فقالت أم الجارية: عجل الله موتك، ألهذا دعوناك، فضحك القوم وانصرفوا.
ووجد رجل في شجرة تين باكورتين في غير إبان الباكور، فجعلهما في طيفور على رأس غلام ليهديهما الملك، فأحس الغلام بخفة الطيفور، وأراد أن يعلم ما فيه، فرفع الغطاء وأدخل يده، فلم يجد في الطيفور غير الباكورتين. فأخذ واحدة، فأكلها، فلما وضع الطيفور بين يدي الملك بمحضر صاحب الهدية، أمره أن يرفع الغطاء عن الطيفور، فلما رفع لم يجد في الطيفور غير باكورة واحدة، فقال للغلام: ما فعلت بالأخرى؟ فقال: هكذا، وأخذ الباكورة التي بقيت، ورمى بها في فمه وأكلها، فضحك الملك من فعله.
وقال الأصمعي: دخل أبو بكر الهجري على المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين أصيب فمي، وأنتم أهل بيت بركة، فلو أذنت لي، فقبلت رأسك لرجوت الراحة، فقال: اختر بينه وبين الجائزة، فقال: يا أمير المؤمنين أهون علي من ذهاب درهم من الجائزة ألا يبقى من فمي سن، فضحك المنصور وأمر له بجائزة.
[ ٢٩ ]
ودخل رجل بجاية، فبينما هو يمشي، وإذا برجل يقول له: أتشتري حشيشًا طيبًا، فقال له: إش قلت؟ قال: قلت لك هذا الجامع بناه يعقوب المنصور، وأنفق فيه عشر ألف درهم، اش تقول في هذا؟ وقال رجل لآخر: يا حاج الحرامين: الشراب والحشيش.
وتزوج رحل، فأعطى الفقيه أجرة المهر، فقال له: هذا قليل على المهر، فقال له: يا سيدي في الطلاق أخلف عليك إن شاء الله.
ودخل رجل المسجد فعثر في رجل آخر، فقال له: أعمى أنت؟ قال: أنا هو أعمى لو شاء الله كل ما نرى في هذا المسجد يكون أسيرًا في ميورقة.
وجاء رجل إلى معبر فقال له: رأيت نفسي وأنا أطليها بالنخال، فقال له المعبر: يلزمك كلب، أما تسمع من اختلط مع النخال أكلته الكلاب.
ووجد أسقوا يومًا وزير السلطان يخرج للصيد، وهو يلبس السباط فقال: الآن يفتح الله علي، قيل له: ولم ذلك؟ قال: كانت أمي تقول لي: لا يفتح الله عليك ما دام الكلب يمشي حافيًا، فترى سيدي الوزير يلبس السباط.
وكانت امرأة تمشي في الطين، وهي تزلق، وكانت جميلة، فقال لها رجل: حبيبتي واحبسي بلحية عمك سعد، فقالت له: الطين أنقى من السلح.
وقال جحا لأبيه: تزوجت أمي على خمسمائة درهم، فولدت لك أختي، فزوجتها على خمسمائة، وبقيت أنا لك فضلًا.
وضرب بعض النحويين، فكان المطوف يقول: هيذا جزا، فقال: والله لو خيرت بين طريحة أخرى وبين ألا أسمع صوت هذا الفاحش اللحن لاخترت ذلك، ثم التفت للمطوف وقال له: يا محروم بين الإعراب، وقل: هذا جزاء؛ لأنه مبتدأ وخبر، فقال له المطوف: اسكت واتخل رأسك، فقال له: بالدال قلها واقطع الهمزة؛ لأنه فعل أمر، فقال له: والله ما ضربت أبرد منك فلما دخل داره، وكانت له قطة، فجاءت تلعق الدم وتصيح: ميو، فقال لها: قولي: مئو بالهمز، ثم أخذها ورمى بها، فقيل له في ذلك فقال: لئلا يقال: قطة أبي عبد الله لحانة.
وجلس قوم للرماية، فقام أحدهم، وقعد في وسط الإشارة، فقيل له في ذلك، فقال: ما رأيت موضعًا أسلم منه؛ لأنه لم يحصل فيه سهم.
وأرسلت امرأة ولدها إلى خضار، فقال له: تقول لك أمي: أعطها بصلة تطيب بها فمها، فقال لها: تغدت غولًا بسلح.
وجاء جحا يكسر لوزة، فخرجت له من تحت الحجر حين ضرب عليها، فقال: سبحان الله، تراها بهيمة ولا تريد تموت.
وأتت امرأة إلى عطار، فقالت له: أعندك شعر إبليس؟ قال: نعم، فدخل قاعة الحانوت، فنفخ شدقه وأخرج ريحًا، وزنبط ونتف من إبطه شعرات، وأعطاها، قالت: هذا هو؟ قال: نعم، أو ما سمعت توزوزه حين كنت أنتفه؟ فقال له: صدقت، لعن الله رب الشعرات.
ووقف محتسب على لبان، فنظر عليه اللبن، فوجد فيه قليقًا، فقال: ما هذا؟ فقال: جعلته يأكل الدويدات.
ونظر رجل إلى تيس يأكل، ولحيته تضطرب، فقال: هكذا أنا إذا آكل؟ فحلف ألا يأكل طعامًا، فلم يأكل حتى مات جوعًا.
وجاء رجل إلى معبر، فقال: رأيت في النوم أني آكل مجبنة، فقال له المعبر: تحمل أسيرًا إن شاء الله إلى قيجاطة؛ لقول الناس: قيجط نجبن لك.
ورأى رجل سكران يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ قال: طالوت قتل جالوت، ولم نحضر لنصرته.
وقدم لقوم لون من لحم البقر، فجعل واحد منهم يخربش بإصبعه، فقيل له: ما تريد؟ فقال: أفتش القانصة.
وأجرى قوم خيلًا، فطلع منها فرس في أول الحلبة، فجعل رجل يكبر ويقول: عصمك الله، سلمك الله، فقيل له: هذا الفرس فرسك؟ فقال: لا والله إلا اللجام لجامي.
وشهد رجل عند قاض، فقال له المشهود عليه: أتجوز شهادته، وهو لم يحج؟ فقال: قد حججت، فقال سله عن بئر زمزم أين هو؟ فسأله القاضي عنه فقال: لا أدري أين هو؛ لأني حججت قبل أن يحفر.
وقيل لبعض الفقراء: ما تتمنى؟ قال: أتمنى أن أقعد يوم القيامة بين الجنة والنار، فكل من ينطلق إلى الجنة أطلب شكرانه، وكل من ينطلق إلى النار أطلب منه أن ينصف الطريق.
وماتت امرأة، فخرج ابنها يشتري لها كفنًا، فجعل ينظر ثوبًا بعد ثوب، ولا يعجبه شيء، فقال له التاجر: كيف تريده؟ مدنسًا؛ لأنها رحمها الله كانت مقذورة.
وكان رجل يهوى امرأته، فقيل له: هل قلت فيها شعرًا رقيقًا؟ قال: نعم قولي حبي فيك يا ابنة أبي البطرون محل سلح دبان في خبيزة، وارفقي بي يا ابنة عار بن عار.
[ ٣٠ ]
وحج رجل، فلما كان عند الطواف هموا بحلق رأسه، فقالوا: لا يتم الحج إلا بهذا، فحلقوه، فلما ودع الكعبة قال لهم: إن جئت مرة أخرى احلقوا لحيتي.
وسمع أعرابي قيام الليل، وما فيه من الأجر، قال: وأنا أقوم في الليل مرارًا، قيل: وما تصنع؟ قال: أبول وأرجع.
وأرادت امرأة أن تتزوج، فقال لها القاضي: سوقي مهرك، قالت: المهور كثيرة، قال: لابد أن تسوقيها، فساقت مهورها، فكان في جملتها عشرة رجال اسم كل واحد منهم لب.
وكان رجل يحلق عانته في الحمام فأخرج ريحًا، فضحك رجل كان بجانبه، فقال: إنها تولول على قصيصة أخيها.
ورأى رجل مؤذن في صومعته امرأة فأعجبته، فجعل يكلمها من الصومعة ويشير إليها، فشكت ذلك لزوجها، وكان حجامًا، فقال لها: إذا طلع الصومعة وأشار عليك وكلمك فأشيري عليه، ففعلت، فنزل من الصومعة وجاء إلى بابها، فلما دخل إليها جاء زوجها، وقد كان ينظر إليه على بعد، فدخل عليها، فبادرته المرأة، وقالت له: إن سيدي المؤذن له مطحنة موجعة، فانظرها له، فنظرها وقال: لابد من خلعها، وأخرج ماعونه، وقلع له مطحنة، ثم قالت: كانت صحيحة وإنما المؤلمة غيرها، ثم قلع له أخرى، والمؤذن ساكت، ثم خرج وهو يظن أن المرأة حاولت عليه لئلا يفتضح مع زوجها، فلما كان بعد ذلك رآها وكلمها، وأشارت إليه. وهبط إليها وزوجها ناظر إليه، فلما دخل فعل معه مثل ما فعل أولًا ثم خرج، وجعل يكلمها، وتشير عليه فدخل إليها، ويفعل به زوجها مثل ما فعل، وهو يظن أن ذلك حيلة من المرأة في ستره، حتى لم يبق في فمه سن؛ ثم شعر أن ذلك كان حيلة عليه، فطلع يومًا للصومعة، فرأته المرأة، فأشارت إليه فأشار إلى فمه، وقال لها: والله ما بقي فيه أبيض، فأي شيء تريدين مني؟ ورأى مؤذن امرأة في صومعة فتعشق بها وهي به، فإذا تم الأذان رفعت صوتها، وقالت: حاضر ناظر، فيعلم المؤذن أن زوجها في الدار، وإذا لم يكن في الدار تقول: وحدك حبيبي، لا شريك لك، فينزل إليها.
وخرج جحا يومًا على الصبيان، وقال: من يخبرني بما في كمي، وأعطيه أكبر خوخة؟ فقال له صبي: خوخ، فقال: ومن هذا الولد، زنى الذي قالها لك.
وجاء رجل إلى سليمان الورشدي، فقال له: يا سيدي ألك في أرض الجزيرة غنيمات؟ قال: لا، قال: ومن أي شيء تقول ذلك؟ قال: رأيت بها راعيًا يسوق غنمًا، وهو يقول: امش يا متاع ولد قحبة، فظننت أنها متاعك.
وقال الحاج الطنجي: رأيت بالديار المصرية رجلًا يبيع الحشيش وهو يقول: حشيش مركب على قشيش، ينسيك ذكر الله خمسة أيام، فقال له رجل: هذا درهم كبير أعطني منه بقيراط، قال: هذا الصرف لا يجوز.
وقال بعض الظرفاء: الاثنان أنس، والثلاثة عرس، والأربعة دردبة، والخمسة قرقبة، والستة كتف واحمل إلى الحبس.
ودخل رجل يصلي الظهر، وعنده خمسة دراهم، فجعلها أمامه، فرآها الذي بجانبه، فلما سجد أخذها له، فلما تمت الصلاة لم يجدها، فانصرف ولقيه رجل في باب المسجد، فقال: أصليتم؟ قال: نعم، درهم وربع للركعة، فادخل إن شئت.
وجاء رجل للصلاة، فوجد الناس يصلون، فقال: ترى كم معهم من ركعة؟ فقال له رجل وهو في الصلاة: دش.
ومثل ذلك ما حكي لي أن رجلًا دخل مسجد القيسارية ليصلي، والناس في الجلسة الأخيرة، فقال له إبراهيم النجار، وكان يصلي عند الباب: ما بقي شيء، فلم يلتفت الرجل إليه، ودخل، وقال: عار بن عار، نصحناهم فما قبلوا.
وقيل لولد مات والده: ما ترك لك أبوك؟ قال: اللعنة، ما نسمع إلا من يلعنه، ﵀.
وكان لبعض الوزراء بغلة ينقل عليها الزبل، ويركب عليها أحيانًا بالسرج، فقال له رجل: يا سيدي، ما ثم أصبر من هذه الدابة، تنقل الزبل مرة بالبرصون، ومرة بالسراج.
وكان أعرابي يقول في دعائه: اللهم إني أسألك موتة كموتة أبي خارجة، قيل له: وما موتة أبي خارجة؟ قال: أكل لحم جمل، وشرب شراب عسل، ونام في الشمس، فمات شبعان ريان دفآن.
وكان واعظ يقول: من صلى كذا وكذا ركعة بكذا وكذا سورة يعطى في الجنة ما لا ندري.
وساق رجل لامرأته فدوشًا، فقالت له: يا رجل، أي شيء يراد بهذا الفروض؟ والله ما في الدار صعتر ولا والله حبة من ثوم لعمله.
ورفعت امرأة ولدها للقاضي، واشتكت له بكثرة عقوقه لها، فقال له: يا ابن أخي، أما سمعت الله يقول: (فلا تقل لهما أف) فلطمها، وقال لها: متى قلت أنا لك أف؟
[ ٣١ ]
وكان لرجل قط، لا تزال شواربه تنقط دمًا، فسئل عن ذلك، فقال: إذا أكل الطعام، جاءت الفيران تشم ذلك وتلعقه فتدميه.
وجاء شيخ إلى قنديل يطفئه، فأخرج ريحًا، فضحكت امرأته، فقال لها: أتضحكين والله لولا ما تقسم الريح، ما تكسر إلا القنديل.
وقيل لرجل: أين القبلة في دارك؟ فقال: والله ما اهتديت إليها؛ لأني إنما دخلتها منذ أربعة أشهر.
وقال مزبلح لآخر: في غرستكم هذا العام باكور، قال له: عين أعين في باكورة.
وكان فقيه في داره يسمع سائلًا، يسأل ويقرع الباب، فقال له: يا هذا، النقر ثلاث: طاق، طرطاق، طرطلاق، فقال له السائل: فران أنت، ودعني بلا عشاء.
وأعطى ابن قزمان مؤدبه يطبخ له الخبز، وكان الطين: فوقع ووقع الخبز في الطين، فرجع إلى المؤدب، فقال له: يا سيدي، ما تقول في العثرات؟ قال: يا ولدي، إنها مكتوبة، فقال: يا سيدي، وصلتك في الطين مقلوبة.
وكان لرجل من أهل بلفيق بغل، فالتقى مع بغل آخر للقاضي، فضرب بغله بغل القاضي ركضة فكسره، فترك بغله لابنه، وذهب قبل أن يصل الخبر للقاضي، فدخل عليه فوجده مع جماعة من الناس، فقال له: يا سيدي، احكم على بغلك، كسر بغلي بركضة، فقال له القاضي: لا يحكم على بهيمة إذا فعلت شيئًا، فقال للناس: اسمعوا ما يقول سيدي القاضي، قالوا: الحق ما يقول لله، قال: فإن بغلي هو الذي كسر بغله.
ومر رجل بأبي العيناء، فقال: من هذا؟ فقال: رجل من بني آدم، قال: مرحبًا بك، والله ما ظننت هذا النسل إلا قد انقطع.
وصل رجل، فلما سجد سمعه رجل يقول: اللهم اغفر لي ولوالدي ولأمي ولأختي، فقال له آخر: ولختنك، وهما في الصلاة، فقال له: قران أنت؟ وحمل رجل قدرًا إلى فرن بحمامتين، فلما طبخت أكلهما الفران، وجعل عوضًا من ذلك حمامتين حيتين، فلما جاء صاحبها ورفع الغطاء طارتا، ولم يجد في القدر شيئًا، فقال: يا رب، أشهد أنك تحيي وتميت، ولكن المرق إش طرا فيه؟ وخرج جحا من الحمام، فضربته الريح، فقصرت بيضته، فرجع إلى الجمام، يفتش الناس، فقالوا: مالك؟ قال: سرقت بيضتي، ثم إنه تدفأ، وافتقدها، فقال: كل شيء لا تأخذه اليد يوجد.
وتبخر يومًا، فاحترقت ثيابه، فغضب وحلف ألا يتبخر إلا عريان.
وكان يمشي حافيًا، فإذا وصل إلى ساقية أو واد، لبس السباط، فقيل له في ذلك فقال: الطريق أرى ما فيه، وأتحفظ منه، والوادي لا أدري ما فيه.
واختصم رجلان إلى بعض الولاة، فلم يحسن الحكم بينهما، فضربهما، وقال: الحمد لله؛ إنه لم يفتني الظالم منهما.
ومر جحا بصبيان يلعبون بباز ميت، فاشتراه منهم بدرهم، وحمله إلى أمه، فقالت له: ويحك، ما تصنع به وهو ميت؟ فقال لها: اسكتي، فوالله لو كان حيًا ما بيع إلا بمائة درهم.
وقال هشام بن عبد الملك يومًا لأصحابه: من يسبني ولا يفحش، أعطيه هذا الثوب، وكان فيهم أعرابي، فقال: ألقه يا أحول، فقال: خذ، قاتلك الله، وكان هشام أحول.
وضربت امرأة زوجها فقعد يبكي، قالت له: وتبكي؟ قال لها: إي والله على رغم أنفك.
وتشاتم رجلان، فقال أحدهما للآخر: حلق الله لحيتك بمكة إن شاء الله.
وسرق حمار أبي الجهم، فشكر الله تعالى، فقيل له: ما فائدة هذا ومولانا يقول: (لئن شكرتم لأزيدنكم) فقال: لكوني لم أكن عليه فأسرق معه.
وقيل لأعرابي: من أشر أنت أو أخوك؟ قال: إذ جاء رمضان استوينا.
وقال الأصمعي: رأيت أعرابيًا يضرب أمه، فقلت له: أتضرب أمك؟ قال: إنها قليلة الأدب.
وكان لرجل ابن مزبلح، فجاءه يومًا ضيف، فلما رآه الابن لم يسلم عليه، فقال له والده: سلم على عمك عنق السياط، فقام وسلم عليه وقال له: كيف حالك يا عمي عنق السياط، فخجل الرجل، وضحك والده.
وكان لرجل ابن يسرق كل يوم حاجة، ويبيعها بأبخس ثمن، وينفقه في الفساد، فعاتبه يومًا وقال له: ليتك إذا سرقت الحاجة كنت تبيعها مني، فقال له: فاشتر مني إذن تلك المنارة؛ فإني إنما جئت لأسرقها، وأشار له إلى منارة أمامه.
[ ٣٢ ]
وبات رجل عند نحوي، فأكل عنده طعامًا وفاكهة كثيرة، فلما كان في نصف الليل تحركت عليه بطنه، فصاح على النحوي: يا سيدي، إني أريد أن أتروح، قال: فتنحنح النحوي مرارًا، ثم صاح: يا ميمونة مرار كثيرة، حتى استجابت له بعد حين، فقال: أزيلي الكرى عن مقلتيك، وافتحي عينيك، والسي ثوبيك، وقومي على قدميك، واضربي الزند، وأشعلي نارًا، وأوقدي سراجًا، وانهضي إلى البئر، فأدلي فيه الدلو، وأخرجي منه ماء، واجعليه في قدح، وألقيه في المستراح؛ فإن ضيفنا يريد أن يتروح، فلم يتم النحوي كلامه، إلا والرجل قد سلح في السرير، فقال: يا سيدي إن هذا الشغل الذي كلفت به خادمك إن يسر الله فيه، ربما يتهيأ في سنة كاملة، وأنا لا أكلف خادمك أكثر من شغل ساعة، يا ميمونة: اقبلي واغسلي السرير؛ فقد سلحت فيه.
وقال الأصمعي: دخلت مسجدًا لأصلي فيه، فوجدت رجلًا وهو يصلي وقد رفع رجله، ومدها إلى خلفه، وجعل يده في السارية يمسك بها، فوقفت حتى فرغ من صلاته، وقلت له: لم رفعت رجلك، ومددتها إلى خلفك؟ قال: كنت أتهم بها نجاسة، فأردت ألا أصلي بها.
وكان بقرطبة رجل يعبر المنامات، وكان لا حسن فيها شيئًا، فأتته امرأة وقالت له: يا سيدي، كنت أرى في المنام، أني جالسة وفي يدي قيدوم، قال لها، زوجك يقدم، قالت له: يا سيدي، كيف يقدم زوجي وهو ميت؟ قال: يا حمقاء القيدوم يسوقه، ولو كان ميتًا منذ ألف سنة.
وجاءت امرأة إلى لب كاتب الشمس، فقالت له: يا سيدي، أين يوجد ابن دحنين الذي يفسر المنام؟ فنظر إليها، وفي يدها دجاجة وسلة بيض، فقال لها: أنا أفسر المنام أحسن منه، وأقول لك خيرًا، فقصي علي ما رأيت، فقالت له: رأيت كذا وكذا، فقال لها: هذه منامة مليحة ينال بها كذا وكذا، ويفعل بك زوجك كذا وكذا، فدفعت إليه الدجاجة والبيض وانصرفت، فأخبر ابن دحنين بذلك، فجاء إليه ولعنه، وأراد أن يشتكي به للقاضي.
وجاء رجلان إلى قاض يختصمان، فكان أحدهما يدعي على الآخر حقًا يزعم أنه من ميراث أبيه، فقال له الآخر: أعز الله القاضي، أنا رجل من بعض قرابته قال القاضي: فمن أي وجه قرابتك به حتى أعرف أمركما وأحكم بينكما؟ قال: كانت أم أبيه، جدها لأمها أخو بنت عمة خالي أخي بنت ابن ربيبتي، قال القاضي: يا سفلة، هذه أخلاط شربة، ارفعوها إلى العشاب؛ حتى يميزها خلطًا خلطًا.
وقال رجل لآخر: ما فعل أبوك بحماره؟ قال: باعه، قال: لم قلت باعه؟ قال له: ولم قلت أنت بحماره؟ فقال: للباء الجارة، قال: ولم تكون باؤك تخفض، وبائي لا تخفض؟ ومثل هذا ما يحكى أن رجلًا لقي آخر. فقال له: من أين أقبلت؟ قال: من عند أهلونا، فتعجب السائل من فصاحته، ثم قال له: قد علمت من أين أخذت هذا، من قوله تعالى: (شغلتنا أموالنا وأهلونا) .
وقال رجل لبياع الخوخ: كيف تبيع الخوخ يا أقرع؟ قال: من كلامك الحسن، أختار لك بنوجًا.
وقال فقيه لعبيد بن طرس: من أين تأكل؟ قال: من الكون يا كبة، ولا من برزون.
وقال الأصمعي: كان بين رجلين عبد، فقام أحدهما يضربه، فقال له شريكه: ما تصنع؟ قال: اضرب حصتي منه، فقال له: وأنا أضرب حصتي، فقاما يضربانه فسلح عليهما، وقال: اقتسما هذا على قدر حصتكما.
وقال المتوكل يومًا لجلسائه: أتعلمون عنت المسلمين على عثمان بن عفان؟ فقال أحدهم: نعم يا أمير المؤمنين، لما توفي رسول الله ﷺ قام أبو بكر على المنبر دون مقام رسول الله ﷺ، فلما ولي عمر قام دون مقام أبي بكر بمرقاة، فلما ولي عثمان صعد ذروة المنبر فقعد مقعد النبي ﷺ، فأنكر ذلك المسلمون عليه، فقال عبادة: يا أمير المؤمنين، ما أحد أعظم منة عليك من عثمان، قال: وكيف ذلك؟ قال: صعد ذروة المنبر فلو أنه كلما ولي خليفة نزل عن مقام من تقدم لكنت تخطب علينا من بيتك، فضحك المتوكل حتى استلقى، وضحك من حضر.
[ ٣٣ ]
ولما حمل أبو إسحاق إلى المتوكل وأدخل عليه، قال المتوكل لابن حمدون: اعبث به، فقال له ابن حمدون: متى تعلمت العبارة؟ قال: أنا معبر قبل أن تكون أنت ملهيًا، قال: ما تقول في رؤيا رأيتها؟ قال: وما هي؟ قال: رأيت كأن أمير المؤمنين حملني على فرس أشهب كله، إلا ذنبه، فإنه كان أخضر، قال: صدقت رؤياك، فإن أمير المؤمنين يأمر أن تدخل في قفاك فجلة، يغيب أصلها الأبيض، ويبقى الأخضر منها، فضحك المتوكل، وقال: صدقت رؤياك، هاتوا فجلة، فقال: أنت يا أمير المؤمنين أمرتني، قال: وأنت رأيت الرؤيا، قبل أن آمرك، فلم يبرح حتى فعل به ذلك.
وقعد المتوكل يومًا يشرب، فطرب عبادة من صول لبعض المغنين، فقام ورقص، أحسن رقص، فسر المتوكل برقصه، وقرب عبادة من مقعده، فلما جلس ضرب المتوكل بيده على قفا عبادة فأخرج ريحًا، فقال: ويلك ما هذا؟ فقال: يا سيدي أيجوز لمثلك أن ينقر على قوم فلا يكلمونه؟ وأتي علي بن موسى الوزير ببعض العمال، وقد خرج عليه مال كثير، فطلب به وحبس، ثم أخرج يومًا ليطلب له ذلك، فإذا هو بامرأة قد أخذت من قوم وهي تذكر أنهم استكرهوها في نفسها، فقال لها: طوبى لك، أنت طلبت بما تقدرين عليه، وأنا أطلب بما لا أقدر عليه، فبلغ ذلك علي بن عيسى، فضحك عليه، وحط عنه نصف ما عليه.
وكان رجل من العمال يطلب بمال، فأحضر بين يدي بعض الولاة، وأقيم على رأسه عونان، وقيل لهما: انتفا لحيته، فقال الرجل للوالي: ولم تفعل هذا بي؟ قال: حتى تؤدي ما عليك، قال: نعم، قال: وخراج أهل بيتك، قال: نعم، قال: وخراج سكان موضعك، فرفع رأسه إلى العونين، وقال: انتفا على بركة الله، فضحك وخلى سبيله.
ومات بواسط رجل من المياسير في أيام اليزيد، فأحضر ابن الميت، وقال له: ما ترك أبوك من المال؟ قال: كذا وكذا، وخلف من الورثة الوزير أعزه الله، وأنا، فضحك المتوكل، وأمره ألا يتعرض له.
وكان بعضهم في سفر، فوصل إليه كتاب من داره بموت أحد أولاده، فقال: لا إله إلا الله، ولد ونحن غائبون، ومات ونحن غائبون، فقال له مضحك: نعم، وعمل وأنتم غائبون.
وكان بعض الملوك فيه ضر وشدة، فلا يقدر أحد أن يبتدأه بكلام، فبينما هو جالس يومًا مع ندمائه في براح، إذا بعارض مطر شديد، فلم يقم، ولم يتجسر أحد أن يقول له شيئًا، والمطر في زيادة، وكان بينهم طيفور فيه فاكهة، فأخذه رجل من الجمع، وفرغ ما فيه، وألقاه على رأسه، وقال للملك: اجلس ما شئت، فضحك من فعله، وقام من فوره.
ولقي بعض الأمراء أسود في بعض طرق نزهته، فأمر بقتله، فقال الأسود: ما ذنبي؟ فقال: إني تشاءمت برؤيتك، فقال له الأسود: فمن تشاءم منا بصاحبه أكثر أنا أو أنت؟ فضحك من قوله، وخلى سبيله.
وعرض عمرو بن الليث عساكره، فرأى فارسًا، تحته دابة مهزولة، فقال: لعن الله هؤلاء، يأخذون الدراهم، فينتفعون بها، ويستمتعون بفقاح نسائهم، فقال الفارس: أيها الأمير، لو رأيت امرأتي لعلمت أنها أهزل من كفل دابتي، فضحك عمرو، وأمر له بطعام وقال له: سمن امرأتك، وكفل دابتك.
وخرج المعتصم إلى بعض متنزهاته، فظهر له أسد، فقال لرجل من فرسانه أعجبه قوامه وسلاحه، وتمام خلقته: يا رجل، أفيك خير؟ فقال بعجلة: لا يا أمير المؤمنين، فضحك المعتصم، وقال: قبحك الله، وقبح طلعتك.
وأراد أعمى أن يتزوج امرأة، فحضرا مجلس القاضي، ليشهد لهما، فقال لها القاضي: اكشفي عن وجهك، فكشفت، فأعجبته، فقال للأعمى: كم أمهرتها؟ قال: أربعمائة درهم، فقال القاضي: زدها؛ فإنها تستحق أكثر، فقال الأعمى: هذا ما عندي، فإن كان عند القاضي زيادة، فهو أولى بها.
ورأت طفلة عروسًا يلعب مع عروسه، فمضت لأبيها، وقالت له: اشتر لي عروسًا ألعب معه.
وتعشى أبو سالم القاص طفيشلًا وشرب عليه نبيذًا حارًا، وبكر ليقص، فدخل المسجد، وأقيمت الصلاة، وكان الإمام شيخًا كبيرًا، فلما فرغ من الصلاة جلس في المحراب، فقام أبو سالم إلى جانبه يعظ الناس، فبينما هو في قصصه إذ تحركت بطنه، فقال: قولوا: لا إله إلا الله، فارتفعت الأصوات التهليل، وخرجت منه ريح علم بها الإمام، وقال: يا قوم، لا تقولوا شيئًا، فإنه يريد أن يسلح علي، فضحك الناس، وانصرف أبو سالم.
[ ٣٤ ]
وحضر أبو عقيل مجلس بعض العلماء، وهم يتجادلون في الفقه، فقال أبو عقيل: دعونا من الخوض فيما لا ينفعنا، أي شيء كان اسم حمار العزيز، وأي شيء كان اسم هدهد سليمتان ﵇؟ ورفع رجل في دين عليه إلى قاض، فأمر به إلى السجن لقلة ما بيده، فمر بصبيان يلعبون، فنظر إليهم، وقال لهم: والله لقد كنتم نعم الأصحاب، من يوم ما فارقتكم ما رأيت خيرًا، فضحك غريمه وأطلقه.
وانكسر رجل، فجاء أصحابه إليه يزورونه، فقالوا: كيف حالك؟ فقال لهم: فيكم من انكسر؟ قالوا: لا، فقال: ما أقول لكم شيئًا.
وكان سائل يمشي ومعه ابن له صغير، فسمع امرأة تقول، وهي خلف جنازة: يذهبون بك والله إلى بيت ليس فيه غطاء ولا وطاء ولا غداء ولا عشاء، فقال ابن السائل: لبيتنا والله يذهبون به.
ومر رجل ومعه ابن له صغير برجل يقطع بمقص، وهو يعوج فمه، فقال له ابنه: يا أبت، هذا مقصنا الذي تلف لنا، فقال له أبوه: ومن أين علمت ذلك؟ قال: لأنه يعوج فمه، كما كنت تفعل.
وكان ابن شبانة يومًا ينشد، فأخرج ريحًا، فقال لقفاه: أما أن تسكتي حتى أتكلم، وإما أن تتكلمي.
وحضر مزيد مجلسًا بالمدينة، وفيه قينة تغني، ووصيفة على رأسها واقفة، فتحركت القينة، فخرج منها ريح بصوت، فرفعت رأسها ولطمت الوصيفة، فلبث مزيد يسيرًا، واستعمل خروج ريح بصوت، فرفع يده، ولطم الوصيفة، فقالت له المغنية: مالك تلطم جارتي؟ فقال: رأيت كل من يخرج ريحًا يلطمها.
وكان لرجل أم عجوز، فجرى يومًا حديث النسوان وتزويجهن، فقال رجل: كل امرأة تقدر أن تحمل البوقل إلى أعلى السطح ينبغي أن تتزوج، فقالت العجوز أنا والله أقدر أن أرفع الخابية بالماء، فقال لها ابنها: والله لو صعدت بها فوق منار الجامع ما زوجتك؟ وكان لبعض الكتاب أم عجوز، وكانت تختضب وتتصنع، فاشتكت، فجاءها الطبيب، فجعل يقول في خلال كلامه لما رأى من خضابها وزينتها: ما أحوجها إلى زوج، فقال لها ابنها: اسكت ويحك هي عجوز هرمت، فقالت العجوز: أنت أعلم أم الطبيب يا أحمق؟ واجتمع ثلاثة نفر، فقال أحدهم: علي الطعام، وقال الثاني: وعلي الشراب، فقال الثالث: وعلي لعنة الله إن فارقتكم، فضحكوا من قوله، ومروا به.
وقال بعضهم: أخذ الطائف على المدينة ليلًا رجلًا سكران، فقال: اسجنوه، فقال: أصلحك الله، لا تفعل، فإن علي يمينًا بالطلاق ألا أبيت عن منزلي، فضحك منه وخلى سبيله.
ونظر ملاح إلى شيء على وجه الماء في البحر، فظن أنه قطيفة، فقال: أنا والله أحوج الناس إليها، فرمى بنفسه عليها، فإذا هي من دواب البحر، فتعلقت به، فصاح به الناس: اترك القطيفة وانج برأسك، فقال: قد تركتها، وهي ليست تتركني.
ودعا بعضهم قومًا إلى طعامه، فلما مدوا أيديهم إلى الطعام، هاله منظرهم، ولم يستطع الصبر، فقال: هكذا والله تقوم القيامة.
وقال أبو العيناء: كنا على مائدة بعض الرؤساء، فقدم إلينا جدي مشوي، فلما ضرب الناس فيه بأيديهم، قال صاحب البيت: أما أنتم مسلمون؟ فارفقوا به رحمكم الله، فإنه بهيمة.
وقال بعضهم: دعاني صديق لي، وكان بخيلًا، فقدم على المائدة جدي، فنحن نأكله، وشاة تصيح، قلت: اسمعوا هذه الثكلى تصيح، فقال رب البيت: وكيف لا تصيح، وقرة عينها بين أيديكم تمزقونه؟ وأكل قوم عند بخيل، فلما رآهم قد أمعنوا الأكل أراد أن يقطعهم فقال: ليس هذا أكل من أراد أن يتعشى.
وكان ببغداد رجل غني، فسأله ابنه يومًا أن يشتري له إجاصًا، فتقدم إلى جار له، فقال: أعطني إجاصة واحدة، فلما أخذها ناولها ابنه، وقال له: كل هذه، فإنك لو أكلت منها ألفًا، فطعمها كطعم هذه الواحدة.
وكان بها رجل آخر، وكان لا يرى إلا رث الثياب، فخرج يومًا من منزله، فلقيه رجل من الجند، قد أخذ رزقه، فلما رآه دفع إليه درهمين، فقال له رجل يعرفه: لا تعط هذا شيئًا؛ فإنه أغنى من الأمير، فالتفت إلى الرجل وقال: ما كان يضرك لو سكت؟ فقال الجندي: ويلك، لم لا تلبس، ولا تنفق على نفسك مما رزقك الله؟ قال: يمنعني خشية الفقر، قال: ويحك، تعجلت ما كنت تخاف.
[ ٣٥ ]
واشترى رجل من أهل الكوفة جبنة لعياله، وقال: يكفيكم أن تمسحوا خبزكم بها، فما زال كذلك حتى ضجروا منه، وتمنوا موته، فمات، وورثه ابنه فقال: إن أبي كان مسرفًا في ماله، فجعلها في جراب وعلقها، وقال: تكفيكم رائحتها، والإيماء إليها، فترحموا على الميت.
وقال بعضهم: كنت بالكوفة أبيع اللحم، فوقف علي رجل حسن الهيئة مليح المنظر، فحسر عن ذراعيه، وجعل يلطم اللحم بباطن كفه، ثم يمشي إلى غيري فيفعل مثل ذلك أيامًا، فسألت عنه، فقيل لي: هذا دأبه، فإذا صار إلى داره غسل يده، وصنع بذلك الماء ثريدًا.
وقال بعضهم: قلت مرة لرجل غني من أهل الكوفة، إنك لكثير المال، وقميصك وسخ، فلم لا تغسله؟ فقال لي: والله إني فكرت في غسله منذ ستة أشهر، ولكني أغسله إن شاء الله.
وكان لرجل من أهل الكوفة أم عجوز، وكان كثير المال، فقيل لها: كم يجري عليك ابنك؟ قالت: درهمًا في كل أضحى.
وخرج نفر من أهل الكوفة في سفر، واتفقوا على أن يخرج لكل واحد منهم جعلًا للسراج، فأخرجوا، وامتنع واحد منهم، فكانوا إذا أوقدوا المصباح سدوا عينيه إلى وقت النوم، فإذا أطفأوا السراج خلوا عنه.
واصطحب منهم اثنان في سفر، فقال أحدهما للآخر: تعال نأكل، فقال له: معي رغيف، ومعك رغيف، فلولا أنك تريد أكثر، ما قلت لي: تعال نأكل جميعًا، وإلا فكل وحدك، وأنا وحدي.
ودخل طفيلي على قوم فقالوا: ما الذي جاء بك؟ فقال: إذا لم تدعوني أنتم، ولم آت أنا، وقعت بيننا وحشة، فضحكوا منه، وأكل معهم.
ودخل ابن مضاء على بعض الأمراء، فقال له: أي شيء خبرك يا ابن مضاء؟ قال: أعز الله الأمير، وأي شيء يكون خبري، والخرا عند الناس أكرم مني أفضل؟ قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن الخرا يحمل على الحمير، وأنا أمشي راجلًا، فضحك الأمير، وأمر له ببغلة يركبها.
وقال العتبي: كان بالمدينة مؤنث يدل على النساء يكنى أبا الحر، فقلت له: دلني على امرأة أتزوجها، فدلني على عدة نساء، فلم أرض منهن واحدة، فقال: والله يا مولاي، لأدلنك على امرأة لم تر مثلها قط، فإن لم ترضها فاحلق لحيتي، قال: فدلني على امرأة، فلما زفت إلي وجدتها أكثر مما وصف، فلما كان في السحر، إذا إنسان يدق الباب، فقلت: من هذا؟ قال: أبو الحر، وهذا الحجام معي، فقلت: قد وقى الله شعرك أبا الحر، الأمر كما قلت.
ودخل رجل على ثمامة بن أشرس وبين يديه طبق بفراريج، فغطى الطبق بذيله، وأدخل رأسه في جيبه، وقال للرجل الداخل: كن أنت في البيت الآخر، حتى أفرغ من بخوري.
وقال بعضهم: دخلت على يحيى بن عبيد الله، وقوم يأكلوه عنده، فمد يده إلى رغيف، فرفعه من المائدة، وجعل يرطله بيده، ويقول: يزعمون أن خبزي صغير فمن هذا الزاني ابن الزانية، الذي يأكل منه نصف رغيف؟ وقال: دخلت عليه مرة أخرى، والمائدة موضوعة، والقوم قد أكلوا، ورفعوا أيديهم، فمددت يدي لآكل، فقال: أجهز على الجرحى ولا تتعرض للأصحا، يقول: عليك بالدجاجة التي قد نيل منها، والفرخ المنزوع الفخذ، وأما الصحيح فلا تتعرض له.
وقال الأصمعي: كان المروزي يقول لزواره: هل تغديتم اليوم؟ فإن قالوا: نعم، قال: والله لولا أنكم تغديتم لأطعمتكم لونًا ما أكلتم مثله قط، ولكنه قد ذهب أول الطعام بشهوتكم، وإن قالوا: لا، قال: والله لولا أنكم لم تتغدوا لأسقيتكم خمسة أقدام من نبيذ الزبيب ما شربتم مثله، فلا يصير في أيديهم من الوجهين قليل ولا كثير.
وكان ثمامة بن أشرس، إذا دخل عليه أصحابه، وقد تعشوا عنده سألهم: كيف كان بيتهم ومنامهم، فإن قال أحدهم: إنه نام ليلة فيه هدو وسكون، قال: النفس إذا أخذت قوتها اطمأنت، وإن قال: إنه لم ينم، قال: إفراط الشبع والسرف في البطنة، ثم يقول لهم: كيف كان شربكم، فإن قال أحدهم: كثيرًا، قال: التراب الكثير لا يبله إلا الماء الكثير، وإن قال: قليلًا، قال: ما تركت للماء مدخلًا.
[ ٣٦ ]
وبينما قوم جلوس عند رجل من أهل المدينة يأكلون عنده حيتانًا، إذا استأذن عليهم أشعب الطفيلي، فقال أحدهم: إن من شأن أشعب البسط إلى آخر الطعام، فاجعلوا كبار الحوت في صحفة ناحية، ويأكل معنا الصغار ففعلوا، وأذن له فدخل، فقالوا له: كيف رأيك في الحيتان يا أبا أشعب؟ قال: والله إن لي عليها حنقًا شديدًا، لأن أبي مات في البحر وأكلته الحيتان، قال له القوم: دونك فخذ بثأر أبيك، فجلس ومد يده إلى حوت منها صغير، ثم وضعه عند أذنه، وقد نظر إلي الصحفة التي فيها الحيتان الكبار، وقال: أتدرون ما تقول هذه الحوتة؟ قالوا: لا ندري، قال: تقول: إنها لم تحضر موت أبي ولا أدركته؛ لأنها أصغر سنًا من ذلك، ولكن عليك بتلك الكبار التي في زاوية البيت، فهي أكلت أباك.
وخطر طفيلي على قوم يأكلون، وقد أغلقوا الباب دونه، فطلع عليهم من الجدار، وقال: منعتمونا من الأرض، جئناكم من السماء.
ودخل طفيلي من المدينة على الفضل بن يحيى، وبيده تفاحة، فألقاها إليه، وقال: حياك الله يا مدني، فلزمها وأكلها، فقال له الفضل: ويحك أتأكل التحيات؟ قال: إي والله والزاكيات الطيبات.
وقيل لبسرة الأحول: كم تأكل كل يوم؟ قال: من مالي أو من مال غيري؟ قيل: من مالك، قال: مكوك، قيل: ومن مال غيرك؟ قال: أخبز وأطرح.
وقال أبو القيظان: كان هلال بن أشقر التميمي أكولًا، فيزعمون أنه أكل جملًا، وأكلت امرأته فصيلًا، فلما أراد أن ينام لم يصل إليها، فقالت له: كيف تصل إلي، وبيني وبينك جملان؟ وحكى أبو الخطاب قال: كان عندنا رجل أحدب، فسقط في بئر، فسقطت حدبته، فصار بأدرة، فدخل الناس عليه يهنئونه، فقال: الذي جاء شر من الذي ذهب.
وقال أبو حاتم: رمى رجل أعور بنشابة، فأصابت عينه الصحيحة، فقال: أمسينا، وأمسى الملك لله.
وقال الزبير بن بكار: جاءت امرأة إلى أبي تستعديه على زوجها، وتزعم أنه يصيب جاريتها، فأمر به فأحضر، فسأله عما ادعت، فقال: أصلح الله الأمير، هي سوداء وخادمها سوداء، وفي بصري ضعف، ويضرب الليل برواقة، فآخذ ما دنا مني.
وخطب رجل خطبة نكاح، وأعرابي حاضر، فقال: الحمد لله، أحمده، وأستعينه وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، فقال له الأعرابي: لا تقم الصلاة؛ فإني على غير وضوء.
وقال العوام بن حوشب: قال لي عيسى بن موسى: من أرضعتك؟ قلت: ما أرضعتني سوى أمي، قال: قد علمت أن ذلك الوجه القبيح لا يصبر عليه سوى أمه.
وكان رجل مخنث، قد تنسك، وتشبه بالحسن البصري، فشهد جنازة ووقف على القبر، وإلى جانبه رجل ظريف، فضحك، فقال له المخنث: ما أعددت لهذه الحفرة أبا فلان؟ قال: أمك ندفنها فيها الساعة.
ودخل أعرابي الحمام فخرج منه ريح، فقال له نبطي: جبحان الله، فقال له الأعرابي: يا ابن اللخناء، ريحي أفصح من تسبيحك.
وفي كتاب ابن الهندي أن ناسكًا كانت له جرة بسمن، فعلقها في سرير، ففكر يومًا، وهو مضطجع على السرير وبيده العكاز، فقال: أبيع الجرة بخمسة دراهم، فأشتري خمسة أعناز، فأولدهن في كل سنة مرتين حتى تبلغ ثمانين، فأبيعها، وأشتري بكل عشرة بقرة، ثم ينمى المال بيدي، فأشتري العبيد والإماء، ويولد لي ولد فأؤدبه، فإن عصاني ضربته لهذه العصا، وأشار بالعصا فأصاب الجرة فتكسرت، وانصب السمن على رأسه.